الأمان الفكري والثقافي

صفقة القرن وفق السلوك الإسرائيلي والأميركي والصمت العربي: تطبيع مقابل السراب
26/10/2017 - صالح النعامي

يستدلّ مما كشفته قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية منذ أيام، أن «صفقة القرن» التي بشّر بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هي مجرد صيغة من صيغ التسوية الإقليمية التي روّج لها بشكل خاص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتن ياهو ووزيره أفيغدور ليبرمان. ووفقاً لخطة ترامب للتسوية، فإن الدول العربية هي الطرف الوحيد الذي تمّ تحديد الثمن الذي يدفعه سلفاً ضمن هذه التسوية، وهو التطبيع الكامل مع إسرائيل. ومن المفارقة أن الخطة لم تتطرق للثمن الذي يتوجب على إسرائيل، التي تحتل الأراضي الفلسطينية والعربية، دفعه بعد إنجاز «الصفقة». 
وبغض النظر عن تفاصيل الخطة، فإن السلوك الأميركي يدل على أن هذه الصفقة ستفضي إلى إضفاء شرعية على بقاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصاً أن الولايات المتحدة تتبنى التصور الإسرائيلي لمكانة الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في مقابلة نشرتها معه قبل فترة صحيفة «يسرائيل هيوم»، نفى السفير الأميركي في تل أبيب (ديفيد فريدمان) أن تكون إسرائيل تمارس الاحتلال من خلال تواجدها في الضفة الغربية. إلى جانب ذلك، فقد صمتت واشنطن عن سلسلة القرارات التي اتخذتها حكومة الاحتلال، خلال شهر تشرين الأول الحالي، بشأن تدشين عدد كبير من المشاريع الاستيطانية في أرجاء القدس والضفة الغربية، وهو ما يمثل ضوءاً أخضر أميركياً يسمح لتل أبيب بحسم مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل أن ينطلق قطار «التسوية الإقليمية». فقد أقدمت الحكومة الإسرائيلية أخيراً على خطوات عدة تجعل من فرص التوصل إلى تسوية تقوم على الانسحاب من الأراضي المحتلة تؤول إلى الصفر. فلأول مرة منذ عقدين من الزمان، أقرّت حكومة نتن ياهو خطة لتدشين جيب استيطاني جديد في قلب مدينة الخليل. ومن الواضح أن من يقوم بالبناء في قلب مدينة فلسطينية يصل تعداد سكانها لأكثر من 120 ألف نسمة لا يضع في حسابه إمكانية الانسحاب منها. إلى جانب ذلك، فقد كشفت قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية، منذ أيام أن إسرائيل، ولأول مرة منذ 15 عاماً، قررت بناء حيّ استيطاني في قلب حيّ جبل المكبر في القدس الشرقية. وحسب تقديرات القناة، فإن إسرائيل ستتجه في المستقبل القريب لتدشين مشاريع استيطانية في كثير من المستوطنات النائية التي تجنبت البناء فيها بسبب الضغوط التي مارستها عليها الإدارات الديمقراطية والجمهورية. في الوقت ذاته، فقد صمتت الإدارة الأميركية عن سلسلة من المواقف التي عبّر عنها نتن ياهو والتي تنسف الأسس التي يمكن أن تستند إليها أية تسوية للصراع تلبي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية. فخلال الاحتفال الذي نظم الأسبوع الماضي بمرور خمسين عاماً على احتلال الضفة الغربية، توعد نتن ياهو بأن تبقى منطقة «غور الأردن»، التي تشكل 28 في المائة من مساحة الضفة الغربية، ضمن السيادة الإسرائيلية، علاوة على تعهده بألا تتم إزالة ولو بيتاً واحداً من أية مستوطنة من مستوطنات الضفة.
في الوقت نفسه، فإن انجراف المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف أشعل تنافساً بين الساسة والأحزاب الإسرائيلية لتبني مواقف متطرفة من الصراع، ترسي دعائم إجماع داخلي يستحيل معه التوصل إلى تسوية تقوم على الانسحاب من الأراضي المحتلة. فوزير الحرب الإسرائيلي السابق، موشيه يعلون، الذي يتطلع لتشكيل حزب جديد يتنافس من خلاله على زعامة «الدولة» في الانتخابات المقبلة، صرّح أخيراً بأن «السلام لن يحل»، وأنه يتوجب «جلب مليون يهودي آخر للاستيطان» في الضفة الغربية. وحتى لو راهن أحد على إمكانية أن يحدث تحول على موازين القوى الداخلية في إسرائيل بحيث يصل إلى الحكم تحالف اليسار والوسط، فإن الفروق الأيديولوجية قد انعدمت تماماً بين الأحزاب الصهيونية في كل ما يتعلق بالموقف من الصراع.
زعيم حزب العمل، آفي جباي، الذي يعتبر نفسه ممثل «معسكر السلام» الإسرائيلي، أوضح أخيراً أنه في حال توليه رئاسة الحكومة فلن يسمح بإزالة مستوطنة واحدة من المستوطنات في الضفة. ويتضح أن إسرائيل تحدد بالأفعال والأقوال مسبقاً طابع التسوية الإقليمية التي يخطط ترامب لدفعها بالتعاون مع الدول العربية.
ويمثل الصمت الأميركي على الطفرة في المشاريع الاستيطانية التي أقدمت عليها إسرائيل، وتجاهل واشنطن سلسلة المواقف التي صدرت عن القيادات الإسرائيلية التي يستحيل معها التوصل إلى تسوية، تحدياً للدول العربية التي تراهن واشنطن على دورها في دفع التسوية الإقليمية، لا سيما مصر والسعودية والأردن، التي زارها جاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل شهرين لبحث دورها في دفع هذه التسوية. وفي حال حافظت حكومات هذه الدول على الصمت إزاء المواقف الأميركية والإسرائيلية، فإن تعاونها مع الجهود الهادفة لتحقيق التسوية الإقليمية قد يعني تسليمها بصيغة «التطبيع مقابل السراب».}