سليم عزوز
كان اليأس يتملكنا عندما خرجنا في 25 يناير 2011، لنطلب بالحد الأقصى، ونستدعي هتاف الثورة التونسية: «الشعب يريد إسقاط النظام»!
لم يكن يحدونا الأمل، ولم نكن نعلم أنه يمكن لهذه الدعوة أن تجد قبولاً شعبياً. فقد كنا في حالة إحباط متقدمة، كما إحباطنا في عامنا هذا، في شهرنا هذا، في يومنا هذا!
بدأ الحراك ضد نظام مبارك في سنة 2004 يتقدم ويتراجع، يكون في قمته، ثم سرعان ما يخفت، حدّ التلاشي، فيعود اليأس ليضرب فينا من جديد، حتى إذا لاح في الأفق أمل جديد، ونهضنا، تبدد في غمضة عين، وبدا النظام أقوى من أن يسقط، بل أقوى من أن يستجيب لمطلب إقالة وزير!
كانت البداية بحركة «كفاية» وشعارها: «لا للتوريث.. لا للتمديد»، لكن الحراك الذي بدأ بفضلها تراجع، ومن داخلها انطلقت دعوة لضرورة القبول بجمال مبارك، فيكفي أنه مدني يمكن به المرور بمرحلة اسقاط الحكم العسكري، ثم البناء عليها بعد ذلك!
وفي لحظة يأس، كانت انتفاضة القضاة، التي اندلعت شراراتها في نادي قضاة الإسكندرية، على يد رئيس النادي المستشار محمود الخضيري (فك الله أسره)، ثم وصلت إلى النادي الرئيس في القاهرة، الذي تبنى الفكرة، وحضر أكثر من ثمانية آلاف قاض الجمعية العمومية، رفضوا الإشراف القضائي المنقوص على العملية الانتخابية، وخرجوا إلى الشارع بالأوشحة لأول مرة؛ يطالبون باستقلال القضاء. وحدث تلاحم بينهم وبين الشعب، لكن النظام، ورداً على هذا ألغى الإشراف القضائي على الانتخابات، وأقرّ إشراف الموظفين، كما كان الحال عليه قبل الانتخابات البرلمانية في سنة 2000، وقبل صدور حكم المحكمة الدستورية، بأن يكون الإشراف على العملية الانتخابية بيد القضاء، وهو ما تحايلت عليه السلطة بأن جعلته اشرافاً منقوصاً، لا يصل إلى خارج اللجان الانتخابية، حيث تتحكم الشرطة وتمنع الناخبين من الوصول إلى اللجان، كما لا يمكن القضاة من بسط رقابتهم على كشوف الناخبين لشطب أسماء الموتى، ومن تم قيّدهم بالمخالفة للقانون!
ولم يتم الاكتفاء بذلك، وانما خطت السلطة خطوة إلى الأمام، فقررت بكل ما تملك أن تسترد النادي، وتمكن منه رجالها، وهو ما حدث بالفعل، فعزف المستشار زكريا عبد العزيز عن الترشح، وسقط مرشح الاستقلال، ونجح «أحمد الزند» وجميع قائمته الحكومية، وفتحت الإعارات الخارجية لعدد كبير ممن يمثلون تيار الاستقلال، وقد استشعروا الهزيمة فغادروا البلاد!
وعاد اليأس يلفنا من جديد، وجاء الدكتور محمد البرادعي من الخارج، بعد انتهاء مدة عمله كرئيس لهيئة الطاقة النووية، فدبّت العافية في أوصالنا، فهذا بديل مختلف؛ لأنه يملك حصانة دولية، تمنع يد النظام من الاقتراب منه، أو تنكل به، لكن عيوباً في شخصية الرجل دفعته لأن يتقوقع في نفسه، ولا يكون أهلاً للآمال العريضة التي تعلقت به، وعاد اليأس يلفنا من جديد. كنا نقف على «سلالم» نقابة الصحفيين بالمئات، ثم تحوّل الحراك إلى مجرد عشرات من الأفراد، ثم انتهى إلى بضع أفراد، وكان بعض المارة يشتموننا، ويتحرشون بنا، ومنهم من يستخدم إشارات وإيحاءات غير أخلاقية؛ بوجود رجال الأمن الذين كان عددهم في كل مرة أكبر من عدد المتظاهرين، حتى امتنعت عن المشاركة في هذه المظاهرات البائسة. وذات مرة، كنت أدلف إلى داخل النقابة، عندما أوقفني أحد المتظاهرين، ليطلب مني المشاركة في وقفة يحضرها عدد من الأفراد، وقلت له باسما إني لن أشارك في مظاهرة أخرى إلا إذا كانت ستتحرك إلى القصر الجمهوري. ولم أكن أعلم الغيب، أو أتخيّل أن هذا يمكن أن يحدث!
وبشكل عام، فقد كان المشهد المصري برمته، وبكل تفاصيله، هو ملف أمني، وكان الأمن هو من بيده «عقدة النكاح»، وصاحب القرار داخل الأحزاب، فبيده تجميد الأحزاب، واختيار رؤساء لها، وإصدار الصحف، ويهب لمن يشاء قناة تلفزيونية، وليس هو من يتحكم في اختيار مقدمي البرامج فحسب، بل ومن يختار الضيوف أيضاً، ليس في القنوات التلفزيونية المصرية، ولكن في القنوات الكبرى غير المصرية، عبر تحكمه في الترخيص لمكاتبها ومن يعملون فيها!
وقد تعرفت على العمل السياسي، في فترة كان الاتهام بالمباحثية، والعمالة للأمن، اتهاماً لا يقبله حتى العملاء أنفسهم. فصار هناك من يفخرون بعلاقاتهم الأمنية، حتى وإن لم تكن لهم علاقات أصلاً، ويتفاخرون بذلك في الجلسات الخاصة، وأمام أقرانهم!
وعلى الصعيد الشخصي، تعرَّضت للتنكيل على يد النظام، بدءاً من الاعتداء البدني، وانتهاء بالمنع من العمل بقوة السلاح. وذات صباح في شهر تشرين الأول 2002، كانت قوات أمن من كل التشكيلات الأمنية، ومن الأمن العام إلى أمن الدولة، تمنعني من دخول صحيفتي بعد محاولات فاشلة استمرت على مدى أربع سنوات لوقف زاويتي اليومية «كلام في الهواء». وقال لي كبيرهم إنه هنا بقرار من الوزير (يقصد وزير الداخلية). فلما طلبت منه أن يطلعني على القرار، قال إن وجوده هنا قرار. ولم تجرؤ صحيفة مصرية، ولم ترغب، في أن تكتب حرفاً ولو من باب الخبر، وليس الموقف المنحاز، ضد هذا التعسف!
لم يكن أحد يستطيع أن يقترب من وزير الداخلية بشطر كلمة، عندما جعلته هدفاً لقلمي في حملة مطولة، ولعلي الوحيد الذي فعل كتابة ضد حبيب العادلي!
كانت بعض الصحف بدأت تكتب ضد التوريث، لكنه كان نضالاً مجانياً، فأدوات المنح والمنع في يد الحرس القديم بالحزب الوطني، الذي لم يكن على وفاق مع نجل الرئيس، وكانوا يستمدون نفوذهم من الرئيس نفسه: «صفوت الشريف» نموذجاً، الذي لم يكن هناك أحد في برّ مصر يقترب منه بالنقد إلا أنا. وقد تم منعي من الكتابة في مصر، فواصلت الهجوم عليه في زاويتي الأسبوعية بجريدة «القدس العربي»، التي تشرفت بالكتابة فيها منذ سنة 2003!
لم يكن هذا يعني أن مصر تعيش حرية الصحافة، فهناك ثلاثة عشر حكماً قضائياً صدرت بعودة جريدة «الشعب» المغلقة بقرار رئاسي، تم إهدار حجّيتها؛ لأنها كانت تمارس المعارضة الجادة للحكم. وكان هذا دليلاً على أننا نعيش في ظل الدولة القمعية في قمة قوتها، إلى درجة أن تجمّد حزب «العمل» قوة واقتدارا، الذي يصدر «الشعب»!
بعد ثلاث سنوات من هذا الواقعة، تلقيت عرضاً من رئيس الحزب الدستوري، لتولى مهمة الإشراف على صحيفة الحزب، لكن بعد جلسات مطولة، ذكر لي أنه تلقى اعتراضاً على ذلك من ضابط بأمن الدولة يعمل مسؤولا بمكتب الأحزاب، ذكره اسماً.
وقبل الثورة بشهر وعدة أيام، تلقيت عرضاً من مالك لصحيفة يومية خاصة لتولى منصب رئيس التحرير. ولأن الرجل لم يكن يعرفني، فقد أخبرني أن اسمي طرحه ثلاثة من كبار الصحفيين عليه.
وغادرت مكتبه فجراً، ليخبرني مساء أنه تلقى اتصالاً من رئيس جهاز مباحث أمن الدولة؛ يبلغه اعتراض الوزير على هذا الاختيار. فلما فشل في حسم الأمر معه، كان من اتصل به هو الوزير نفسه، ليقول له اختر من تشاء إلا هذا. وبدا الرجل في دهشة وهو يتعامل مع من بدا له، لحجم التدخل أنه «خُط الصعيد»!
لقد طلب أن يكون ما جرى سراً بيننا، لكني وجدت نفسي في حل من ذلك، بعد أن جاء إلى مقر الجريدة في اليوم التالي ليروي تفاصيل ما جرى بنفسه!
وكانت انتخابات برلمانية قد أجريت، ليتم التزوير بشكل غير مسبوق، وبجرأة كاشفة عن أن هذا النظام لا يقدر عليه أحد، وقال مبارك ساخراً تعليقاً على البرلمان الموازي: «خليهم يتسلوا»!
وعندما خرجت في يوم 25 يناير لكي أشارك في الثورة، لم أكن متفائلاً. إن شئت الدقة فقل كنت يائساً من أي قدرة على التغيير، وأذكر أنه في «المساء» وجدت زميلاً يحمل جريدة «الأهرام المسائي»، أخذته منه وخلعت حذائي، وجلست عليها، وكان عدد من الزملاء معي، فجلسوا أيضاً، والتفت وأنا أجد عدة آلاف في ميدان التحرير، فقلت لو نجح هذا الحشد في إقالة وزير الداخلية فهذا خير وبركة!
وغادرت الميدان في منتصف الليل، ولم أكد أصل إلى منزلي حتى تلقيت اتصالاً من زميل يخبرني أن قوات الأمن اجتاحت الميدان، وتطارد الآن المتظاهرين، وكيف أنهم وصلوا إلى بولاق أبو العلا، والأمن يطاردهم بشراسة، فاستقر في وجداني أنها النهاية! ومر اليوم التالي، إلا من مظاهرات متفرقة فرقها الأمن سريعاً، ومن مظاهرة أمام نقابة الصحفيين شاركت فيها، ثم مضى يوم 27 كانون الثاني، لكن الدعوة كانت قد انطلقت لجمعة الغضب، وعندما صليت في زاوية بشارع شامبليون بمنطقة وسط القاهرة، خرجت ومعي نفر من الصحفيين، وكان الجو لا يوحي بأي شيء!
جاء «أيمن نور»، ليقول إنه صلى في مسجد الفتح برمسيس، وأنه استشعر أن المصلين داخل المسجد وحتى سلالمه الخارجية هم من رجال الأمن. وسألني نائب حزب «الغد»، «إيهاب الخولي» ما هو تقديري.. «هل انتهت خلاص؟». أجبته بأن صلاة الجمعة لم تنته في كل المساجد، وأن الدنيا ستقلب بعد قليل. وقد كنت أطمئنه وربما أطمئن نفسي، لكني لم أكن واثقاً تماماً من صحة ما أقول! سرت مع الزميل «عادل صبري»، رئيس تحرير الموقع الالكتروني لجريدة «الوفد»، وكان معه صحفي شاب، ولم يكن هناك شيء يوحي بأن حضوراً جماهيرياً يمكن أن يحدث، فالشوارع لا يوجد فيها إلا رجال الأمن والمعاونون لهم من الشبيحة، وهو مشهد يزيد من حدة اليأس، لكن بعد قليل كانت الجماهير تحتشد، كأن الأرض انشقت وخرجوا منها!كان نظام مبارك قوياً ومع ذلك سقط، وكان اليأس يحيط بنا من كل جانب ومع ذلك خرجنا، نهتف: «الشعب يريد اسقاط النظام». فما يحدث الآن ليس مانعاً للثورة، ولكنه محرض عليها!}