سليم عزوز

كل خطيب كان يدّعي وصلاً بشعبه، فيتكلم باسمه ويتحدث عن بلاده، ويتطرّق للتحديات التي تواجهه، إلا هو، فقد كان حديثه كله إلى «الشعب الإسرائيلي»، متقرباً إليه بالنوافل، ومعلناً أن مهمته توفير «الأمان» له!
هو الوحيد الذي فعلها، فلم يعد الشعب المصري هو «نور عينيه»، كما قال في بداية انقلابه، وإنما صارت عيناه متجهة إلى «الشعب الإسرائيلي»، على مظنة أن رضاه يكفي لمنحه الشرعية، فيتم تأمين الانتخابات القادمة له، ولا يتم استبداله بغيره، والدفع بمرشح آخر. وهو يعلم قبل غيره، أن أي انتخابات جدّية، قد تدفع به إلى خارج مصر، أو في السجن إن أصر على البقاء فيها، فضحاياه كثر، وفي كل بيت توجد أم ثكلى، وزوجة مترملة.
في البدء، كنا نتلمس مواقفه المنحازة لإسرائيل، في تصريح هنا أو مقال هناك، وكان الجانب الاسرائيلي حريصاً على عدم كشفه، والآن صار اللعب على المكشوف، فلم يعد لديه ما يخسره، ولم يعد حريصاً على نفاق تيار متهافت، أعلن أنه «جمال عبد الناصر» وقد جاء على قدر، وكنا نتحداهم أن يذكر ماذا يمثل له «عبد الناصر»، إلا أنه لم يفعل ولم يطلبوا!
في بداية الانقلاب، كتب محلل إسرائيلي مقالاً تحت عنوان «لا تعرقلوا السيسي»، كان يدور حول عدم إحراج السيسي بطلب القادة الإسرائيليين انحيازاً علنياً، فالرجل لم يقصّر، وهو أفضل لهم من «حسني مبارك» الذي وصفوه من قبل بأنه «كنز إسرائيل الاستراتيجي». الآن السيسي هو الذي يلخص مهمته في الحكم بتحقيق الأمان للإسرائيليين، ولم تكن هذه المرة الأولى، فقد قالها من قبل، فاعتقدنا أنها «زلة لسان»!
وها هو يعيد الكرّة من جديد، فلم يعد مشغولاً بالشعب المصري، فهو ليس مانح الشرعية، ولكن من يمنحها له هو «نتنياهو»، وانبعث أشقاها ليقول إنه استحضر في هذه اللحظة روح الرئيس السادات وهو يخطب في الكنيست، فأهان السادات بهذه المقارنة، فإذا كنا نعارض زيارة السادات للقدس، إلا أن السادات كان يرى في ما فعله أنه خدمة لمصر، وأنه عمل على عودة أراضيها، التي لم تعد بحرب كانت استراتيجيتها أنها حرب تحريك لا تحرير!
السادات اجتهد فأخطأ، لكن مصر كانت حاضرة في كل خطوة، أما السيسي فقد كانت مصر غائبة تماماً، وعندما تذكرها، لم يكن لها من قدر أو مجد، إلا من حيث كونها وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل، يرى السيسي أنها قابلة للتكرار والتقليد والتوسيع، على مستوى الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وبإدخال أطراف عربية أخرى، وهو في خطابه لم يكن مشغولاً إلا بنفسه، وباحثاً عن شرعيته ولو في صندوق القمامة!
والسادات عندما خاطب الإسرائيليين، كان خطابه بهدف تحريض الشعب على قياداته، وقد خرج الاسرائيليون إلى الشوارع يحتفون به، متأثرين بخطابه، أما السيسي فقد قدّم نفسه باعتبار أن له «خاطراً» لدى الإسرائيليين بموجبه، طلب منهم أن يقفوا وراء قياداتهم، كأنه يتحدث إلى شعب محكوم بانقلاب عسكري، وأن صديقه «نتنياهو» جاء إلى موقعه بقوة السلاح!
لا يعلم عبد الفتاح السيسي أن الإسرائيليين يختارون حكوماتهم، وأن هذه الدولة العسكرية لا تحكم بفوهة المدفع، فنتن ياهو نجح في انتخابات نزيهة، وسوف يغادر موقعه بالانتخابات، والعالم الذي يأتي حكامه بإرادة الشعوب لا يعرف ثقافة العسكر البلهاء، الخاصة بالوقوف «خلف القيادة»، فالشعب هو القائد وليس العسكري، لا سيّما إذا كان من النوع الذي لم يقاتل عدواً طول خدمته، فقد حصل على رتبة المشير في معركته مع الشعب وحرق جثث الموتى!
والسادات، كان خطيباً مفوّهاً، أما السيسي فهو لا يجيد نطق جملة واحدة صحيحة، وكان خطابه في الأمم المتحدة، مسخرة عندما ارتجل، فهو مهمته أمن الشعب الإسرائيلي، كما أن مهمته هي أمن الشعب الإسرائيلي، وهو تكرار أكد طبيعة المهمة!
فالسيسي بطبيعة المهمة التي حددها لنفسه، معيّن من قبل القوى الإقليمية والدولية لرعاية أمن إسرائيل، ولم يعد له في مصر من شعبية تمكنه من الاستمرار رئيساً لاستكمال هذه الدورة، أو للحصول على دورة ثانية.
هو يعلم هذا جيداً، ولهذا قرر اللعب على المكشوف، وكان يمكن أن يمارس وظيفته في السر، وسيجد تفهماً لظروفه لدى الجانب الإسرائيلي، لكن – وكما قلنا – لم يعد لديه ما يخسره!
فات عبد الفتاح السيسي أن السادات قتل، بعد أن وقع معاهدة السلام مع إسرائيل، وأن مبارك سقط، وإسرائيل تعتبره كنزها الإسرائيلي!
فإسرائيل لا تدفع موتاً، ولا تحمي شريكاً!}