الأمان الدولي

أيام الرئيس مرسي الأخيرة.. وقائع وتسريبات!
05/07/2018 - سليم عزوز

نشر  موقع «عربي21» تقريراً معلوماتياً مهماً تحت عنوان «عربي21 تنشر تفاصيل الأيام الأخيرة بين مرسي والسيسي»، وما جاء في هذا التقرير ينشر لأول مرة، وهو منسوب إلى مصادر لم يحددها الموقع، ولا نعرف لماذا لم تعلن المصادر هويتها؟ ففي الحقيقة أن هذا هو بيت القصيد!
فدائماً هناك حساسية من ذكر المعلومات الخاصة بالمرحلة التي سبقت الانقلاب، من منطلق أن هذا ليس وقته، وعندما تحاصر أحداً من المقربين من السلطة في ذلك الوقت، فإنه ينفي أي علم له بما جرى. فمن يمثلون «الصندوق الأسود» في السجون، وعندما يخرجون منها بالإمكان سؤالهم. ولا أخفي أنني في الواقعة الواحدة أسمع معلومات متضاربة أحياناً من شخص واحد، والأمر بحسب اتجاه الريح، فإذا أخذت على الرئيس محمد مرسي أنه وثق في السيسي أكثر من اللازم، وعلى نحو ليس معقولاً، يكون الرد بأنه كان كاشفاً لحقيقته وسابراً لأغواره، وأنه فكر في إطاحته، بيد أن من عرض عليهم منصب وزير الدفاع اعتذروا وأبلغوا السيسي بما حدث! وإذا قلت إنه كان بإمكانه أن يستدعي جنرالات بعينهم بعيداً عن المجلس العسكري الذي عزل الرئيس معظم أعضائه، كان الرد أن السيسي كان منصاعاً لمرسي أكثر مما ينبغي، وكان طبيعياً - والحال كذلك - أن يدخل عليه الغش والتدليس!
 ومنهم من يريد أن يقدم الرئيس على أنه كان «قليل الحيلة»، فليس هو من عزل «طنطاوي» و«رئيس الأركان»، وأن ملف الجيش كان خارج نفوذه. وفي مواجهة من يقول بضعف الرئيس، يكون الرد بأنه يكفي أنه عزل وزير الدفاع ورئيس الأركان!
ومن هنا جرى تغييب المعلومات الحقيقية التي يمكن البناء عليها في المستقبل؛ إذا كنا راغبين بالفعل في إزاحة حكم العسكر، والانتصار لثورة يناير المجيدة!
تشغلني المعلومة دائماً بحكم المهنة، ومنذ وقوع الانقلاب وأنا ألهث وراء الحقيقة، وكلما وجدت من كان قريباً من هذه المرحلة، وظننت أن على النار هدى، وجدتني أمام سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. ومن إدراكي لقيمة المعلومة، فقد كان أكثر ما يزعجني في ملف توريث الحكم في مصر، أن معلومات كثيرة عن حوادث في مرحلة مبارك يمكن أن تظل سراً أبدياً بموت أطرافها لو وسّد الحكم لجمال مبارك، فلما قامت الثورة، وجدت أنها فرصة مواتية للوقوف على أبعاد ما جرى، لولا أن الثورة المضادة، شغلتنا بعيداً عن هذه المرحلة!
الأزمة الحقيقية أن الذين كانوا مقربين من دوائر الحكم في عهد الرئيس محمد مرسي، يتحركون من داخل قفص الاتهام، لذا فهم يرون أن الولاء التنظيمي يستدعي إخفاء معالم الجريمة، خشية أن يكون فيها ما يسيء إلى القوم في هذه المرحلة. والتقديرات الخاطئة لم ينتج منها فقط تمكين العسكر من الانقلاب على ثورة شعب، ولكن في ما نتج من هذا الانقلاب من آثار، أخصها المجازر التي ارتكبت، والتفريط في الأرض وفي مياه النيل!
ولا يخفى على أحد أن هناك محاولات خجولة لكشف بعض الحقائق؛ قام بها الوزير السابق الدكتور محمد محسوب، ولا سيما في مرحلة التفاوض، ووجِهت بتحريض «كلاب السكك» على مواقع التواصل الاجتماعي، لتشويهه بهدف إسكاته، ولكي يكون عبرة لغيره؛ من يظن أن ما يملكه من معلومات قابل للنشر!
يمكن الرجوع إلى المنشور في موقع «عربي21»، وهو خطير من وجهة نظري، فلم يكن الانقلاب مفاجأة، فقد كانت هناك تهديدات من قبل السيسي وغيره، مثل اللواء العصار نقلت للمهندس خيرت الشاطر، لكن اللافت هو أن السيسي كان يتعامل على أنه ناقل لمطالب القوى المدنية، ولأعضاء المجلس العسكري، وكان يخشى من انفضاح أمره واكتشاف أنه شريك في المؤامرة، وليس وسيطاً نزيهاً!
 من حقنا أن نتساءل عن الأسباب التي دفعت الرئيس والجماعة إلى عزل أنفسهم ليصبح السيسي هو «مرسال الغرام» بين أعضاء المجلس العسكري وبين القوى المدنية الداعية لمظاهرات 30 حزيران؟!
ومما عرضه؛ حكومة لإدارة الدولة لا يوجد فيها عنصر واحد من الإخوان، على أن تنتقل لها صلاحيات الرئيس، وهي التي تدعو لانتخابات رئاسية مبكرة، وإلا فإن البديل هو بحور من الدماء!
إذا صح هذا (ولا أسلّم به حتى تتواتر الروايات وتتطابق)، يكون من حقنا أن نتساءل عن الأسباب التي دفعت الرئيس والجماعة إلى عزل أنفسهم ليصبح السيسي هو «مرسال الغرام» بين أعضاء المجلس العسكري وبين القوى المدنية الداعية لمظاهرات 30 حزيران/ يونيو؟!
لقد تكلم السيسي باسم أعضاء المجلس العسكري، وكان على الرئيس أن يدعو أعضاء المجلس للاجتماع، ليمكنه بنفسه أن يستمع إليهم. وفي مثل هذه اللقاءات الجماعية والفردية، تظهر شخصيات تسعى إلى «القرب»، كما كان السيسي من قبل، وقد تولى منصب وزير الدفاع بهذه الطريقة!
ولماذا تُرك السيسي ليدير ملف التفاوض مع القوى المعارضة، ومن بين الإخوان من هم على علاقة بكثير من قادة هذه القوى، اللهم إلا إذا كانت الرغبة جامحة بالاستمرار في إبعاد شخصيات معروفة، كالدكتور محمد البلتاجي مثلاً!
وإذا كانت الأمور واضحة لهذه الدرجة، فلماذا صدرت جريدة الحزب الحاكم (الحرية والعدالة) وهي تبشر الناس بأن نزول الجيش هو لحماية الشرعية؟!
لقد جاء في «عربي21» أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما نصح مرسي بالتنازل، وقال له إن هذا هو زمن التنازلات الكبرى. وإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لم يتم تسريب موقف الرئيس الأمريكي، بل وموقف المجلس العسكري وما دار في لقاء السيسي وخيرت الشاطر إلى وسائل الإعلام، ليصبح الرأي العام على بيّنة مما يجري؟ وهل كان للقوم اتصالات بإعلاميين، غير رؤساء تحرير الصحف القومية الذين جرى اختيارهم وفق قاعدة «القامات المنخفضة»، وهل كانت لديهم اتصالات بغير وكالة الاناضول التي كان يتم تفضيلها بالأخبار، التي كانت تحجب عن «الجزيرة»؟
أما التلفزيون الرسمي، فلم يكن في قبضتهم حتى في وجود وزير الإعلام المنتمي إلى الإخوان، بعد الإصرار غير المبرر على استمرار رجل الأجهزة الأمنية رئيساً لقطاع الأخبار. وقد كتبت كثيراً حتى اليأس أطالب بعزله، ومن خلاله أذيع بيان الجيش الذي يحمل تحذيرات للقوى السياسية، بدون علم الوزير، فقد استقل رئيس قطاع الأخبار بالشاشة، وصدرت جريدة «الأهرام» بمانشيت قبل عزل مرسي بيوم عنوانه: «استقالة أم إقالة»!
ماذا كان في يد مرسي أن يفعل؟
لقد كان عليه في جميع الأحوال أن يضع الرأي العام المصري والعالمي «في الصورة»، وليفاضل بين خيارين:
الأول: إذا قرر المواجهة، فقد كان عليه أن ينزل للشارع، ولا ينزل في نادي الحرس الجمهوري فيسهل اختطافه. وكان عليه أن يلتحم بالجماهير، أو أن يستدعيها إلى القصر لتقوم هي على حمايته، ثم يعزل السيسي ورئيس الأركان، فإذا حدث التمرد كان أمام العالم كله انقلاب عسكري من جنرال مقال. ولا تنسوا أننا بذلنا جهوداً كبيرة في حوارات بيزنطية لإثبات ما جرى أنه انقلاب عسكري في مواجهة الرأي القائل بأن الجيش حمى إرادة الجماهير!
الخيار الثاني، وهو عكس الخيار الأول، وهو يستجيب لما هو مطلوب منه، ويصبح من حق الشعب أن يتصرف على بيّنة، فمن يرفض ذلك فليفعل، بدلاً من تأميم النضال، ومحاصرة حرية الحركة، حتى استنزاف الثورة تماماً في مظاهرات لا تقدم ولا تؤخر. ولا يزال الثمن يدفع إلى الآن من لحم الحيّ، ومن نساء وشباب؛ ربما كان يمكن أن يواجهوا بشكل أفضل، ومن آخرين ربما لم يكن ستأخذهم الحماسة بعيداً، حد أن يقتلوا في السجون أو أن يصفوا في الشقق!
لا أسلم بصحة ما نشر في «عربي21» تماماً، ولا أعرف دوافع «المصادر» التي اختصت الموقع بما نشره، لكني أرى أنه لئن يقال إن الإخوان اجتهدوا فأخطأوا؛ لهو خير من حالة الكتمان هذه!}