العدد 1697 /7-1-2026
امطانس شحادة
لم تتضح بصورة جلية نتائج ومخرجات اللقاء الذي جمع
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو
السادس بينهما، وعُقد في منتجع ترامب بولاية فلوريدا الأسبوع الماضي. وقد وُصف هذا
اللقاء بالمهم والمركزي، نظراً لكونه تناول مسار عدد من الملفات الإقليمية
الشائكة، من بينها المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ومسألة نزع
سلاح حزب الله، ومحاولات إيران ترميم قدراتها الصاروخية والعسكرية، فضلاً عن
مستقبل علاقات إسرائيل مع النظام السوري الجديد. وتحمل غالبية هذه الملفات في
طيّاتها احتمالات تصعيد عسكري، يتصدّرها الملف الإيراني بوصفه الأكثر سخونة في
الوقت الحالي.
وعلى خلاف بعض التلميحات التي سبقت اللقاء حول
وجود خلافات محتملة بين موقفي ترامب ونتنياهو، ولا سيما بشأن الانتقال إلى المرحلة
الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة والملف الإيراني، لم يُسفر اللقاء عن أي
تباينات علنية واضحة.
نتنياهو يشيد بمواقف ترامب
وفقاً لتصريحات نتنياهو في الجلسة الأولى لمجلس
الوزراء التي عُقدت عقب لقائه ترامب، فإن موقف الرئيس الأميركي كان واضحاً في معظم
الملفات، وجاء داعماً للموقف الإسرائيلي. وفي ما يتعلّق بملف نزع سلاح حركة حماس،
قال نتنياهو إن موقف ترامب كان حاسماً وواضحاً، إذ أعاد التأكيد أن نزع سلاح
"حماس" يُعدّ شرطاً ضرورياً ولا بديل عنه، ويمثّل أساساً جوهرياً لتنفيذ
خطته ذات العشرين نقطة. وأضاف نتنياهو أن ترامب لم يُبدِ أي استعداد لتقديم
تنازلات أو إظهار مرونة في هذا الشأن.
كذلك الأمر في الملف الإيراني، إذ أعاد ترامب،
بحسب نتنياهو، تأكيد الموقف المشترك القائم على مبدأ صفر تخصيب لليورانيوم، وعلى
ضرورة إخراج نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب من إيران، وفرض رقابة صارمة
وفعّالة على المواقع النووية الإيرانية. ومع ذلك، تجنّب نتنياهو التطرّق إلى أسئلة
جوهرية، من بينها ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح لإسرائيل، وكيف، بالتحرك ضد
إعادة بناء القدرات الصاروخية الإيرانية، وما هو "الخط الأحمر" الذي جرى
بحثه مع ترامب، فضلاً عن مدى إمكانية تحوّل سيناريو هجوم صاروخي مفاجئ من إيران
على إسرائيل إلى واقع ملموس في حال شعر النظام الإيراني بأنه محاصر ومضغوط.
على ضوء تصريحات نتنياهو وما رشح من تحليلات في
الإعلام الإسرائيلي، يبدو أن تفاهمات غير مُعلنة قد جرى التوصل إليها بين رئيس
الوزراء الإسرائيلي وترامب، ولا سيما في ما يتعلّق بالخطوات العسكرية المحتملة
تجاه إيران، وربما أيضاً تجاه حزب الله. ويتعزّز هذا الانطباع من خلال تصريحات
نتنياهو في خطابه أمام الكنيست أول من أمس الاثنين، إذ وجّه رسائل تهديد واضحة
مفادها أن إسرائيل لن تقبل بإعادة ترميم القدرات الصاروخية الإيرانية. وجاءت هذه
التصريحات بعد أيام قليلة من تهديد مماثل أطلقه ترامب، وكذلك في سياق التهديدات
الإسرائيلية – الأميركية المشتركة لحزب الله بعدم التدخل في حال وقوع هجوم فعلي
على إيران.
يسود في الإعلام الإسرائيلي انطباع عام بأن نتائج
اللقاء بين نتنياهو وترامب كانت مُرضية، وأن الرئيس الأميركي لن يقف عائقاً أمام
استئناف الضربات الإسرائيلية ضد القدرات الصاروخية الإيرانية، في حال اقتنعت
إسرائيل بضرورة تنفيذها. ويُضاف إلى ذلك أن موقف الإدارة الأميركية بات أكثر حدّة
وتصعيداً تجاه النظام الإيراني، على خلفية موجة الاحتجاجات الحالية في إيران،
وكذلك في أعقاب اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
أجواء التفاؤل لم تترجم في المشهد السياسي الداخلي
اللافت بعد لقاء نتنياهو مع ترامب أن أجواء
التفاؤل حيال التطورات الإقليمية وحالة التوافق بين الجانبين لم تنعكس إيجاباً على
المشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي. ولم تُسعف هذه الأجواء نتنياهو في معالجة
أزماته السياسية الداخلية، ولا في تخفيف حدّة الملفات الخلافية التي قد تفضي إلى
تبكير موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، وذلك رغم ما تعتبره الحكومة
الإسرائيلية، وإلى حد بعيد قطاعات واسعة في المجتمع الإسرائيلي، إنجازات عسكرية
تحققت على مختلف الجبهات.
لعل الملف الداخلي الأكثر تعقيداً الذي يواجه
نتنياهو والتحالف الحكومي خلال العام الأخير هو ملف سن قانون إعفاء طلاب المعاهد
الدينية من الخدمة العسكرية. ففي هذا الملف، تترتّب خسائر سياسية محتملة بغضّ
النظر عن النتيجة النهائية. فمن جهة، فإن عدم سن قانون يلبي مطالب الأحزاب
الحريدية سيؤدي إلى امتناعها عن دعم قانون الموازنة الحكومية، والذي يُفترض إقراره
قبل نهاية مارس/آذار المقبل، وربما عدم إقرار قانون الميزانية. وبذلك يعد الكنيست
كأنه حل نفسه، ويتم التوجه إلى انتخابات مبكرة خلال تسعين يوماً. ومن جهة أخرى،
فإن سنّ قانون، أو حتى طرح صيغة قانون، ترضي الأحزاب الحريدية وتستجيب لشروطها قد
يواجه معارضة من داخل التحالف الحكومي نفسه، سواء من عدد من أعضاء الكنيست في
الائتلاف أو من قواعد اليمين واليمين المتطرّف، ما قد يؤدي إلى إضعاف التحالف
الحكومي من الداخل.
وبرزت هذه التوتّرات والتناقضات داخل التحالف
الحكومي بحدّة خلال الأسبوع الأخير، ولا سيما عقب عودة نتنياهو من لقائه مع ترامب.
ووفقاً لموران أزولاي، المحللة السياسية في موقع واينت (5 يناير/كانون الثاني
الحالي)، فإن رئيس الحكومة "ينشغل في الأيام الأخيرة إلى حد كبير بإدارة
الصيانة اليومية لما تبقى من ائتلافه شبه المُعطَّل؛ إذ يوفّر الغطاء لوزير الأمن
القومي إيتمار بن غفير في مواجهته مع المستشارة القانونية للحكومة (غالي بهاراف
ميارا)، ويقدّم وعوداً لرئيس حركة شاس أرييه درعي، ويُليّن موقف رئيس ديغل هتوراه
النائب موشيه غافني، بشأن قانون الإعفاء من التجنيد. كما يبعث برسائل إلى وزير
المالية بتسلئيل سموتريتش للمضي قدماً في إعداد موازنة عام 2026 بزعم وجود أغلبية
تضمن إقرارها". غير أن الصورة، كما تضيف أزولاي، تبدو تحت السطح أكثر تعقيداً
بكثير، ما يعكس هشاشة الائتلاف وصعوبة الحفاظ على تماسكه في المرحلة المقبلة.
ووفقاً لموران، يعيش الائتلاف الحاكم منذ فترة
معركة مستمرة للحفاظ على تماسكه، غير أنه بات واضحاً أن وقف مسار الانهيار أصبح
بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً. وفي هذا السياق، لم يؤدِّ التهديد الجديد الذي
أطلقته الأحزاب الحريدية مطلع الأسبوع الحالي، والقاضي بأنه في حال عدم إقرار
قانون التجنيد فهي لن تصوّت دعماً لقانون الميزانية، سوى إلى تسليط الضوء على
هشاشة الوضع السياسي، وعلى حقيقة أن كل ما يجري داخل الائتلاف بات مؤقتاً ومعلّقاً
على حافة الانفجار.
صحيح أن نتنياهو يفضّل إجراء الانتخابات في موعدها
المحدد في نهاية أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام، إلا أنه قد يجد نفسه أمام واقع
لا يترك له خياراً آخر. وقد يفضل التضحية بعدة أشهر من عمر التحالف الحكومي على أن
يوفّر مادة إضافية لمهاجمته من المعارضة، وربما أيضاً من بعض حلفائه في معسكر
اليمين، على خلفية اتهامه بالخضوع لمطالب الأحزاب الحريدية، في وقت يؤكد فيه الجيش
الإسرائيلي حاجته الملحة إلى قوى بشرية. وفي هذا السياق، أفاد موقع واينت، قبل نحو
أسبوعين، بأن نتنياهو طلب من طاقمه الاستعداد لاحتمال إجراء انتخابات مبكرة في
يونيو/حزيران المقبل، في مؤشر على إدراكه لاحتمال تسارع الانهيار السياسي وخروجه
عن السيطرة.
ملامح محاور الانتخابات المقبلة
لم يُفض اللقاء الإيجابي مع ترامب، ولا تسخين
الملفات الإقليمية، إلى تخفيف حدة التوتر والتصعيد في الملفات السياسية الداخلية،
كما لم يُسهم في تحسين مكانة نتنياهو الانتخابية. ويعكس ذلك الاستطلاع الأخير الذي
نشرته القناة الإسرائيلية 12، في الأول من الشهر الحالي، وأُجري عقب لقاء نتنياهو
مع ترامب. ووفقاً لنتائج الاستطلاع، يحصل حزب الليكود على 26 مقعداً (بزيادة مقعد
واحد مقارنة بالاستطلاع السابق)، فيما يحصل حزب نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الأسبق
والمنافس المركزي لنتنياهو، على 21 مقعداً. غير أن المعطى الأبرز يتمثّل في ميزان
الكتل. إذ تشير النتائج إلى أن مركّبات التحالف الحكومي الحالي مجتمعة لن تحصل سوى
على 51 مقعداً، في مقابل 59 مقعداً للمعارضة البرلمانية الحالية، وذلك من دون
احتساب الأحزاب العربية.
كلّ ذلك يوضح أن الملفات الخارجية والسياق
الإقليمي، والشعور بما يُقدم على أنه "إنجازات عسكرية وأمنية"
اسرائيلية، وكذلك متانة العلاقة بين نتنياهو وترامب، لا تُلغي أهمية الملفات
السياسية الداخلية، ولا سيما تلك المرتبطة بالصراع حول طبيعة وجوهر النظام في
إسرائيل، وعلاقة الدين بالدولة، ومكانة الأحزاب الحريدية وتأثيرها في الحيّز
العام، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية. بل إن هذه
القضايا مرشّحة لأن تكون مركزية في اعتبارات الناخب الإسرائيلي خلال الانتخابات
المقبلة، إلى جانب ملف الإخفاق الكبير في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويأتي ذلك في ظل تراجع مكانة القضية الفلسطينية، وقضايا الاحتلال والاستيطان،
وتقلّص حدّة الخلافات بشأنها داخل المجتمع الإسرائيلي وبين الأحزاب السياسية.