سليم عزوز
من خطايا الحركة السياسية في مصر، أنها لم تنظر إلى الأخطاء المرتكبة من قبل ضباط ثورة يوليو (تموز) سنة 1952، في الدفع باتجاه رفض حكم العسكر، على أساس أنها أخطاء خاصة بدولتهم، فقد كانت الرغبة في الانتقام سبباً في «شخصنة» الخلاف، ليصبح الموضوع هو شخص عبد الناصر.
ثلاث قوى كانت شاهدة على جرائم حكم العسكر في مصر: «الوفد»، و«الشيوعيون»، و«الإخوان المسلمون»، كان عليهم أن يحتشدوا ولو بعد رحيل عبد الناصر، ضد فكرة الدولة العسكرية، باعتبار أن انتهاك حقوق الإنسان وتدمير الشخصية المصرية والفساد بكل درجاته، كان بسبب هذه الدولة. ولو فعلوا، لما وصلنا إلى مرحلة يوجد فيها من يرحب بالانقلاب العسكري، تحت أي لافتة، وبجنرال يحكم مصر مرة أخرى!
الشيوعيون، لا توجد لديهم مشاكل حقيقية مع الحقبة الناصرية؛ لأنهم كانوا جزءاً من الحكم، وفي مستويات أدنى كانت الخلافات بين التيار الشيوعي نفسه، ربما لم يريدوا أن يكونوا جزءاً من الحملة على عبد الناصر، التي شارك فيها كثير من الكتاب والسياسيين بعد رحيله مباشرة، بل إن منهم من انخرط في الدفاع عنه، مع أنهم دخلوا سجونه ورأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب!
ولعدم الاهتمام بالتأريخ للاعتقالات التي أقدم عليها حكم عبد الناصر، ضد الشيوعيين، فقد تركت الأجيال الجديدة في دهشة، لأن الحكم الناصري مع علاقته بالاتحاد السوفياتي فإنه كان يعتقل الشيوعيين، وهناك من فسر هذا بأن اعتقالهم جزء من المناورة، التي كان يمارسها ناصر في علاقته بالسوفيات، وإن شئت الدقة فقل جزءاً من عملية الابتزاز!
كنت اقرأ في كتاب الكاتب اليساري «صلاح عيسى»: «مثقفون وعسكر»، عندما وصلت إلى حقيقة الخلاف التي ذكرها في معرض حديثه عن نفسه ونضاله! فقد جرى اعتقاله وتعذيبه إلى درجة فقدان الوعي من شدة التعذيب، ومشكلته أنه انضم إلى الاتحاد القومي، وهو الكيان الحزبي الذي أنشأته السلطة التي حلت الأحزاب، ورفضت السماح بعودة التجربة الحزبية، وتم اعتبار عضويته في هذا الكيان، اختراقاً لحزب السلطة، لصالح الحزب الشيوعي الصيني، الذي كان في خلاف مع الاتحاد السوفياتي ورجاله في مصر الذين انضموا إلى الاتحاد القومي، باعتبارهم من دوائر السلطة، هم الذين وشوا بصلاح عيسى، وهو تحت التعذيب كان مطلوباً منه أن يعترف بمن معه في المخطط، ومن دفعه إلى اختراق حزب النظام الحاكم!!
وإذا كان الكاتب الساخر «محمود السعدني» كتب تجربته في السجون الناصرية بأسلوبه الفكاهي، فإنه بدأ يتحدث كما لو كان قد سجن على يد النازية، لأن هذه التجربة لم تمنعه من أن يستمر ناصرياً، وأن يدافع عن عبد الناصر، تماماً مثل «صلاح عيسى».
فقد كتب في «مثقفون وعسكر» عن تجربته مع التعذيب، وفي الكتاب ذاته كتب مهاجماً الذين هاجموا عبد الناصر بعد رحيله مثل «توفيق الحكيم» في كتابه «عودة الوعي»!
ربما كانت تجربة «الإخوان» هي الأقرب من التجربة الشيوعية في بعض جوانبها، فلم يهتموا الاهتمام الكامل بتأريخ هذه المرحلة، بما يمثل دروساً للأجيال الجديدة ويمكث في الأرض، لأنهم بعد التجربة وقسوتها، كانوا يريدون أن يتجاوزوها نفسياً، ولأن من بين من ساهموا في عملية بناء التنظيم من ينتمي إلى الجيل الجديد، الذي اعتبر أن التجربة السابقة هي مجرد «خناقة» لا تلزمهم، حتى لا يحول هذا دون استمرار علاقتهم بالتيار الناصري في الجامعة، فجيل «عبد المنعم أبو الفتوح» الذي شارك في عملية البناء، كان في الجامعة قريباً من التيار الناصري الذي يمثله حمدين صباحي، وفي تصريحات قديمة للدكتور «عصام العريان»، قال إن جيله في الإخوان ليس محمّلاً بالثأر من عبد الناصر.
وكتب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين «عمر التلمساني»، كتابه «قالوا ولم أقل عن عبد الناصر»، ليكون في الأمان ويبدو وجماعته ليس طرفاً في ما قيل، وكان أول كتاب عن التعذيب الذي تعرض له للإخوان في سجون عبد الناصر.
وبعد ذلك صدر كتاب الحاجة زينب الغزالي، وإن شئت الدقة فإن انتقام قيادة الجماعة من النظام الخاص، كان مقدماً عندها على الانتقام من عبد الناصر، فأصدر (صلاح شادي القيادي بالإخوان) بعد مرحلة عبد الناصر كتابه الذي يدين النظام الخاص، ليرد عليه أحد قيادات هذا التنظيم (أحمد عادل كمال) بكتاب آخر، وهو جزء من أزمة نشأت مع تولي «حسن الهضيبي» منصب المرشد العام للجماعة!
وما كتب من الإخوان عن المرحلة الناصرية، بما في ذلك التعذيب الذي هو فوق طاقة البشر، استهدف شخص عبد الناصر، ولم يكن المقصود به ضرب دولة العسكر في مقتل، ولهذا كان السؤال المطروح دائماً: هل كان عبد الناصر يعلم بوقائع التعذيب هذه؟ وإذا كان قد استقر في وجداني بعد كل ما قرأت من السير الخاصة ومن أطراف مختلفة، أنه كان يعلم بها، ففي اعتقادي أن نسف المنظومة كلها، يمكن أن يتحقق حتى وإن كان ما جرى تم من وراء ظهره!
كان الأمل في حزب «الوفد» ليجعل من عورات هذه المرحلة سلاحاً موجهاً ضد دولة العسكر، وقد حل عبد الناصر الحزب، وانتقم من قياداته، وحاصرهم في بيوتهم، ليكونوا موتى بالحياة، وكانت المعركة في جانب منها بين مشروعين: الأول مشروع الليبرالية المصرية، والثاني مشروع الدولة العسكرية الفاشية!
بيد أن عودة «الوفد» جعلته ينظر في المرحلة الحالية وتحدّياتها، فقد أفضى عبد الناصر إلى ما قدم، و«الضرب في الميت حرام»، وكان على رأس «الوفد الجديد» شخصية تجاوزت محنتها، فسمحت بوجود شخصيات ليست في قطيعة مع دولة عبد الناصر في الحزب، بل كانت جزءاً منها، ومن كياناتها السياسية، مثل أحمد الخواجة نقيب المحامين، وعلوي حافظ، وهما من كانا أعضاء في الاتحاد القومي، والاتحاد الاشتراكي، ليكون جنباً إلى جنب مع ضحايا دولة عبد الناصر، ومع ممتاز نصار الذي عزله عبد الناصر من عمله القضائي!
وصدرت كتب كان يمكن أن توظف في سياق إدانة حكم العسكر، مثل «باشوات وسوبر باشوات» للمؤرخ حسين مؤنس، و«الخطايا العشر من عبد الناصر للسادات» لإبراهيم الدسوقي أباظة، و«ثورة يوليو الأمريكية» لجلال كشك، و«حوار حول الأسوار» و«أسوار حول الحوار» لجلال الحمامصي.
وكانت النتيجة، أن التوظيف حصل ضد مرحلة انتهت، وشخص مات، ولم تستخدم ضد فكرة حكم العسكر، وكانت النتيجة ألا يرى فريق من المصريين أزمة في أن يحكمنا «عسكري» حكماً مباشراً، فيبدو لنا أننا أمام اختراع جديد، مع أننا تعاملنا مع هذا الاختراع من قبل، واللافت أن من كانوا يهتفون من قبل بسقوط حكم العسكر، انحازوا إلى العسكري عندما حكم، وكأن هتافهم كان يطلق دون وعي، وكأن المقصود بالعسكري هنا، هو عسكري الأمن المركزي الذي كان يحاصر المتظاهرين!
الجديد هذه المرة، أن الناس في بلدي أصبحوا أكثر وعياً، فالجريمة لا يتحملها شخص عبد الفتاح السيسي، فهو جزء من حكم العسكر، الذي تأخرت معركتنا ضده، ومن سنة 1952، فلم تبدأ إلا منذ أربع سنوات فقط!
الآن ندرك تماماً ما نقول، ونحن نهتف بسقوط حكم العسكر!}