العدد 1697 /7-1-2026
أعاد تصريح
الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّ الولايات المتحدة "ستدير فنزويلا"
بعد اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، فتح ملف الثروات الطبيعية الفنزويلية باعتباره
جوهر التحرك الأميركي، لا مجرد نتيجة جانبية لعملية عسكرية غير مسبوقة. فترامب لم
يخفِ أن بلاده ستعوض كلفة أي وجود عسكري محتمل من الأموال الخارجة من الأرض، في
إشارة مباشرة إلى النفط، بينما كان مادورو قد قال قبل اعتقاله إنّ واشنطن "لا
تريد الديمقراطية، بل النفط والمعادن النادرة"، بحسب "رويترز".
وقال ترامب في
مؤتمر صحافي عقده في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، أول أمس السبت، إنّ الولايات
المتحدة ستدير فنزويلا إلى حين التوصل إلى انتقال آمن ومناسب، مضيفاً أنّ أي وجود
أميركي لن يكلف دافع الضرائب سنتاً واحداً، لأن الكلفة، على حد تعبيره، سيجري
تعويضها من الأموال الخارجة من الأرض، في إشارة مباشرة إلى عائدات النفط، وأكد
ترامب أن شركات النفط الأميركية الكبرى ستعود للعمل في فنزويلا لإعادة تأهيل
البنية التحتية المتدهورة، معتبراً أن البلاد تمتلك ثروة هائلة أُسيء استخدامها
لسنوات.
وفي المقابل، كان
مادورو قد قال، قبيل ساعات من اعتقاله، إن الضغوط الأميركية على بلاده لا علاقة
لها بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، مؤكداً أن الهدف الحقيقي هو النفط الفنزويلي
والمعادن الاستراتيجية والنادرة. واتهم مادورو واشنطن بالسعي إلى السيطرة على
الموارد الطبيعية في إطار ما وصفه بمحاولة إعادة إنتاج نماذج تاريخية من التدخل
الاقتصادي، مشدداً على أن فنزويلا تدفع ثمن امتلاكها واحدة من أكبر الثروات
الطبيعية في العالم.
أكبر احتياطي
عالمي
تمتلك فنزويلا
أكبر احتياطي نفطي مؤكّد في العالم بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يقارب 17% من
الاحتياطي العالمي، متقدمة على السعودية وكندا، وفق "رويترز" وبيانات
منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك". غير أنّ هذه الثروة الضخمة لا تنعكس
على الأداء الاقتصادي للدولة، إذ تراجع الإنتاج من مستويات تجاوزت 3.5 ملايين
برميل يومياً في السبعينيّات إلى نحو 1.1 مليون برميل يومياً حالياً، نتيجة عقود
من ضعف الاستثمار وسوء الإدارة والعقوبات وتدهور البنية التحتية. ويتركز معظم هذا
النفط في حزام أورينوكو، وهو نفط ثقيل عالي الكلفة يحتاج إلى تقنيات متقدمة
ومكثفات ومصافٍ متخصّصة، ما يجعل تحويل الاحتياطي النفطي إلى تدفقات نقدية فعلية
عملية معقدة وطويلة الأجل، لا قراراً سياسياً سريعاً.
ولا تتوقف القيمة
الاقتصادية للنفط الفنزويلي على حجم الاحتياطي أو الإنتاج، بل على القدرة على
التصدير والتحصيل المالي. وخلال الأسابيع الأخيرة، أدت الضغوط الأميركية على حركة
الناقلات إلى تراجع حاد في الصادرات، مع امتلاء مرافق التخزين واضطرار شركة النفط
الوطنية إلى استخدام ناقلات كخزانات عائمة، ما يهدد بإجبارها على خفض الإنتاج إذا
استمر الاختناق. وبذلك تتحول الثروة النفطية إلى عبء تشغيلي بدل أن تكون مصدر دخل،
إذ تفقد الدولة قدرتها على تمويل الواردات الأساسية من الوقود والسلع والغذاء، رغم
امتلاكها أحد أكبر خزانات الطاقة في العالم.
وتعاني البنية
التحتية النفطية تآكلاً واسعاً في الآبار والأنابيب ومحطات المعالجة والمرافئ،
إضافة إلى نقص حاد في قطع الغيار والخدمات التقنية، ما يجعل أي حديث عن استعادة
سريعة للإنتاج غير واقعي اقتصادياً. وتشير تقديرات خبراء نقلت عنهم
"رويترز" إلى أنّ إعادة بناء القطاع قد تتطلب استثمارات بعشرات
المليارات من الدولارات وسنوات من العمل المتواصل، حتى في حال رفع القيود السياسية
والمالية.
لا مكاسب سريعة
وقال مدير تطوير
الأعمال في شركة كريس ويل للاستشارات، مارك كريستيان، إنّ الشركات الأميركية لن
تعود حتى تتأكد من أنها ستحصل على أموالها وستحصل على الحد الأدنى من الأمن على
الأقل. وأضاف أن الشركات لن تعود حتى يجري رفع العقوبات المفروضة على البلاد، كما
سيتعين على فنزويلا أيضاً تعديل قوانينها للسماح باستثمارات أكبر من شركات نفط
أجنبية. ويتجاوز ملف الثروة النفطية حدود الحقول داخل فنزويلا ليشمل الأصول
الخارجية والعائدات المالية. فالدولة تمتلك أصولاً استراتيجية مثل شركة
"سيتغو" للتكرير في الولايات المتحدة، لكنها محاطة بنزاعات قضائية
مرتبطة بالديون والتعويضات.
وقال الخبير
الاستراتيجي في مجال الطاقة والشؤون الجيوسياسية، توماس أدونيل: "إذا تمكن
ترامب وآخرون من تحقيق انتقال سلمي دون مقاومة تذكر، ففي غضون خمس إلى سبع سنوات
ستكون هناك زيادة كبيرة في إنتاج النفط مع إصلاح البنية التحتية وترتيب
الاستثمارات". ووفق أدونيل فإنّ النفط الخام الثقيل المنتج في البلاد يعمل
جيداً مع مصافي ساحل الخليج الأميركي، ويمكن أيضاً مزجه مع النفط الأخف الناتج من
التكسير الهيدروليكي. لكن ذلك يعتمد على أن الأمور ستسير على نحوٍ صحيح.
وقال: "يمكن
أن يؤدي انتقال سياسي فاشل ينطوي على شعور مناوئ للهيمنة الأميركية إلى مقاومة قد
تمتد على مدى سنوات"، مشيراً إلى جماعات مسلحة من المواطنين وجماعات تعمل
بأسلوب حرب العصابات في البلاد. وقال مدير برنامج الطاقة في أميركا اللاتينية في
معهد بيكر التابع لجامعة رايس في هيوستن، فرانسيسكو مونالدي، إن شركة شيفرون ستكون
في وضع يمكنها من الاستفادة القصوى من أي انفتاح نفطي محتمل في فنزويلا، وأضاف أن
شركات النفط الأميركية الأخرى ستولي اهتماماً كبيراً للاستقرار السياسي وستنتظر
لترى كيف ستتطور البيئة التشغيلية وإطار عمل العقود.
ثروة المعادن
النادرة
وإلى جانب النفط،
أعاد الرئيس الفنزويلي المعتقل من القوات الأميركية طرح ملف المعادن النادرة في
اتهامه لواشنطن، مستنداً إلى وجود احتياطات واسعة من الذهب والحديد والبوكسيت
ومعادن أخرى في جنوب البلاد، ولا سيّما في منطقة قوس التعدين في أورينوكو، التي
تمتد على مساحة تقارب 112 ألف كيلومتر مربع. وتروج السلطات الفنزويلية منذ سنوات
هذه المنطقة باعتبارها خزاناً استراتيجياً للمعادن، في سياق البحث عن بدائل
لإيرادات النفط المتراجعة.
وتشير تقارير
دولية إلى فجوة كبيرة بين الاحتياطي الجيولوجي النظري وبين القدرة الفعلية على
تحويل المعادن إلى مورد سيادي منظم، وقالت صحيفة ذا غارديان البريطانية إنّ نشاط
التعدين في جنوب فنزويلا يرتبط على نطاق واسع بشبكات تهريب وعصابات مسلحة، مع
انتشار التعدين غير النظامي واستخدام الزئبق على نطاق واسع، ما تسبب في تدمير بيئي
خطير وتلوث الأنهار وتهديد المجتمعات المحلية والسكان الأصليين، وهو ما يحول دون
إدماج هذا القطاع في الاقتصاد الرسمي أو في سلاسل التوريد العالمية الخاضعة
لمعايير الامتثال البيئي وحقوق الإنسان.
وتؤكد بيانات
هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أنّ فنزويلا تمتلك بالفعل موارد مهمة من الذهب
وخام الحديد والبوكسيت، إلّا أن مساهمة التعدين غير النفطي في الناتج المحلي
والصادرات تبقى محدودة جداً، بسبب ضعف الاستثمار، وتدهور البنية التحتية، وغياب
الإطار التنظيمي المستقر، فضلاً عن المخاطر السياسية والمالية المرتفعة. وتشير
الهيئة إلى أنّ وجود الموارد لا يعني تلقائياً وجود احتياطي قابل للاستخراج
التجاري، وهو ما يتطلب استثمارات طويلة الأجل، وحوكمة صارمة، وأمناً ميدانياً
مستقراً.