الأمان الفكري والثقافي

القدس.. أرض الرباط والجهاد
14/12/2017 - د. يوسف القرضاوي

القدس في الاعتقاد الإسلامي، لها مكانة دينية مرموقة، اتفق على ذلك المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم، فهو إجماع الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها؛ ولا غرو أن يلتزم جميع المسلمين وجوب الدفاع عن القدس، والغيرة عليها، والذود عن حماها وحرماتها ومقدساتها، وبذل النفس والنفيس في سبيل حمايتها، ورد المعتدين عليها.
وقد اختلف المسلمون والعرب والفلسطينيون في الموقف من قضية السلام مع «إسرائيل»، هل يجوز أم لا يجوز؟ وإن جاز، فهل ينجح أم لا ينجح؟ ولكنهم جميعاً -مسلمين وعرباً وفلسطينيين- لم يختلفوا حول عروبة القدس، وإسلاميتها، وضرورة بقائها عربية إسلامية، وفرضية مقاومة المحاولات الإسرائيلية لتهويدها، وتغيير معالمها، ومسخ شخصيتها التاريخية، ومحو مظاهر العروبة والإسلام والمسيحية منها.
فللقدس قدسية إسلامية مقدورة، وهي تمثل في حس المسلمين ووعيهم: القبلة الأولى، وأرض الإسراء والمعراج، وثالث المدن المعظمة، وأرض النبوات والبركات، وأرض الرباط والجهاد.
القدس.. القبلة الأولى
أول ما تمثله القدس في حس المسلمين وفي وعيهم وفكرهم الديني، أنها «القبلة الأولى» التي ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتوجهون إليها في صلاتهم منذ فرضت الصلاة ليلة الإسراء والمعراج في السنة العاشرة للبعثة المحمدية، أي قبل الهجرة بثلاث سنوات، وظلوا يصلون إليها وهم في مكة، وبعد هجرتهم إلى المدينة ستة عشر شهراً، حتى نزل القرآن يأمرهم بالتوجه إلى الكعبة، أو المسجد الحرام، كما قال تعالى: >ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره< البقرة: 150، وفي المدينة المنورة معلم أثري بارز يؤكد هذه القضية، وهو مسجد القبلتين، الذي صلى فيه المسلمون صلاة واحدة بعضها إلى القدس وبعضها إلى مكة، وهو لا يزال قائماً، وهو يزار إلى اليوم ويصلى فيه.
وقد أثار اليهود في المدينة ضجة كبرى حول هذا التحول، ورد عليهم القرآن بأن الجهات كلها لله، وهو الذي يحدد أيها يكون القبلة >سيقول السفهاء من الناس ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل: لله المشرق والمغرب، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم< إلى أن يقول: >وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله، وما كان الله ليضيع إيمانكم< البقرة: 142-143، فقد قالوا: إن صلاة المسلمين تلك السنوات قد ضاعت وأهدرت، لأنها لم تكن إلى قبلة صحيحة، فقال الله: >وما كان الله ليضيع إيمانكم< أي صلاتكم، لأنها كانت صلاة إلى قبلة صحيحة مرضيّة عنده.
القدس أرض الإسراء والمعراج
وثاني ما تمثله القدس في الوعي الإسلامي: أن الله تعالى جعلها منتهى رحلة الإسراء الأرضيّة، ومبتدأ رحلة المعراج السماوية، فقد شاءت إرادة الله أن تبدأ هذه الرحلة الأرضية المحمدية الليلية المباركة من مكة ومن المسجد الحرام، حيث يقيم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تنتهي عند المسجد الأقصى، ولم يكن هذا اعتباطاً ولا جزافاً، بل كان ذلك بتدبير إلهي ولحكمة ربانية، وهي أن يلتقي خاتم الرسل والنبيين هناك بالرسل الكرام، ويصلي بهم إماماً، وفي هذا إعلان عن انتقال القيادة الدينية للعالم من بني إسرائيل إلى أمة جديدة، ورسول جديد، وكتاب جديد: أمة عالمية، ورسول عالمي، وكتاب عالمي، كما قال تعالى: >وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين< الأنبياء: 104، >تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً< الفرقان: 1.
لقد نص القرآن على مبتدأ هذه الرحلة ومنتهاها بجلاء في أول آية في السورة التي حملت اسم هذه الرحلة «سورة الإسراء» فقال تعالى: >سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا< الإسراء: 1، والآية لم تصف المسجد الحرام بأي صفة مع ماله من بركات وأمجاد، ولكنها وصفت المسجد الأقصى بهذا الوصف «الذي باركنا حوله»، وإذا كان ما حوله مباركاً، فمن باب أولى أن يكون هو مباركاً.
وقصة الإسراء والمعراج حافلة بالرموز والدلالات التي توحي بأهمية هذا المكان المبارك، الذي ربط فيه جبريل البراق، الدابة العجيبة التي كانت وسيلة الانتقال من مكة إلى القدس، وقد ربطها بالصخرة حتى يعود من الرحلة الأخرى، التي بدأت من القدس أو المسجد الأقصى إلى السموات العلا، إلى «سدرة المنتهى»، وقد أورث ذلك المسلمين من ذكريات الرحلة: الصخرة، وحائط البراق.
لو لم تكن القدس مقصودة في هذه الرحلة، لأمكن العروج من مكة إلى السماء مباشرة، ولكن المرور بهذه المحطة القدسية أمر مقصود، كما دل على ذلك القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.
ومن ثمرات رحلة الإسراء: الربط بين مبتدأ الإسراء ومنتهاه، وبعبارة أخرى بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهذا الربط له إيحاؤه وتأثيره في وعي الإنسان المسلم وضميره ووجدانه، بحيث لا تنفصل قدسية أحد المسجدين عن قدسية الآخر، ومن فرط في أحدهما أوشك أن يفرط في الآخر.
القدس ثالثة المدن المعظمة
والقدس ثالثة المدن المعظمة في الإسلام، فالمدينة الأولى في الإسلام هي مكة المكرمة، التي شرفها الله بالمسجد الحرام، والمدينة الثانية في الإسلام هي طيبة، أو المدينة المنورة، التي شرّفها الله بالمسجد النبوي، والتي ضمت قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
والمدينة الثالثة في الإسلام هي القدس أو بيت المقدس، التي شرفها الله بالمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وفي هذا صح الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».
فالمساجد كلها متساوية في مثوبة من صلى فيها، ولا يجوز للمسلم أن يشد رحاله، بمعنى أن يعزم على السفر والارتحال للصلاة في أي مسجد كان، إلا للصلاة في هذه الثلاثة المتميّزة، وقد جاء الحديث بصيغة الحصر، فلا يقاس عليها غيرها.
وقد أعلن القرآن أهمية المسجد الأقصى وبركته قبل بناء المسجد النبوي، وقبل الهجرة بسنوات، وقد جاءت الأحاديث النبوية تؤكد ما قرره القرآن، منها الحديث المذكور، والحديث الآخر: ما رواه أبو ذر، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي المساجد بُني في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام»، قيل ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى».
والإسلام حين جعل المسجد الأقصى ثالث المسجدين العظيمين في الإسلام، وبالتالي أضاف القدس إلى المدينتين الإسلاميتين المعظمتين: مكة والمدينة، إنما أراد بذلك أن يقرر مبدأ هاماً من مبادئه، وهو أنه جاء ليبني لا ليهدم، وليتمم لا ليحطم، فالقدس كانت أرض النبوات، والمسلمون أولى الناس بأنبياء الله ورسله.}