العدد 1697 /7-1-2026
فكتور شلهوب
ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء خطابا
في خلوة لنواب الحزب الجمهوري في الكونغرس، تناول فيه مروحة واسعة من القضايا
والسياسات التي اعتمدتها إدارته خلال عامها الأول الذي وصفه بأنه
"الأنجح" من بين الأعوام الأولى للرؤساء السابقين. كلمته التي صادف
توقيتها الذكرى الخامسة لاقتحام مؤيديه لمبنى الكونغرس في 6 يناير 2021، كانت
انتخابية لشد عصب حزبه وقاعدته استعدادا للانتخابات النصفية بعد 9 أشهر والتي أعرب
عن خشيته من فوز الديمقراطيون فيها وبما قد يؤدي إلى "تصويتهم على عزلي"
كما قال محذراً. مع ذلك ورغم أهمية ظروفه المحلية والانتخابية ودقتها، كان من
المفترض أن تحتل "عملية إنفاذ القانون" (كما سمتها الإدارة للتخلص من
موافقة الكونغرس) الجزء الأهم من خطابه باعتبارها حديث الساعة والشغل الشاغل في
واشنطن والخارج. لكنها لم تحظ في كلمته التي استغرقت حوالي ساعة ونصف، سوى بإشارة
عابرة اقتصرت على الإشادة بجانبها التقني وبتنفيذها "المذهل".
ويبدو تجاهله الحديث عن ملابسات العملية وآفاقها
مفهوما في ضوء الجدل الصاخب الذي أثارته الضربة والذي ساهم تذبذب الخطاب الرسمي في
مفاقمته، إذ قدّم شروحات متضاربة حول خطة الإدارة لما بعد مادورو. وزير الخارجية
ماركو روبيو قال إن واشنطن تعتزم "إجبار" حكومة ديلسي رودريغيز (التي
خلفت مادورو بعد أن كانت نائبته) على "اعتماد السياسات التي نريدها".
بعد ساعات قال الرئيس ترامب "أنا المسؤل الذي يقرر" بشأن فنزويلا.
الالتباس أكّد أن الإدارة لا تملك خطة متكاملة لتغيير الوضع في فنزويلا، ما عدا
عملية اقتلاع مادورو التي ما زال يكتنفها الغموض في أكثر من جانب. وهنا طرحت
تساؤلات عن السبب الذي حمل الإدارة على الاكتفاء بازاحة رأس النظام وتركت بقية
أركانه في مواقعهم مع القبول بترئيس رودريغيز.
السفير والمستشار السابق جون بولتون المؤيد
للعملية، رأى في ذلك ما لا يستقيم مع هذا الانقلاب، إذ كان ينبغي الإطاحة بالحكم
وتسليمه إلى زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، حسب ما قال. الإبقاء على الوضع
باستثناء رأسه، عزز الاعتقاد بأن هناك عملية تفاهم جرت على الأرجح مع أهل النظام
بموازاة وبمقابل القبض على مادورو. يستبطن هذا التفسير أن قرار الإبقاء على رجالات
مادورو، جاء على أساس أنه من الأسهل التعامل معهم بشأن النفط الذي قال الرئيس
ترامب "إنه لنا".
ثم ازدادت الخشية بعد أن استمع أركان الحزبين في
الكونغرس إلى رواية الإدارة والتي قدمها وزيرا الخارجية روبيو والدفاع هيغسيث ولو
أنها جرت في جلسة سرية. الانطباعات التي كشف عنها بعضهم أضفت على الصورة المزيد من
الضبابية والريبة في ما يحمله اليوم الثاني. زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ
السيناتور جون ثون، أبدى استغرابه الضمني لما يعنيه الرئيس بقوله إنه هو الذي يمسك
بالقرار في فنزويلا. زعيم الأقلية في المجلس السيناتور تشاك شومر أعرب عن عدم
ارتياحه لإحاطة الوزيرين التي كانت "غير مُرضية" وفق تقييمه. حكيم
جيفريز زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب، شدد في ضوء ما سمعه، على وجوب
استحصال الإدارة على موافقة الكونغرس "قبل أي عمل عسكري" تزمع على
القيام به بعد الآن.
لكن الرئيس ترامب بقي يوزع الإنذارات باتجاه عدة
دول وكأنه يلوّح بعزمه على تصفية الحسابات معها بعد فنزويلا. وبالتحديد كولومبيا جارة
هذه الأخيرة وكوبا والمكسيك وغرينلاند وإيران. وحتى لو كانت تحذيراته من باب
التهويل في الوقت الراهن، فهو يعوّل على أن السوابق تفرض أخذها على محمل الجدّ وإن
كانت هناك كوابح مانعة على الأقل في الوقت الراهن. فهو قادم على انتخابات نصفية
صعبة والرأي العام ليس إلى جانبه في هذه المغامرت. الاستطلاع السريع الذي أجرته
جريدة واشنطن بوست كشف أن 42% ضد القبض على مادورو مقابل 40% مع. 45% ضد وضع اليد
على نفط فنزويلا مقابل 24% مؤيد. 63% مع ضرورة الحصول على موافقة مسبقة من
الكونغرس و94% ضد السيطرة على فنزويلا. في ظل مثل هذا المناخ وأرقامه لا يقوى
الرئيس ترامب الهابط رصيده أصلاً، على خوض انتخابات تحقق له الفوز بالأغلبية في
مجلس النواب على الأقل. لكن لا ضمان. فقد يتكرر السيناريو في هذا المكان أو ذاك.
الترجيحات إذا جاز التعبير تدور حول عواصم في
أميركا اللاتينية. أخرى لا تستثني غرينلاند لضمها إلى أميركا بحجة تتصل بالأمن
القومي الأميركي. وربما تمكن الرئيس ترامب من تسويق هذه الحيثية ولو أنها تنطوي
على احتمال خلخلة حلف الناتو أو حتى الإطاحة به. وهذا احتمال تشير علاقات ترامب مع
الأوروبيين كما مع الأحلاف عموماً، بأنه قد لا يأبه به لو تحقق. كذلك هناك إيران
جهة مرشحة لمثل هذا السيناريو. وترشيحها على لسان الرئيس ترامب دفع جهات متناغمة
عادة مع إسرائيل وسياساتها في المنطقة، نحو الترويج لتصفية الحساب معها.
ترامب "قلع الضرس الفنزويلي". وكما في
كل عملية قلع يقوم فيها طبيب الأسنان، يبقى الجرح مفتوحاً على احتمالات ما بعد
العملية من وجع وصداع وربما التهاب. هكذا كانت الحالة في العراق، مع اختلاف الظروف
والساحتين. الوعد بتشغيل سريع لمنابع النفط الفنزويلي "الغزير" وبما يدر
منافع وتعويضات جمة على أميركا وشركاتها النفطية، غير واقعي في المستقبل المنظور،
وفق تأكيدات الخبراء. يقولون إنه يلزمه وقت طويل لتأهيل البنية التحتية المتهالكة،
كما يحتاج لاستثمارات هائلة، من الصعب استقطابها في وضع مفتوح على المجهول
كفنزويلا. وإذا توفرت الاستثمارات عندئذ يلزمها حماية وبالتالي دخول قوات أميركية
للقيام بهذه المهمة. وهنا يحضر العراق وتجربته وبما حمل الجنرال المعروف دافيد
بتريوس الذي شارك في تلك التجربة، إلى تكرار تحذيره من الدخول في أي مهمة عسكرية
من دون أن تكون خطة الانسحاب منها جاهزة. حتى الآن لا خطة لدخول فنزويلا ولا
للخروج منها ماعدا العودة بالرئيس المخلوع وإيداعه السجن في نيويورك بانتظار بدء
محاكمته في 17 مارس القادم.