عبد الله الشريف
مع تحوّل اهتمام المجتمع الدولي إلى المسار العسكري ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» «داعش» في ليبيا والتعاطي بمقاربة أمنيّة حيال الأوضاع، بدا أن تأمين الاستقرار السياسي لم يعد أولوية لهذا المجتمع الذي كان قد رعى الحوار السياسي بين الأطراف الليبية بهدف وضع حدّ للانقسام السياسي الشديد الذي عرفته البلاد وتسبّب بحرب أهلية بين جيشين تابعين لحكومتين وبرلمانَين متنافسين. ولم يحظَ الاتفاق السياسي بين ممثلين عن البرلمانَين بقبول رئاستيهما في طرابلس وطبرق، اللتين اعترضتا على شرعية هذا التوقيع.
وبات الدعم الدولي مقتصراً على حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج بهدف القضاء على تنظيم «داعش» الذي اتخذ من سرت الليبية على مقربة بضعة أميال من أوروبا مقراً رئيساً له. وأدت هذه المقاربة الأمنية وفرض المجلس الرئاسي من دون التمهيد له داخلياً، إلى خلق أخصام ومنافسين له، ما أعاد البلاد إلى المشهد السابق من الانقسام، حتى إن مراقبين للشأن الليبي رأوا في حكومة الوفاق حيلة مؤقتة ازدادت هشاشة مع الوقت، ولم تعد تصلح لأن تكون قاعدة للسياسة الدولية تجاه ليبيا.
وبدأ تعثّر مشروع حكومة الوحدة منذ البداية بعدم تمكّن أعضاء البرلمان في طبرق، من الاتفاق على التفاصيل الخاصة بدور قائد «عملية الكرامة» خليفة حفتر في المشهد المقبل، لتبقى حكومة البرلمان منافساً لحكومة الوفاق التي لا تزال مصابة بشلل خدماتي بسبب عدم حصولها على الثقة. ويخشى مراقبون من تصاعد الخلافات في شرق ليبيا وتحوّلها إلى أعمال مسلحة إثر الانتكاسة التي تعرضت لها قوات حفتر بعد قبول أحد ضباطها المهدي البرغثي، الانخراط ضمن حكومة الوفاق كوزير للدفاع وإعلان خصومته لقائده السابق حفتر، إضافة إلى حلّ حكومة طبرق فصيلين مسلحين في بنغازي أعلنا ولاءهما لوزير الدفاع الجديد.
لكن مقابل هذا الانقسام الحادّ، يبدو أن التقدّم الكبير الذي حققته قوات المجلس الرئاسي في حربها ضد «داعش» في سرت، أعاد إحياء الجهود لإقناع معارضي حكومة الوفاق بالاعتراف بسلطتها. فعلى وقع تصاعد تصريحات مسؤولين غربيين بشأن مساعيهم لإقناع حفتر وحلفائه في البرلمان بضرورة الاعتراف بحكومة الوفاق والعمل تحت إشرافها كشرط لبقائه في المشهد المقبل، جدد رئيس البرلمان عقيلة صالح دعوته لأعضاء البرلمان بضرورة حضور جلسة استئناف مناقشة منح الثقة لحكومة الوفاق.
ويتزامن ذلك مع ضغوط داخلية كبيرة خصوصاً في شرق البلاد. فبعد أن فَقَد البرلمان وذراعه العسكرية ولاء قبائل المغاربة والمجابرة في شرق البلاد بعد تأييدها للمجلس الرئاسي، من خلال حصولها على تمثيل سياسي في المجلس الرئاسي وانضمام مقاتليها في حرس المنشآت النفطية لقوات الرئاسي في سرت، أعلن ضباط يقودون كتائب مسلحة في بنغازي انشقاقهم عن «عملية الكرامة» خلال اجتماع كبير جمع زعامات قبيلة العواقير التي ينحدر منها هؤلاء الضباط. فيما كشف فرج قعيم، قائد قوة المهام الخاصة التي حلّتها حكومة طبرق بسبب ترحيبها بحكومة الوفاق، عن جرائم جنائية ارتكبها ضباط موالون لحفتر ولرئيس أركان البرلمان عبد الرزاق الناظوري، وإشرافهم على سجون سرية ووقائع تعذيب وخطف في بنغازي.
جاء ذلك فيما قال وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني، إنه «يمكن إسناد دور عسكري مهم لحفتر إذا ما قبِل بالسلطة السياسية لحكومة الوفاق»، موضحاً في معرض ردّه على أسئلة النواب في البرلمان الإيطالي، أن إيطاليا «تبذل جهوداً من أجل الدفع بالاعتراف بسلطة السراج والسماح بجمع وتوحيد القوى المختلفة حول قيادته».
وبالتوازي مع المساعي الدولية، جاء قرار مجلس الأمن تفويض سفن عملية «صوفيا» الأوروبية التي تعمل قبالة الشواطئ الليبية، بفرض تنفيذ الحظر على وصول السلاح إلى ليبيا، وهو قرار من شأنه قطع الطريق أمام الأسلحة التي قد تصل بحراً لقوات حفتر مقابل وعود أوروبية بسعيها لإقناع مجلس الأمن برفع حظر جزئي عن توريد السلاح لصالح قوات المجلس الرئاسي.
وفي تغير لافت في الموقف المصري المعروف بدعمه السياسي والعسكري لقوات حفتر وداعميه في البرلمان، ذكرت تقارير صحافية مصرية أن مصر ترغب في المشاركة في عملية «صوفيا».
وتأتي هذه التغيرات الجديدة في المشهد الليبي تزامناً مع تواصل نجاح قوات المجلس الرئاسي في انتزاع المزيد من الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» في سرت.
هذه التطورات الأمنية والسياسية، لم تخفِ تأزّم الأوضاع المعيشية، إذ أقدم محتجون في العاصمة طرابلس على تنظيم تظاهرات أمام مقر المجلس الرئاسي في قاعدة بوستة البحرية. وقام المحتجون بإحراق إطارات السيارات على الطريق أمام القاعدة وترديد هتافات تطالب المجلس الرئاسي بحلّ مشكلة نقص السيولة وارتفاع الأسعار الحاد التي يعاني منها المواطن. وعلى مدار ثلاثة أيام شهدت أحياء عديدة في العاصمة احتجاجات مماثلة على استمرار انقطاع التيار الكهربائي وغلاء المعيشة، إذ أقفل متظاهرون الطرقات المؤدية إلى أحيائهم في قرقارش وغوط الشعال والدريبي.