العدد 1697 /7-1-2026

عمر كوش

تشهد إيران موجة احتجاجات شعبية منذ نهاية عام 2025، دافعها المباشر الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، التي عصفت بأسعار العملة المحلية والسلع الأساسية والأحوال المعيشية لعامّة الإيرانيين. ومع دخولها أسبوعها الثاني، اتّسعت رقعتها، وشهدت تحوّلاً في شعارات المحتجّين من البعد المعيشي إلى السياسي، خصوصاً مع سقوط قتلى بين صفوف المحتجّين، الأمر الذي يُنذر بزيادة زخمها، وتحوّلها من احتجاجات معيشية إلى حركة اجتماعية أوسع، قد تتطوّر مطالبها السياسية وتصبح أكثر جذرية.

ليست هذه الاحتجاجات، التي بدأت في 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حدثاً طارئاً في المشهد الإيراني، بل تمثّل انفجاراً مؤجّلاً لمرجل أزمة اقتصادية بقي يغلي سنواتٍ عديدة تحت ثقل العقوبات الأميركية، وسوء تعامل النظام الإيراني مع أزماته البنيوية، وتداعيات حرب الـ12 يوماً التي شنّتها إسرائيل في يونيو/ حزيران 2025، ووجّهت فيها ضربات قاسية لقطاعات حيوية من البنية التحتية في إيران. إضافة إلى محاولات إسرائيل وسعيها إلى تفجير الأوضاع، وتحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتعهّده بدعم المتظاهرين، والتدخل في حال تعرّضهم للقتل.

اللافت انطلاق الشرارة الأولى من الوسط التجاري الإيراني، وبالتحديد من "بازار طهران الكبير"، وأسواق أخرى حيوية في مدن، مثل أصفهان وتبريز، على خلفية الانهيار الكارثي للريال الإيراني، بعد أن تجاوز سعر صرفه عتبة 1.45 مليون مقابل الدولار ، وتوقّفت على أثره حركة البيع والشراء، بالنظر إلى العجز في القدرة على تسعير السلع والبضائع، وتجاوز نسبة التضخّم 42%. وبالتالي، تختلف موجة الاحتجاجات الجديدة عن سلسلة موجات الاحتجاج السابقة من حيث طبيعة الحراك، والقوى والقطاعات التي تقودها، وزيادة وتيرة الانخراط الشعبي فيها، فضلاً عن أنها اندلعت في ظروف إقليمية ودولية مختلفة عن سابقاتها.

تحمل هذه الاحتجاجات تحوّلاً غير مسبوق، أعلن عن انتقال الأزمة البنيوية إلى مركز الثقل الاقتصادي في المجتمع الإيراني، لأن قطاع التجّار الذي يقودها مثّل تاريخياً القطاع الأكثر دعماً للنظام الإيراني منذ الثورة الإيرانية عام 1979، لكنّه اليوم يصبّ جامّ غضبه على النظام الإيراني مباشرة، مُعلِناً بداية تحوّل جديد يحمل دلالات سياسية عميقة تتخطّى المطالب الاقتصادية المعيشية، ويعبّر عن حدوث شرخ بنيوي، لأنه يطاول إحدى أهم حواضن النظام الاقتصادية، التي تعدّ من الأوساط المحافظة التي تحالفت معه منذ البداية، واستفادت تاريخياً من شبكات العلاقات التي نسجتها مع رموز النظام الإيراني. لكن تردّي أوضاع التجّار جعلهم يهتفون: "الموت للديكتاتور وخامنئي سيسقط".

أبرز ما يميّز الاحتجاجات أنها ربطت منذ البداية المطالب المعيشية بالبعد السياسي بشكل مباشر، وأدّى هذا الربط إلى زيادة زخمها، وانعكس على لغة الشعارات والمطالب، مع الأخذ في الاعتبار أن جميع المحتجّين لا يتحرّكون تحت سقف واحد، الأمر الذي يفسّر عدم وجود قيادة حقيقية لها، وبقاء محرّكها محصوراً في تردّي الأحوال المعيشية وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية للإيرانيين، بعد أن بات معظمهم يجهد كثيراً لتأمينها.

تأتي الاحتجاجات في لحظة دقيقة يعيشها الداخل الإيراني، وتتجاوز مفاعيلها مجرّد أن تكون موجة احتجاج جديدة؛ لأنها تشير إلى أزمة بنيوية تضرب النظام الإيراني، إذ مع تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتآكل شرعيته الداخلية، بات يواجه قطاعاتٍ جديدةً في المجتمع الإيراني، في وقتٍ لم يعد يمتلك الموارد لتلبية حاجاتهم، إلى جانب فقدانه المصداقية أمام جموع المحتجّين.

تعدّ هذه الاحتجاجات الأضخم منذ انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" (2022)، التي اندلعت إثر مقتل الشابة مهسا أميني. وتفترق عنها في أن محرّكها هو التضخّم، وارتفاع تكاليف المعيشة والأزمة الاقتصادية، وتمسّ قاعدة النظام الإيراني، الذي يجد نفسه محاصراً بين استحقاقات معيشية لا يمكنه فعل كثير حيالها، ومرحلة سياسية صعبة، إذ يواجه على الصعيد الاقتصادي واقعاً كارثياً، مع استمرار ارتفاع الأسعار بمعدّلات كبيرة، وانكماش في الناتج المحلي الإجمالي، وبات المواطن غير مقتنع بالخطاب الرسمي عن مقاومة الإمبريالية والتصدّي لها، الذي لا يجد مَن يشتريه في بازارات إيران كلّها. كما تختلف الاحتجاجات الحالية عن احتجاجات عام 2019، التي اندلعت على خلفية رفع أسعار الوقود، وهي بدورها ذات جذور اقتصادية أعمق مقارنة باحتجاجات عام 1999 الطلابية، وموجة عام 2009 التي اندلعت احتجاجاً على تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية، لكنها تفيد بأن المسار العام للاحتجاجات ضد النظام الإيراني يعكس تدهوراً متزايداً منذ أكثر من ثلاثة عقود.

يدرك قادة النظام الإيراني خطورة هذه الاحتجاجات. ولذلك دعا الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى تفهّم مطالب التجّار ومحاورتهم، وتبنّى نبرة تصالحية، من خلال الاعتراف بمشروعية مطالب المحتجّين، لكن قيادات الحرس الثوري اعتبرت الاحتجاجات "فتنة خارجية" تتطلّب ردّاً حازماً، أي دموياً. وتلاقى ذلك مع وصف المرشد الإيراني علي خامنئي المحتجّين بأنهم "مجموعة من الأشخاص المُحرَّضين، عملاء للأعداء"، على الرغم من إقراره بمطالب المحتجّين الاقتصادية "المُحقَّة"، لكنه زعم إن "مثيري الشغب" ردّدوا "شعارات معادية للإسلام ولإيران". واتهم جهات أجنبية بالوقوف خلف الاحتجاجات، واستغلال مطالبهم الاقتصادية، من أجل "التخريب وإحداث حالة من انعدام الأمن"، وأكّد أن النظام الإيراني "لن يتراجع"، الأمر الذي يُفسَّر بأن التعامل مع المحتجّين سيكون عنيفاً.

قد يصعب التكهّن بمآل موجة الاحتجاجات الحالية، والأبواب مفتوحة أمام سيناريوهات شديدة التعقيد، يتصدّرها الانزلاق نحو سيناريو قمعي قد يستجلب تدخلاً أميركياً كارثياً يجرّ إيران ومعها منطقة الشرق الأوسط إلى مزيد من الفوضى والدمار. ولا يعدم الأمرُ سيناريو آخر يتراجع فيه النظام، ويجنح نحو تفهم مطالب المحتجّين واحتواء الاحتجاجات الشعبية. وقد يلجأ النظام إلى شراء الوقت وانتظار تعب المحتجّين من دون أن يقوم بإجراءات وخطوات تلبّي مطالبهم. والأمر مرتبط بشكل أساس بمدى زوال أو بقاء المحرّكات البنيوية التي أفرزتها الاحتجاجات؛ إذ تبيّن المعطيات أنها في حال خفوت حدّتها تبقّى مرشّحة للاندلاع مجدّداً في المدى القريب، بالنظر إلى عمق أسبابها البنيوية، وصعوبة إيجاد حلول لها، في ظل استمرار العقوبات، وغياب المشاريع الاستثمارية، وسيادة حالة انسداد على المستويين الداخلي والخارجي.