سليم عزوز
كان تقديري المبدئي، أن هناك شيئاً ما خطأ في الموضوع؛ فلو كانت الأشباح هي التي تسيطر على لسان المستشار «هشام جنينة»، لما نطقت بما نطق به في المقابلة التلفزيونية الغريبة، التي بدا فيه الرجل مسلوب الإرادة!
لم يظهر من قام بهذا اللقاء، واكتفى بظهور صوته، فهل خشي من أن يجعله الحوار عرضة للتنكيل الأمني؟ وهل يعتقد أنه سيكون بعيداً عن «العلم الأمني»، ومن المؤكد أن منزل الرجل يخضع للمراقبة الأمنية على مدار الساعة، بعد المحاولة الفاشلة لاختطافه، والقيام بالاعتداء عليه من قبل «شبيحة» كل الدلائل تؤكد أنهم تابعون لأجهزة الأمن؟!
لا أعرف إن كان الفتى اعلامياً محترفاً، بحسب التعريف القانوني للاحتراف أو أنه هاوٍ، لكن المؤكد أنه لا يعمل في موقع «هاف بوست» الذي بث المقابلة؛ التي سمعت في البداية أن ما جاء فيها نشر على وكالة «رويترز» بدون إذاعة الفيديو، وأن من قام بها لا يعمل أيضاً في هذه الوكالة، وأنه عرضها عليها، كما عرضها على الموقع المذكور عقب الفوز بها، لنجد أنفسنا أمام سؤال لا بدّ من طرحه قبل الولوج إلى الموضوع، وباعتباره يمثل الشكل الذي هو جزء من النظام العام، بحسب أهل القانون!
إن أول سؤال يمكن أن يكون «هشام جنينة» قد طرحه على من اتصل به ليجري حواراً معه، هو أين سيبث هذا الحوار؟ ولا سيما أنه شخصية قضائية كالمستشار هشام جنينة.. فهل يعقل أن يكون «جنينة» قد أجرى الحوار، وانتظر أن يعثر المحاور على جهة تبثه؟!
في الموضوع، استقبلت ما قاله باستغراب شديد، وهو يقول إن الفريق «سامي عنان» لديه وثائق جرى تسريبها للخارج تكشف الطرف الثالث. وكان لافتاً ان «المحاور» يطرح سؤاله، ليجيب «جنينة» باستفاضة، فلم يكن واقعاً تحت إلحاح من يحاوره!
حتى لو كان ما قاله «هشام جنينة» رسالة تهديد لحماية صاحبه، فليس هكذا ترسل الرسائل السياسية، فهناك ألف طريقة وطريقة لإرسالها دون أن يتورط فيها هو بالصوت والصورة!
فصاحبنا عمل قاضياً، ويعرف خطورة ما قال، فضلاً عن أنه ليس الشخصية المتهوّرة التي يدفعه تهوّره إلى التورط، لشعوره بالإهانة بعد الاعتداء عليه من قبل الشبيحة الأمنيّين، ولعل حذره يمثل أحد عيوب شخصيته، فقد كان الطريق ممهداً أمامه لقيادة حركة الجماهير المتعطشة لقائد، بعد الإطاحة به من رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات، لكنه خيّب أمال الكثيرين فيه، لحذره وانضباطه، وقد كان يريد أن يمارس استقامته الوظيفية دون أن يخسر عبد الفتاح السيسي. وظل على هذا النحو حتى بعد الاعتداء عليه، حيث طالب «الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعيين حراسة» على منزله، وكأن المعتدي هو «الطرف الثالث» الذي لم يجرِ التوصل اليه! ومحاولته استمالة السيسي لمدة ثلاث سنوات قضاها في الوظيفة العمومية؛ هو ما دفع كثيرين من رافضي الانقلاب إلى اعتباره من الأعداء، والشماتة فيه، مع كل أزمة يتعرض لها، فلا تكتمل إنسانية المرء عندهم إلا إذا خرج للشارع وهو يهتف: «مرسي رئيس ومعاه الشرعية»!
إما أنه مستند إلى جهات نافذة في البلد تملك حمايته، وإما أنه «فاقد للوعي»، وللقدرة على السيطرة على كلامه، فقدم للسيسي خدمة عمره في التنكيل به وبصاحبه الفريق سامي عنان!
قلت لزملائي إنه بدا لي كما لو أن جهة عليا في البلاد قد سيطرت عليه وحرضته لأن يقول ما قال، لأهميته وخطورته، وإنه في معيتها، وإنها قادرة على حمايته، فهل يعقل أن يقول هذا من تلقاء نفسه، وهو في لياقته الذهنية، ويتمتع بسلامة قواه العقلية؟
هل غُرر به؟ هل استُدرِج للقضاء عليه؟ وربما طيّ صفحة «سامي عنان»، وهذا هو المهم، فإذا كان قرار اختيار «هشام جنينة»، وقبله اختيار «حازم حسني»، نائبين له وكنواة لدولته المدنية، هو الاختيار الصحيح، وأوقف مزايدة الرافضين له باعتباره شخصية عسكرية، والدعوة المعلنة هي ينبغي طيّ صفحة العسكر إلى النهاية، فها هو أحد النواة الصلبة لدولة «عنان» يتهاوى؟!
عندما يكون الحوار الصحفي مكتوباً، يمكن التلاعب به، لكن حواره كان متلفزاً، ولم يقل إنه تعرض لمونتاج أخل بمضمونه مع سبق الإصرار والترصد!
لقد فاجأت هيئة الدفاع الرأي العام في بيان لها، وهي تطلب من النيابة العسكرية عرض «الموكل هشام جنينة» لمستشفى متخصص لمتابعة حالته، وعلى أساس أنه يعاني من صدمة نفسية نالت من توازنه العصبي؛ لأنه أدلى بما أدلى به من حديث صحفي وهو في حالة انهيار في الحالة الصحية العامة جراء صدمة التعدي عليه، وما كتبه له الأطباء من مسكنات ومهدئات ذات آثار سلبية يقينية على الوعي والإدراك الكاملين.
ومع خيبة الأمل، سيواجه المستشار «جنينة» بالوجه الآخر لقسوة المجتمع، الذي يربط بين المرض النفسي والجنون، والذي يرى في تعرض إنسان لصدمة عصبية ما يفقده الثقة والاعتبار. فالزعماء لا يمرضون أصلاً، فما البال لو كنا أمام مرض نفسي.
لقد انتهى «هشام جنينة» كما انتهى «البرادعي» من قبل؛ لأنهما لم يكونا مؤهلين للدور المطلوب منهما القيام به، ولو على غير رغبة منهما، فنتج من نفخ الجماهير أداء سلبي، عاد على البلد كله بالسوء، وأضر بمصلحة الأول وأسرته واستقرارها العام لقيام راعيها بدور لم توطن نفسها له!
خرج «البرادعي» إلى الخارج، وقد وسعه بيته، ونتمنى التماس العذر القانوني لهشام جنينة ليخرج إلى بيته وأسرته. فكل ميسّر لما خلق له، وليس كل الشرفاء مؤهلين لأن يكونوا زعماء سياسيين!
وقديماً قال المتصوفة، إن من المآسي أن يكلف المرء نفسه من البلاء ما لا يطيق!}