الأمان الدولي

خيارات السوريّين بين جنيف وأستانا.. بعد تفكك المعارضة
12/10/2017 - محمود عثمان

منذ تدخلهم العسكري في سوريا، اعتمد الروس استراتيجية ذات محورين متوازيين: الأول يقضي بفرض الحل العسكري على الأرض مهما كلف الثمن، من خلال البطش واستخدام القوة المفرط، باتباع سياسة الأرض المحروقة، على طريقة غروزني، دون مراعاة للمبادئ والأخلاق والقوانين والأعراف الدولية.. استخدمت القوات الروسية خلال عامين من تدخلها العسكري في سورية كل ما في جعبتها من أسلحة الفتك والقتل والتدمير، ولم تتورّع عن ارتكاب المجازر، الواحدة تلو الأخرى. فقداستهدفت القوات الروسية جميع فصائل الجيش الحر، حتى فصائل المعارضة المعتدلة التي شاركت في مؤتمر أستانا الذي أطلقته روسيا نفسها، لم تسلم من قصف الروس.
لم يستثن الروس من قصفهم وتدميرهم سوى تنظيم داعش وجبهة النصرة. أما السوريون المدنيون العزل؛ فقد كانوا أول أهدافهم. وكذلك المدارس والمساجد والمستشفيات؛ استهدفها الطيران الحربي الروسي عمداً وعن سابق إصرار. الأفظع من ذلك أنهم – الروس- طلبوا من الأمم المتحدة إحداثيات المستشفيات بحجة تجنب قصفها أثناء المعارك، لكنهم قاموا بتدميرها في اليوم التالي لحصولهم على مواقعها!
الشبكة السورية لحقوق الإنسان؛ أكدت في تقرير صدر عنها يوم الجمعة 29 أيلول، أن طيران الأسد وطيران روسيا استهدفا من خلال 714 غارة جوية، بينها 13 برميلاً متفجراً، منشآت حيوية وطبية، ومراكز للدفاع المدني ومدارس ومراكز خدمية مدنية في إدلب وريفها بالفترة ما بين 19 حتى 27 أيلول. ووثقت الشبكة في تقريرها 46 حالة اعتداء على مراكز حيوية في إدلب وريفها من قبل نظام الأسد وروسيا، وأوضحت أن الطيران الروسي استهدف بشكل مقصود 12 مركزاً للدفاع المدني وثماني منشآت طبية، ودمر أربع سيارات إسعاف، كما قصف خمس مدارس ومسجداً ومخيماً للاجئين في ريف إدلب. وأوضحت الشبكة أن نظام الأسد قصف بالطيران الحربي والصواريخ أربعة مراكز للدفاع المدني بريف إدلب خلال العشرة أيام الماضية، ومنشأتين طبيتين وسيارة إسعاف، كما دمر جزءاً من مسجد ومدرسة، واستهدف في غارة جوية مخيماً للاجئين.
المحور الثاني للاستراتيجية الروسية ذو بعد سياسي، يعتمد على سحب البساط القانوني من تحت مفاوضات جنيف، وإحلال مفاوضات أستانا مكانها، بالرغم مما قيل عن مفاوضات أستانا أنها فنية، وأن هدفها مراقبة وقف العمليات القتالية فقط!
مقابل ذلك، يكتفي أصدقاءالشعب السوري، وعلى رأسهم الأمريكان.. بتقديم النصائح وحث المعارضة على التعاطي الإيجابي مع الروس، والتعامل معهم كأمر واقع، بكونهم المسيطرين عسكرياً، ولأن المعطيات على الأرض تغيرت!
الأمريكان، بعد أن قطعوا جميع أنواع الدعم العسكري عن جميع فصائل الجيش الحر، مشغولون فقط بالحرب على تنظيم داعش، ولا يرون في سورية شريكاً سوى صالح مسلم وحزبه الانفصالي، pyd، وقوات «سوريا الديمقراطية».
على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة الذي عقد مؤخراً، ومن خلال لقاءات قيادة المعارضة السورية مع شتى الأطراف، ركز الأمريكان على نقطتين أساسيتين: الأولى هزيمة تنظيم داعش، والثانية تقليص النفوذ الايراني، وإخراج إيران من سوريا خاوية اليدين! طبعاً مع تفهمهم لخيبة الأمل التي يعيشها السوريون بسبب وعود المسؤولين الأمريكان التي لم تنفذ!
تلك هي أقوال الأمريكان.. لكن لا أحد في إدارة الرئيس ترامب يشرح أو يوضح كيفية هزيمة داعش، وطريقة تقليص النفوذ الإيراني. تنظيم داعش ما زال قوياً وقادراً على القيام بعمليات كرّ وفر، واستعادة بعض المناطق التي يخسرها أو ينسحب منها، بالرغم من مرور ثلاثة أعوام على التدخل العسكري الأمريكي والتحالف الدولي! كما أن الإيرانيين في مواقعهم، ولم يتعرضوا لأي عمل أمريكي يضايقهم أو يحد من تحركاتهم، لا في سوريا ولا العراق ولا اليمن!
الأمريكان ليس لديهم أية نيّة أو رؤية للحل السياسي في سوريا، ودول الاتحاد الأوروبي هي الأخرى في حالة انتظار وترقب. أما المعارضة السورية فهي أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بمؤتمر أستانا بالشروط الروسية، وبمؤتمر جنيف بالشروط الأمريكية، بالرغم من مخرجات كلا المؤتمرين التي باتت تشترط بقاء بشار الأسد في السلطة خلال المرحلة الانتقالية على الأقل، وترحيل مصيره النهائي إلى مجريات المفاوضات بين النظام والمعارضة، وهذا معناه الاستسلام وإعلان الهزيمة بالنسبة إلى المعارضة.. أو الخيار الآخر باستبعاد المعارضة من العملية برمتها إن هي رفضت الانصياع للشروط السابقة، عبر إنهاء عملية جنيف السياسية، والتحول إلى عملية أستانا التي تعني الحسم عسكرياً على الطريقة الروسية.
الحقيقة المرة أن المعارضة السورية بشقيها، السياسي والعسكري، بغض النظر عن الأسباب المؤدّية، مفككة ومتفرقة وضعيفة وعاجزة، ولا تملك أدوات التمرد أو المناورة، خصوصاً بعد انشغال الأشقاء والأصدقاء كل بهمّه.
المعارضة السياسية تعاني من ازدواجية الرأس وتداخل الصلاحيات بين الائتلاف الوطني والهيئة العليا للمفاوضات. كلاهما يعاني من مشاكل بنيوية لم يتمكنا على مدار السنوات الماضية من إصلاحها أو تخطيها. أما المعارضة العسكرية فليست أحسن حالاً، حيث فشلت فصائل الجيش الحر في تشكيل رئاسة أركان أو قيادة عسكرية موحدة. بلا التوحد والاندماج، المنطق البسيط يقضي باستحالة صمود مجموعة فصائل متفرقة – إن لم نقل متناحرة - أمام جيوش الروس والإيرانيين.
الروس والأمريكان والأمم المتحدة شرعوا بالتعاطي مع المسألة السورية من منظور أن الحرب العسكرية في سوريا قد انتهت أو شارفت على النهاية. بناء على المعطيات الجديدة، أصبحت المعارضة السورية أمام تحديات مصيرية صعبة للغاية. إذ لا خيار أمامها سوى تطوير استراتيجيات مواجهة جديدة مختلفة تماماً عن الأساليب السابقة في المواجهة. وهذا يقتضي عسكرياً التخفف من مسؤولية وأثقال وتبعات وأعباء الحفاظ على مناطق جغرافية واسعة، والتحول للمواجهة المرنة من خلال تكتيكات الكر والفر واستنزاف الخصوم من خلال حرب تحرر ثورية طويلة الأمد. وسياسياً، الذهاب حتى نهاية المطاف في المفاوضات السياسية من خلال عملية جنيف، وعدم ترك الساحة للروس والنظام والايرانيين ليعلنوا أن لا شريك في العملية السياسية.}