العدد 1678 /27-8-2025
عصام نعمان
لليهود في تاريخهم
دولتان واحدة في اليمن وثانية في شطرٍ من فلسطين. ما أقامه الصهاينة في شطرٍ موسّع
من فلسطين سنة 1948 هو ما يسمونه اليوم «إسرائيل الثالثة». الدولتان الأولى
والثانية لم تصلا إلى سن الثمانين. يخشى الصهاينة اليوم أن تتحقق تلك النبوءة مرة
أخرى، فلا تصل «إسرائيل الثالثة» في خريفها السابع والسبعين إلى سن الثمانين، خلال
السنوات الثلاث المقبلة، لذلك يحاول حكامها المتطرفون المتعصبون، وفي مقدمهم
بنيامين نتنياهو، تحقيق أكبر قدْر ممكن من خرافاتهم التوراتية، قبل حلول الأجل
المحتوم.
الأمكنة المختارَة
لتحقيق المخططات التوسعية المعجّلَة التنفيذ هي قطاع غزة في جنوب غرب فلسطين
المحتلة، وجنوب لبنان وجنوب سوريا. في غزة وقطاعها تشنّ «إسرائيل» حرب إبادة
ممنهجة قوامها التجويع والتهجير والتدمير والسيطرة العسكرية على كامل مساحة
القطاع، والتوسّع في الاستيطان ومدّه إلى الضفة الغربية، خصوصاً إلى المناطق
المحيطة بالقدس. كل ذلك استعداداً لمواجهة ما يسمونه في تل أبيب «تحديات اليوم
التالي».
في سياق هذه المواجهة
العدوانية، يعتزم الصهاينة فرض منطقة عازلة في شمال القطاع، تمتد من «حدوده» مع
كيان الاحتلال إلى أطراف مدينة غزة ومحيطها شرقاً وغرباً. وفي الجنوب يعتزم
الصهاينة تحويل منطقة فيلادلفيا المحاذية للحدود مع سيناء المصرية، إلى منطقة
عازلة تمتد بدورها إلى البحر غرباً. في موازاة ما يخططه العدو لقطاع غزة، صادق
«مجلس التخطيط الأعلى» في الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي على
مخطط استيطاني في المنطقة «E1» شرق القدس لبناء أكثر
من 6990 وحدة سكنية، بالإضافة إلى إقامة مستوطنات جديدة. غايةُ هذا المخطط، حسب
تصريح وزير مالية العدو يسرائيل سموتريتش، «تقسيم الضفة الغربية وقطع التواصل بين
(محافظتي) رام الله وبيت لحم، ما يؤدي إلى دفن فكرة الدولة الفلسطينية». الخبير في
شؤون الاستيطان الصهيوني خليل التفكجي اعتبر (في حديث لصحيفة «الأخبار» 2025/8/22
) أن من شأن المخطط المذكور تحقيق التداعيات الآتية:
*إغلاق
المنطقة الشرقية من القدس بشكل كامل لمنع جعلها عاصمة لدولة فلسطين.
*إقامة
القدس الكبرى بالمفهوم الإسرائيلي بما يعادل 10 في المئة من مساحة الضفة الغربية.
*فصل شمال
الضفة عن جنوبها.
إلى ذلك، يواصل
المستوطنون بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، عملية اقتحام المسجد الأقصى
يومياً بحيث بلغ عدد المقتحمين من أول هذه السنة لغاية أول شهر أغسطس الجاري
38875. كل ذلك يجري مصحوباً بطقوس توراتية مع الحرص على إجرائها يومياً، بغية
تحقيق ما يسمّيه الصهاينة «التأسيس المعنوي للهيكل»، أي السيطرة على المسجد الأقصى
برمته، كما جرى للحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل.
في جنوب لبنان يعتمد
الصهاينة أسلوب التدمير والتهجير والاحتلال المتدرّج للمواقع الإستراتيجية، لاسيما
تلك المطلّة على كامل منطقة جنوب نهر الليطاني. في هذا السياق، دمّر الجيش الإسرائيلي
كل البلدات والقرى على امتداد الحدود بين لبنان وفلسطين، من الناقورة غرباً إلى
شبعا شرقاً. ولم يكتفِ بذلك، بل منع أيضاً أهالي تلك المنطقة المدمرة من العودة
إليها بعد توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر 2024. هؤلاء جميعاً
ممنوعون من السكن فيها ومن ترميم منازلهم المدمرة، وحتى من التجوّل فيها، حسب
المناشير والخرائط التي تلقيها الطائرات الحربية الإسرائيلية، مع تحذيرٍ للأهالي
من الاقتراب منها.
«إسرائيل»
ليست وحدها في مواجهة اللبنانيين في أراضي جنوبهم المحتل، ها هي الولايات المتحدة
تهرع إلى مساعدتها في هندسة الوضع لتجميل الاحتلال. كيف؟ مركز «اكسيوس» كشف عن
مخطط يرعاه مقربون من سيد البيت الأبيض، لإقامة منطقة عازلة على طول الحدود
اللبنانية ـ الفلسطينية خالية من السكان، ومهيّأة لاستقبال كل انواع المصانع
والمعامل والفنادق والمشروعات الاقتصادية الترفيهية التي تحاكي «الريفييرا»، التي
كان الرئيس دونالد ترامب قد لوّح بإقامتها على ساحل قطاع غزة، على أن تكون بإدارة
أمريكية. يبدو أن هذا المشروع ببعض تفاصيله المشار إليها آنفاً، هو أقصى ما أمكن
للمبعوث الأمريكي توم برّاك أن يحصل عليه من «تسهيلات» إسرائيلية لتشجيع الحكومة
اللبنانية على المضي قُدُماً في محاولة تنفيذ قرارها القاضي بحصرية السلاح بيد
الدولة.
مؤيدو المقاومة
(بقيادة حزب الله) داخل مجلس الوزراء ومجلس النواب، وحاضنته الشعبية، وفي وسائل
الإعلام، طالبوا وما زالوا يطالبون بانسحاب «إسرائيل» أولاً من الأراضي اللبنانية
المحتلة، ووقف اعتداءاتها البرية والجوية اليومية كشرط لموافقة قوى المقاومة على
تسليم سلاحها تدريجياً للجيش اللبناني. إذا تأكّدت صحة ما كشفه مركز «أكسيوس» فإن
قوى المقاومة سترفض، على الأرجح، تسليم سلاحها حتى لو وافقت حكومة نواف سلام على
مشروع «الريفييرا» في الجنوب، الذي يلوّح به مقرّبون من الرئيس ترامب.
لا يقتصر تطبيق مخطط
المناطق العازلة على جنوب فلسطين المحتلة وجنوب لبنان فحسب، بل يشمل أيضاً جنوب
سوريا، حيث تحتل «إسرائيل» ما لا يقلّ عن خُمس مساحة سوريا الإجمالية. صحيح أن
الولايات المتحدة رفعت اسم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع من قائمة الإرهابيين
المطلوبين، وتسعى الآن إلى رفع الحصار الاقتصادي المضروب على سوريا منذ نحو عشرين
سنة، إلاّ أن حكومة دمشق الانتقالية ما زالت تطالب بانسحاب «إسرائيل» من جنوب
البلاد.
يتردّد هذه الأيام في
أوساط وسائل إعلامية موجودة في أروقة أصحاب القرار في واشنطن وباريس ولندن ومقر
الأمم المتحدة في نيويورك، أن «إسرائيل» تبدي استعداداً لسحب قواتها المحتلة،
شريطة أن توافق حكومة دمشق على الدخول معها في مفاوضات برعاية الولايات المتحدة،
بغية إقرار معاهدة صلح تحاكي تلك المعقودة مع كلٍّ من مصر والأردن، على أن تتضمن
ثلاثة مكاسب شديدة الأهمية بالنسبة إليها: توسيع رقعة احتلالها في الجولان السوري،
والحصول على «حصة « من مياه حوض نهر اليرموك، وإقامة منطقة عازلة في محافظة
القنيطرة التي تلامس حدودها أطراف ريف دمشق.
يبقى سؤال: هل طوق
المناطق الإسرائيلية العازلة على حدود مصر ولبنان وسوريا هي قضايا داخلية لكلٍّ من
الدول الثلاث؟ أم هي مخاطر وقضايا عربية وإقليمية بإمتياز؟