العدد 1698 /14-1-2026
منذ بدء سريان
وقف إطلاق النار في قطاع غزة في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تستغل
إسرائيل حالة الهدوء الميداني لتنفيذ عمليات قتل، غالبيتها تطاول المدنيين من
الأطفال والنساء، إلى جانب الشبان الذين يقتربون من "الخط الأصفر"، فيما
تبرر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ذلك بأسباب وذرائع أمنية. ووثّق مركز غزة لحقوق
الإنسان تحويل الاحتلال الإسرائيلي وقف إطلاق النار إلى غطاء لتنفيذ عمليات القتل
بواقع خمس حالات قتل يومياً خلال 90 يوماً، ومن إجمالي 439 فلسطينياً قتلهم الجيش
الإسرائيلي، استشهد 155 طفلاً و61 امرأة، إضافة إلى إصابة 1225 آخرين. وتتنوع
عمليات القتل التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي بين استهدافات نارية ميدانية من
خلال إطلاق النار على الفلسطينيين قرب "الخط الأصفر"، أو حتى عبر عمليات
القصف المدفعي التي تستهدف المنازل والخيام في تلك المناطق.
الترويج لادعاءات
كاذبة
ولا يكاد يمر يوم
من دون تسجيل حوادث قتل في صفوف الفلسطينيين، في مؤشر يعكس إخلال الاحتلال باتفاق
وقف إطلاق النار المبرم بوساطة قطرية ومصرية وتركية وأميركية في مدينة شرم الشيخ
المصرية. وهذا ما جعل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يقول إن وقف إطلاق النار في
غزة غير قائم عملياً، إذ إن قوات الاحتلال تواصل القصف وإطلاق النار يومياً مع
تسجيل سقوط المزيد من الضحايا المدنيين، ولا سيما مع تصاعد وتيرة الاعتداءات. وقال
المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم لـ"العربي الجديد"، إن الاحتلال
الإسرائيلي يروّج لادعاءات كاذبة ومختلقة بهدف تبرير تصعيد عدوانه المتواصل،
واستهداف المدنيين والعاملين ومراكز الإيواء، مؤكداً أنه لا يوجد أي مبرر لهذه
الاعتداءات، ولا أي دليل يثبت وقوع خروقات من جانب المقاومة الفلسطينية.
وأضاف قاسم أن
الاحتلال ينتهج سياسة ثابتة وممنهجة في تصعيد خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار، عبر
توسيع دائرة اعتداءاته في كل مرة، سواء من خلال القتل المباشر للمدنيين، إذ تجاوز
عدد الشهداء منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ أكثر من 440 فلسطينياً، أو عبر تقييد
دخول المساعدات الإنسانية إلى أقل من نصف ما اتُّفِق عليه، وذلك إلى جانب استمرار
إغلاق معبر رفح، وتحريك ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" غرباً بشكل يومي،
استمراراً لارتكاب جريمة التهجير. وأكد أن هذه الوقائع تعكس سياسة واضحة وثابتة
لدى الاحتلال، تقوم على استمرار الخروقات وتصعيدها وعدم الالتزام بما اتُّفِق
عليه، رغم الالتزام الكامل من جانب المقاومة الفلسطينية، وحركة حماس على وجه
الخصوص، ببنود الاتفاق، وهو التزام تشهد عليه الوقائع والممارسات على الأرض.
وأشار قاسم إلى
أن الحركة تتحرك باستمرار مع الوسطاء، وتضعهم في صورة هذه الخروقات المتكررة وما
تشكله من خطر حقيقي على اتفاق وقف إطلاق النار وعلى الأوضاع الإنسانية في قطاع
غزة. ولفت إلى أن هذا الجهد متواصل على المستويين، السياسي والدبلوماسي، إضافة إلى
المسار الإعلامي لفضح السياسات الإسرائيلية، موضحاً أن الوسطاء يبذلون جهوداً في
كل مرة للجم الاحتلال، إلا أنهم يصطدمون برفضه التعاطي مع هذه المساعي، وهو ما
تتحمل مسؤوليته الإدارة الأميركية، باعتبارها توفر غطاءً سياسياً لسلوك الاحتلال
واستمراره في خرق اتفاق وقف إطلاق النار.
وشهد الخميس
الماضي تصعيداً كبيراً من قبل الاحتلال الإسرائيلي عبر عمليات قصف مركزة طاولت
مختلف مناطق القطاع، بررها الاحتلال بإطلاق صاروخ من منطقة شمال غرب مدينة غزة،
فيما نفت المصادر الفلسطينية المحلية ذلك، وأكدت أن ما جرى حادثة عبث بصاروخ من
مخلفات الاحتلال. من ناحيته، قال المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في قطاع
غزة، إسماعيل الثوابتة لـ"العربي الجديد"، إن ما يجري على الأرض يؤكد
بما لا يدع مجالاً للشك، أن الاحتلال الإسرائيلي يستغل قرار وقف إطلاق النار غطاءً
لمواصلة القتل الممنهج بحق المدنيين الفلسطينيين. وشدّد الثوابتة على أنّ الواقع
الميداني والإحصائي لهذه الخروقات خطير وصادم، إذ رصدت الجهات الحكومية المختصة،
خلال 90 يوماً فقط منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من
أكتوبر الماضي، نحو 1193 خرقاً، شملت 384 جريمة إطلاق نار مباشر على المدنيين،
و551 عملية قصف واستهداف، و66 توغلاً عسكرياً داخل مناطق سكنية، إضافة إلى 192
جريمة نسف وتدمير للمنازل والمؤسسات المدنية.
وأشار الثوابتة
إلى أن هذه الانتهاكات أدت إلى استشهاد 448 فلسطينياً وإصابة 1206 آخرين، إلى جانب
50 حالة اعتقال غير قانوني، ما يؤكد أن وقف إطلاق النار منتهك بشكل يومي ومنهجي.
وأكد أن الأرقام والمعطيات المتوفرة تثبت بوضوح أن عمليات القتل باتت ممنهجة
ومتعمدة، وليست حوادث فردية أو أخطاء عارضة، كما يحاول الاحتلال الترويج، موضحاً
أن نمط الاستهداف المتكرر للمدنيين، المترافق مع القصف ونسف المنازل والتوغلات
العسكرية والحرمان الإنساني الشامل، يندرج ضمن سياسة واضحة تهدف إلى استنزاف
السكان، وإدامة حالة الرعب، وفرض الإخضاع بالقوة، وهو ما يشكل جريمة حرب مكتملة
الأركان وفق قواعد القانون الدولي الإنساني. ويترافق السلوك الإسرائيلي الميداني
مع حديث عن اقتراب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من إعلان تأسيس مجلس السلام،
ولقاءات قام بها المرشح لشغل منصب المدير التنفيذي للمجلس، نيكولاي ملادينوف في
المنطقة.
عمليات القتل في
غزة
بدوره، رأى
المحلل السياسي مصطفى إبراهيم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن السياسة
الإسرائيلية منذ وقف إطلاق النار تتسم بالمنهجية والتصعيد المدروس، مؤكداً أن
الاحتلال لم يتوقف عن عمليات القتل والخروقات، بل واصلها بوتيرة عالية في رسالة
واضحة مفادها أن إسرائيل ما زالت تمسك بزمام السيطرة الأمنية والعسكرية. وأضاف
إبراهيم إن إسرائيل تدير هذه العمليات باعتبارها سياسة ردع، لإثبات أنها ما زالت
صاحبة اليد الطويلة أمنياً، حتى في المناطق التي لا يتمركز فيها جيش الاحتلال
مباشرةً، مشيراً إلى أن عمليات قتل وقعت قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"،
في تأكيد إضافي بأن الاحتلال يريد فرض معادلة السيطرة من الجو ومن الأطراف الشرقية،
ومنع أي فلسطيني، أكان مقاتلاً أم مدنياً، من الاقتراب من تلك المناطق. ولفت إلى
أن هذه السياسة تعكس إدراك إسرائيل أن حركة حماس لن ترد في هذه المرحلة، حرصاً
منها على عدم اتهامها بخرق وقف إطلاق النار أو نسفه، خصوصاً في ظل اختلال موازين
القوى، وعدم ملاءمة الظروف الراهنة للمقاومة، وهو ما تستغله إسرائيل لمواصلة الضغط
من دون تكبّد كلفة سياسية أو عسكرية.
وأكد إبراهيم أن
إسرائيل ما بعد السابع من أكتوبر 2023 ليست كما قبله، إذ وضعت ترتيبات أمنية
وعسكرية جديدة، واعتبرت أن ما جرى في ذلك اليوم يمثل فشلاً استراتيجياً وعسكرياً
لجيشها، ما يدفعها إلى العمل بكل الوسائل لمنع تكراره، عبر عمليات ردع وتخويف وضغط
مباشر على حركة حماس، وربما التقدم ميدانياً إذا ما شعرت بوجود أي تحركات جديدة أو
إعادة ترتيب للقدرات العسكرية للمقاومة. وأشار إلى أن الهدف الاستراتيجي
الإسرائيلي واضح ويتمثل بعدم السماح بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل السابع من
أكتوبر، موضحاً أن كل ما تقوم به إسرائيل منذ اليوم الثاني للحرب يندرج ضمن خطط
واستراتيجيات طويلة الأمد، تهدف إلى فرض واقع جديد في قطاع غزة.