العدد 1400 / 12-2-2020

كان مشهدا لافتا عندما اجتمع قادة أحزاب المعارضة التركية على صعيد واحد في مهرجان شعبي حاشد في إسطنبول بتنظيم حزب السعادة لمناصرة القضية الفلسطينية، ورفضا لصفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

يأتي هذا المهرجان في وقت اعتاد فيه الحزب الحاكم مؤخرا تصدر المشهد الشعبي في الدفاع عن القضية الفلسطينية انسجاما مع المواقف التي يعلنها الرئيس التركي، وأبرزها خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

كما أن هذا الحشد يأتي في وقت تعرضت فيه القضايا العربية عموما -والقضية الفلسطينية خصوصا- لاستهداف من تيارات تركية على خلفية المواقف العربية الرسمية من عملية نبع السلام التي أعلنتها الحكومة التركية في تشرين الأول الماضي، تمثلت في هجمة كراهية وتحريض شنّها نواب أتراك ونشطاء على منصات التواصل الاجتماعي.

صحيح أن الشارع التركي بطبعه مؤيد لفلسطين وقضيتها من منطلقات متعلقة بالمقدّسات ومواجهة الاحتلال ورفض الظلم، إلا أن ذلك لم يمنع حصول شيء من التأثير السلبي بفعل هذه الهجمة، ومن هناك يأتي هذا الحراك ليصحح الصورة ويعيد التعاطف والتأييد إلى حالته الطبيعية.

ثمة رسالة مهمة في المشهد الذي ظهر في هذا المهرجان، فإضافة إلى حزب السعادة، كان في الصورة زعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو، وممثلون عن الحزب الجيد القومي ومؤيدون لحزب الشعوب الديموقراطي الكردي، كما تحدث في المهرجان رئيس بلدية إسطنبول الكبرى المعارض أكرم إمام أوغلو، في صورة تجسّد حالة من الإجماع غير المسبوق في السياسة التركية شعبيا ورسميا على دعم القضية الفلسطينية.

حالة الإجماع هذه عبّر عنها -كذلك- البيان الصادر عن الكتل البرلمانية جميعها رفضا لصفقة القرن التي أعلنها ترامب، وبالمناسبة هي من المرّات القليلة التي تُجمع فيها الأحزاب التركية على موقف موحّد تجاه قضية معينة، بعضها قضايا تركية، كالموقف من عملية نبع السلام في سوريا مثلا.

هذا الحراك من أحزاب المعارضة يأتي بموازاة موقف رسمي لأنقرة متقدم -حتى على مواقف دول عربية مركزية- في تطور مهم، يعزّز من الحضور التركي في القضية الفلسطينية، أملا في أن يتطوّر هذا الدور ليكون قادرا على إحداث تغيير ملموس يعطي الفلسطينيين هامشا أوسع للتحرك بدلا من التقيد بالرسمية العربية التي ينخرط جزء منها -للأسف- في جهود تصفية القضية وإنهائها.

كما أنه من المهم التنبّه إلى أن هذا التحرك ينسف الدعاية الإسرائيلية التي طالما ردّدت أنّ موقف تركيا الداعم لفلسطين يأتي من خلفية أيديولوجية يتبنّاها الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم، وكثيرا ما هاجم رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو شخص أردوغان بشكل مباشر، على خلفية مواقفه وتصريحاته بشأن فلسطين.

ورواية أنظمة عربية معادية للسياسة التركية بأنّ مواقف أنقرة تجاه القضية الفلسطينية هي في إطار خدمة أردوغان لمحور فلسطيني دون آخر تسقط أمام هذه الحالة، إذ ظهر خصوم الرئيس التركي وحزبه الألدّاء في المواقف الرافضة للسياسية الأمريكية الداعمة للاحتلال الإسرائيلي ذاتها، بل ربما في مراحل سابقة طالبوا أردوغان بفعل المزيد.

وبعيدا عن النوايا والمنطلقات، تظهر القضية الفلسطينية كنقطة اتفاق بين التيارات التركية المختلفة، وحتى لو أصرّ بعضهم على وضعها في إطار التنافس والاستثمار السياسي داخليا، ففي المحصلة هو تنافس سياسي محمود، كنّا نتمنى أن نشاهده في دولنا العربية في العلاقة بين الأنظمة والأحزاب.

فبدلا من أن نجد الأنظمة العربية تنحاز إلى نبض الشارع والأحزاب الفاعلة فيه في رفض صفقة ترامب، سارعت هذه الحكومات إلى مباركتها قبل أن تسعى إلى تدارك الأمر باجتماع للجامعة العربية على مستوى الوزراء، ستبقى مخرجاته حبرا على ورق إن لم تترجم إلى خطوات داعمة للفلسطينيين.

فلسطين ورقة رابحة، ومعيار قياس لاستقامة الأنظمة، ترضاه الشعوب إذا ما صاحبه انسجام مع قيم الحرية والعدالة من دون تجزئة، بعيدا عن استثمارها واتخاذها مظلّة للتغطية على سياسات القمع والدكتاتورية.

عزالدين إبراهيم