العدد 1456 /7-4-2021

جابر عمر

لا تزال العلاقات التركية - الأوروبية تسير على خطّ جسّ النبض، مع إبداء كلّ طرف حسن نوايا، بهدف إذابة الثلوج التي تراكمت خلال السنوات السابقة، جرّاء اختلافات كبيرة في المواقف والرؤى المتعلقة بالملفات العالقة على مستوى العالم، سواءً في العلاقات الثنائية أو الإقليمية أو الدولية. وعلى الرغم من خطوات التقارب التي اتخذها الطرفان أخيراً، فإن خطوات أخرى لا تزال مطلوبة للوصول إلى علاقات ثنائية إيجابية.

وتبادلت أنقرة وبروكسل الرسائل الإيجابية لتحسين العلاقات خلال الفترة الأخيرة، وعُقدت لقاءات عديدة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقيادات أوروبية، منها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. بدوره، التقى وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو بعض نظرائه الأوروبيين، وعُقدت جولتان للمباحثات الاستكشافية مع الجانب اليوناني. كلّ ذلك تبعه أيضاً إعلان أوروبي، الأسبوع الماضي، عن استعداد الاتحاد الأوروبي لتطوير التعاون مع أنقرة بشكل تدريجي ومتناسب، مشدداً على أن من مصلحة "الاتحاد" التعاون مع تركيا وبناء علاقات ثنائية على أسس المصالح المتبادلة.

وطلب قادة الاتحاد الأوربي من المفوضية الأوروبية البحث في كيفية تحسين التعاون مع أنقرة بشأن مسألتي التواصل بين الشعوب، والسفر، معربين عن استعداد الاتحاد لبدء حوار رفيع المستوى مع تركيا في القضايا ذات الاهتمام المشترك، مثل السلامة العامة والمناخ ومكافحة الإرهاب والقضايا الإقليمية. وتبع ذلك الإعلان عن إجراء رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، زيارة إلى تركيا في 6 إبريل/نيسان الحالي (يوم الثلاثاء المقبل) تشمل لقاء مع أردوغان.

ومن الملفات العالقة بين الطرفين، وبحسب الأجندة، يُنتظر عقد اجتماع غير رسمي بصيغة 5+1 (تضم الأمم المتحدة وشطري الجزيرة القبرصية والدول الضامنة الثلاث، تركيا واليونان وبريطانيا) حول قبرص في نهاية إبريل الحالي (من 27 إلى 20 إبريل)، في جنيف السويسرية، وتعدّ نتائجه المرتقبة مهمة للجانبين التركي والأوروبي على صعيد تحسين العلاقات وبناء مزيد من الثقة، وهو ما تمّت الإشارة إليه في اجتماع القادة الأخير لدول الاتحاد الأوروبي.

ومع تشابك الملفات الأخرى، سيكون أمام أنقرة 3 خيارات للتعاطي مع الاتحاد الأوروبي: الأول يتعلق بعدم اتخاذ قرارات حاسمة تهدد العلاقات الثنائية، والثاني تقديم أجندة إيجابية، عبر المشاركة الفعّالة، أما الخيار الثالث فهو المواجهة، ما يؤدي إلى فرض عقوبات على أنقرة. وأكدت مصادر تركية متابعة لـ"العربي الجديد" أن أنقرة "منفتحة على تقديم أجندة إيجابية جزئية لدول الاتحاد الأوروبي، بهدف دفع الحوارات المشتركة إلى الأمام".

ويبدو أن الجانب الأوروبي يعوّل على التعهدات التركية بتقديم إصلاحات اقتصادية، وفي مجال حقوق الإنسان، تشمل إنهاء ما يعتبره الأوروبيون حالات اعتقال تعسفي من دون سبب واضح. ومن بين المعتقلين على سبيل المثال، رجل الأعمال عثمان كافالا، ورئيس حزب "الشعوب الديمقراطي" السابق، السياسي الكردي، صلاح الدين دميرطاش. وأضيف لما سبق ملف السعي لحلّ "الشعوب الديمقراطي" أخيراً، وانسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول لحماية حقوق المرأة والمثليين، وهو على ما يبدو من الملفات الأوروبية المأمول معالجتها تركياً. وحول ذلك، يبدو أن هناك بوادر استجابة من أنقرة، تتعلق بعدم قبول دعوى حلّ الحزب الكردي بقرار من المحكمة الدستورية العليا، عبر إعادة مذكرة الادعاء إلى المحكمة الإدارية العليا بحجة نواقص تتعلق بالأصول. كما أن أوروبا تحدثت عن الرغبة في العمل المشترك في ما يتعلق باتفاقية التعاون الجمركي، واتفاقية الهجرة التي تحتاج لتحديث.

مقابل ذلك، فإن تركيا أقدمت على خطوات لدفع الحوار مع اليونان، وخفّفت من التصريحات الحادة تجاه أوروبا، وأعلنت خططاً للإصلاح، مع رغبتها في فتح فصول جديدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتحديث اتفاقية التعاون الجمركي، ورفع تأشيرات الدخول عن الأتراك الراغبين في السفر إلى أوروبا، بالإضافة إلى التعاون في مكافحة الإرهاب وتحقيق المطالب التركية باتفاقية الهجرة. وترغب أنقرة في تعاون أوروبي حقيقي في شمال سورية في المناطق الآمنة.

لكن أنقرة تواجه مطالب بتحقيق عدد من التعهدات، ومنها الإصلاح، والتعامل الإيجابي لحلّ المشاكل العالقة شرق المتوسط والقضية القبرصية والوضع الليبي، والحوار بشكل متواصل مع اليونان. وكل ما سبق يوضح أن أنقرة وبروكسل لا تزالان في مرحلة إذابة الثلوج المتراكمة، وجسّ النبض واستكشاف النوايا، تمهيداً لتحسين العلاقات التي لا يمكن ضمانها مستقبلاً بسبب التحالفات الإقليمية والدولية المشتركة للطرفين.

وعن تطور العلاقات التركية - الأوروبية، رأى المحلل السياسي التركي بكير أتاجان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الطرفين يريدان امتحان بعضهما البعض، ولكن هذا الاختبار سيكون صعباً، لأن الاتحاد الأوروبي لا يزال مصرّاً على مواقفه بأن يكون في موقع الآمر، وعلى تركيا تنفيذ تلك الأوامر"، معتبراً أن الأمور إذا استمرت على هذا الشكل، فإن التفاهمات التي توصل إليها الطرفان ستتزعزع وتنتهي".

ولفت أتاجان إلى أن "المحكمة الدستورية في تركيا أعادت طلب حلّ حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وهذا يعني وجود قرارات جديدة ربما بفرض عقوبات على قيادات وأعضاء الحزب كانت لهم صلة مع الإرهابيين، أو أساؤوا لقوانين الحزب، من دون حلّ الحزب حالياً، في رسالة تركية للجانب الأوروبي". وشدّد على "وجوب تطبيق اتفاقية اللجوء، وعلى الدول الأوروبية التي لم تتقيّد بتطبيق البنود الستة للاتفاقية، أن تفعل ذلك"، جازماً أن "تركيا ستشترط على الاتحاد الأوروبي تطبيق الاتفاقية، بل وتحديثها، وهو ما يضاف إليه أيضاً موضوع تأشيرات السفر، وتحديث الاتفاقية الجمركية، فضلاً عن ملف انضمام تركيا للاتحاد".

وعن ملفات المنطقة والإقليم، استبعد أتاجان حصول تقدم بملف شرق المتوسط، "لأن دول الاتحاد تصرّ على بعض مواقفها، فيما هناك تقدم في التفاهمات الليبية، والتي يمكن أن تُستكمل بعد الانتخابات الليبية نهاية العام الحالي (المقررة في 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل) وتشكيل حكومة ليبية جديدة". ورأى أنه "إذا كانت قرارات هذه الحكومة لا تخدم المصالح الأوروبية، ربما تطلب بروكسل من تركيا الانسحاب من ليبيا"، متوقعاً أن "التفاهم الجزئي في ليبيا لن يستمر في حال تشكيل حكومة واتخاذها قرارات جديدة".

أما الصحافي التركي يوسف سعيد أوغلو فرأى أن "الخطوات التركية الحكومية تأتي في إطار مساعي الرئيس أردوغان لتطبيق استراتيجية هادفة تسعى إلى تخفيف الاحتقان الخارجي الذي انعكس على الاقتصاد بشكل كبير، وأدى إلى عزلة تركيا على الصعيد الدولي، الأمر الذي أثار امتعاض شريحة شعبية واسعة تشمل المؤيدين له أيضاً"، لافتاً إلى أن "نتائج ذلك تظهر في استطلاعات الرأي". واعتبر سعيد أوغلو، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الأوضاع الداخلية هي محدد أساسي للتهدئة التركية، وصولاً إلى رغبة الرئيس التركي بانعكاس التهدئة على الأوضاع الداخلية وانتعاش الاقتصاد مجدداً وكسب الشعبية في الانتخابات المقبلة".

وعلى الصعيد الخارجي، أشار الصحافي التركي إلى جملة من التطورات الإقليمية، منها مجيء إدارة أميركية جديدة دعمت أثينا في المواجهة مع أنقرة شرق المتوسط، واصطفاف دول الإقليم إلى جانب أثينا، ما دفع تركيا إلى تغيير استراتيجياتها حيال الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى، معتبراً أن السلوك التركي خلال الأيام المقبلة حيال هذه الملفات سيُظهر جدية أنقرة ونواياها.