العدد 1678 /27-8-2025

محمد أبو رمان

يتجلّى، في المشهد العربي الراهن، الانهيار الإنساني بأوضح صوره، كأنّنا أمام مشروع خفيّ لإعادة تشكيل الإنسان العربي وتحويله إلى مجرّد مخلوق يلهث خلف أساسيات البقاء. هذه الفكرة ليست من وحي الخيال وحده، بل سبق أن أشار إليها أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أحمد جميل عزم، في أكثر من محاضرة وندوة، عندما تحدّث عن مخطط دفع الإنسان العربي إلى الانسحاب من السياسة والانشغال اليومي بأبسط ضرورات الحياة.

تكفي قراءة أولى في الأخبار لنجد أنّ الأمم المتحدة أعلنت أخيراً، رسميّاً، دخول غزّة مرحلة المجاعة، وفق تصنيف "المرحلة الخامسة" لانعدام الأمن الغذائي. الرقم صادم: نصف مليون إنسان يعيشون حالة جوع كارثية، مع توقّعات بارتفاع العدد إلى أكثر من 640 ألفاً قبل نهاية الشهر المقبل (سبتمبر/ أيلول)، بينما أكدت وزارة الصحة في غزّة وفاة 251 شخصاً بسبب الجوع، نصفهم تقريباً من الأطفال، فما يحدُث هنا ليس مجرّد كارثة إنسانية، بل إعلان مرحلة جديدة في إعادة صياغة الوجود الفلسطيني: مجتمع يعيش على هامش الحياة، مسجونٌ بالجوع، ومقطوعٌ عن أي قدرة على التفكير في مستقبل أو مشروع سياسي.

في السودان، تتكرّر الصورة بوجه آخر. بلد غني بالموارد، لكنه غارق في وباء الكوليرا الذي عاد ليحصد الأرواح في القرن الحادي والعشرين. أكثر من 32 ألف إصابة و742 وفاة منذ بداية هذا العام، وفقاً لـ"يونيسف"، بمعدل وفيات يتجاوز 2%. والأكثر خطورة أنّ مليون طفل مهدّدون بالوباء. كيف يمكن تفسير عودة أمراض بائدة في بلد يملك من الثروات ما يكفي لأن يكون سلّة غذاء لأفريقيا؟

أما في سورية، فالحياة اليومية نفسها تتحوّل إلى مرحلة ما قبل الدولة؛ الكهرباء تكاد تكون معدومة، والخدمات منهارة، والفقر يطحن أكثر من 90% من السكان. ليس ذلك كله نتيجة الحرب وحدها، بل بفعل مسار طويل من تدمير البنية الاجتماعية والسياسية، إذ يُدفع السوريون إلى الانكفاء على البقاء الفردي.

في لبنان، يحبس الجميع أنفاسهم خشية من تطوّر الأزمة بين الحكومة وحزب الله (وسلاحه)، فيما تضغط إسرائيل لإعادة صياغة قواعد اللعبة: لا مقاومة مسلّحة في الجنوب، لا مجال لفائض قوة خارج الدولة، بالتوازي مع مشروع E1 الذي يقسم الضفة الغربية إلى شطرين ويفصل القدس عن امتدادها الفلسطيني. في الخلفية، أكثر من 200 ألف عامل فلسطيني أغلقت أمامهم فرص العمل في إسرائيل، وهو ما كان يوفّر لهم دخلاً أساسياً، لتصبح لقمة الخبز هاجسهم اليومي والرئيس.

الآن، هنا، في بلادنا العربية بات الاقتصاد أداة سياسيّة لتطويع الناس وإخراجهم من المعادلة الوطنية. لهذا، يصبح من السذاجة أن تُقرأ تصريحات نتنياهو عن "إسرائيل الكبرى" أنها مجرد مشروع توسع جغرافي. فـ "إسرائيل الكبرى" تعني منظومة هيمنة شاملة، سياسية وأمنية واقتصادية، تمتد من فرض الشروط على الإسلاميين الجدد في سورية، إلى منع الجيش السوري من التحرّك جنوب دمشق، إلى الممرّات الإنسانية في غزّة، إلى نزع سلاح حزب الله في لبنان، وتقسيم الضفة وتجفيف مصادر العيش للفلسطينيين.

صحيحٌ أنّ الأنظمة العربية ساهمت بدورها في إضعاف شعوبها، لكن ما يجري أكبر من ذلك؛ إنه أقرب إلى سيناريو مُحكم، مشروع يعمل على إغلاق آفاق المستقبل أمام أي فكرٍ جديدٍ أو مشروع بديل للخروج من هذا النفق المظلم؛ هل نتحدّث، هنا، عن منظور "المؤامرة"؟. بالطبع، ومن قال إننا في مساراتنا التاريخية الحديثة والمعاصرة، عربياً، لسنا محصّلة مؤامرات وصفقات معلنة وغير معلنة؟. ولكن المؤامرة الحالية ليست فكرة تبسيطية، بل تتبدى تحليلاً لآليات إعادة تشكيل المنطقة والإنسان معًا، وما نراه اليوم يشي بمحاولة حقيقية لإنتاج "اللا إنسان العربي الجديد": إنسان منزوع السياسة، ومنزوع المقاومة، ومحاصر بالجوع والبطالة والمرض، ومشغول فقط بلقمة العيش، أن يُترك مصيره بين أيدي من يريدون تحويله إلى "لا إنسان"، بلا صوت ولا أفق ولا مستقبل.