الأمان الدولي

فرنسا ومصر الصفقات تدفن حقوق الإنسان
02/11/2017 - محمد هنيد

في مشهد سريالي صادم، استقبلت فرنسا أحد طغاة العصر الحديث، الذي ارتكب خلال شهر واحد أبشع المجازر في حق المدنيين العزل. فُرش السجاد الأحمر القاني بلون الدم المصري للجنرال الانقلابي، واستقبله الرئيس الفرنسي استقبال الرؤساء ضارباً عرض الحائط بكل المجازر التي ارتكبت في حق الأبرياء وغاضاً الطرف عن الآلاف من المعذبين الذين تغصّ بهم سجون النظام. 
الندوة الصحفية التي عقدها الرئيسان السيسي وكاميرون كانت كاشفة لحجم الوهن والضعف الذي بدت عليه مصر العسكرية، وفاضحة لزيف شعارات الإنسان وحقوق الإنسان التي طالما رقصت عليها نخب الأنظمة العربية بعد أن بان جوفها وخواؤها في عقر دارها.
لقاء الرئيس الفرنسي سبقه لقاء مع وزيرة الدفاع التي ناقشت مع الجنرال السيسي مزيداً من الصفقات الجديدة المربحة بعد كل ما ضخه النظام من مليارات في الخزينة الفرنسية، خاصة إثر شراء أربع وعشرين طائرة حربية وحاملتي طائرات رفضت روسيا اتمام صفقة شرائهما من قبل.
وزير الاقتصاد الفرنسي صرح بأنه يطمح إلى مزيد من العقود العسكرية التي تشمل كل أدوات القتل التي سيستعملها النظام في تصفية شعبه وفي قصف المدنيين في سيناء بحجة محاربة الإرهاب والإرهابيين. لا حديث في فرنسا إلا عن الصفقات والعقود التي يسيل لها لعاب الساسة والاقتصاديين ورجال الأعمال بعد أن تحولت مصر والمنطقة العربية إلى ساحة واسعة للنهب والسطو ومصادرة الثروات.
كل التصريحات الرسمية أو شبه الرسمية في دوائر القرار الفرنسي لا تتحدث إلا عن الكعكة المصرية التي تثير شهيّة الكثيرين في سياق انتعاش اقتصادي بطيء. فرنسا الرسمية تدرك اليوم جيداً ثلاث قناعات حول الرجل ونظامه:  
أولها أن الرئيس المصري الحالي هو رئيس غير شرعي وجاء بانقلاب دام على حساب رئيس منتخب هو اليوم في السجن مع كثيرين من نخبة رجال مصر ونسائها. بناء عليه فإن الرجل يفتقد الشرعية الانتخابية التي يمتلكها رؤساء أوروبا.
ثانيها أن الجنرال الانقلابي ارتكب عدداً من المجازر التي دشّن بها رجاله الحقبة الأولى من فترته الانتخابية ولا يزالون، وهو ما يجعله تحت طائلة القانون الدولي في ما يتعلق بالجرائم ضد المدنيين في حالات السلم. الجنرال ونظامه إذن عراة من الشرعية الأخلاقية والقانونية، ما يجعلهما سهلي المنال. الثالثة هي الفساد الكبير الذي يسبح فيه النظام المصري بكل هياكله، من العسكر إلى الاقتصاد إلى المجتمع، وصولاً إلى أهم القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم.
الفساد بما هو الدولة الحقيقية التي تحكم مصر يمثل في الوقت ذاته مجال السطو على ثروات البلد في الداخل والخارج من قبل شركات السطو العالمية.
بناء على هذه القناعات يتشكل الموقف الفرنسي الرسمي وشبه الرسمي من رئيس مصر، وهو موقف لا يرى فيه إلا صفقات تزكيها بشدة مطرقة حقوق الإنسان التي يرفعها الغرب في وجه الطاغية العربي إذا تأخر في عقد الصفقات. ملف حقوق الإنسان والانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الإنسان في مصر ليست إلا ورقة للابتزاز. فليس أحدٌ أعلم من الفرنسيين ببشاعة النظام المصري في هذا الملف. 
صحيح أن وضع الرئيس الفرنسي لم يكن مريحاً وهو الممزق بين مطالب الشركات ورجال الأعمال وبين مطالب الجمعيات الحقوقية والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، لكن يبدو أن الغلبة لا تكون دائماً إلا لصدى جرة القلم الأخيرة على العقود المغرية والصفقات المدوّية وهو ما يجعل منها مقبرة حقيقية للإنسان ولحقوقه خاصة إذا كان قادما من العالم العربي.
الثابت اليوم بعد انحسار الموجة الأولى للربيع العربي هو حجم الكشف الهائل في المشهد الدولي والإقليمي. فإذا كان الشارع العربي يرى في الغرب «المتحضر» إلى وقت قريب واحة للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، فإن الثورات الأخيرة كشفت بجلاء أن هذه الحقوق والحريات لا تشمل الضفة الجنوبية للمتوسط ولا تنطبق إلا على  الجانب الأوروبي الذي يرى هو الآخر أن رفاهه لا ينفصل عن نهب الآخرين وعن دعم الدكتاتوريات الحارسة لثروات الآخرين. 
أما الإرهاب والحرب على الإرهاب فلا يكاد ينكر أحد اليوم كيف تحوّل الشعار إلى أداة وظيفية لتحقيق أطماع سياسية وأجندات توسعية آخر همها محاربة الإرهاب والإرهابيين.
الرئيس المصري وضع كل تبريراته في سلة الإرهاب، بل ذهب به الأمر إلى تصوير الواقع المصري واقعاً خاصاً يستلزم العنف والقمع ويستلزم إرهاب الدولة. نفس التبريرات استعملها الرئيس الفرنسي الذي حاول جاهداً إقناع الرأي العام بأن القمع والدكتاتورية مسألة خاصة بالداخل المصري وليس من حق فرنسا أن تقدم دروساً لأحد، متناسياً تاريخ التدخل الفرنسي والأوروبي عامة في قضايا المنطقة العربية وفي تحديد واقعها المتأزم اليوم. 
يبقى أهم دروس ربيع العرب وثوراته المضادة الدامية هو أن تحرر الشعوب واستعادة السيادة لن يكون إلا بفعل داخلي وليس انتظار الدعم الخارجي أو حتى التنديد بجرائم الحكام إلا كحال المستجير من الرمضاء بالنار، لأنه لا صوت يعلو فوق صوت الصفقات، حتى لو أباد الطاغية العربي كل شعبه أو يكاد، كما يفعل طاغية الشام.}