حرتقات الزواريب ومشروع بناء الدولة!
كلمة الأمان العدد1719 /10-6-2026

الهجوم المسلّح الذي استهدف مبنى مركز الدعوة الإسلامية في منطقة عائشة بكّار في بيروت القريب من دار الفتوى، والذي شارك فيه عدد غير معروف حتى الآن من المسلّحين بعضهم معروف بالاسم وكامل الهويّة، لا يمكن أن يكون فردياً، بمعنى على خلفية إشكال فردي شارك فيه عدد من أصدقاء أحد المهاجمين، بل هو هجوم يحمل نوايا واضحة ومبيّتة من خلال عدد المهاجمين على مبنى مركز الدعوة، ونوعية الأسلحة التي كانوا يحملونها وقد صودر بعضها من قبل الجيش، وطريقة الهجوم التي كانت تهدف من جملة ما كانت تهدف إليه كما جاء في بعض الروايات، اقتحام مبنى مركز الدعوة بهدف إحراقه والسيطرة عليه، وإظهار صورة سلبية عن الجماعة الإسلامية من ضمن "الحرتقات الداخلية"أو قيام بعض الشخصيات المشبوهة والمأجورة بهذا الفعل خدمةً لأجندات داخلية أو خارجية دونما إقامة أيّ اعتبار للمصلحة الوطنية، أو حتى لمصلحة بيروت أو أبناء منطقة عائشة بكّار، وللمنسابة والتذكير فإنّ مبنى مركز الدعوة الإسلامية المستهدف بالهجوم يتألّف من تسع طبقات تضمّ التالي : مسجداً تُقام فيه الصلوات الخمسة وصلاة الجمعة حيث يؤمّه أبناء المنطقة على مدار اليوم وفي كل صلاة جمعة؛ ومركزاً صحيّاً يقدّم الخدمات الطبيّة شبه المجانية ليس لأبناء منطقة عائشة بكّار فحسب، بل لكل أبناء بيروت، بل حتى يمكن لغيرهم من خارج بيروت من خلال معدّات طبيّة حديثة غير متوفرة في أغلب متسوصفات بيروت، وبكلفة تكاد تكون رمزية؛ ويضمّ مركز الدعوة أيضاً إذاعة الفجر التي تقدّم الدروس الدينية والتوعوية في الوطنية والانتماء؛ هذا فضلاً عن قاعة للمناسبات يستخدمها أهالي المنطقة خاصة في مناسبات العزاء والمناسبات الاجتماعية الأخرى؛ ومؤسسات نسائية واجتماعية وتربوية تقدّم الخدمات الإنسانية والاجتماعية والتعليمية للطلاب، وطبقتين للجماعة الإسلامية. الحقيقة أنّ الهجوم على مبنى مركز الدعوة الإسلامية كان مفاجئاً في توقيته وخلفياته والأسباب التي سيقت لتبرير الهجوم، وفي الحملة الإعلامية التي شُنّت بعد الهجوم وانساق معها بعض المستغلّين. فالجميع من أبناء منطقة عائشة بكّار وأبناء بيروت يعرفون أنّ المبنى يضمّ مركزاً للجماعة الإسلامية، وهي طيلة الأعوام السابقة كانت وما زالت على أطيب علاقة مع جيرانها في محيط المبنى، وهم يشهدون بذلك، وكانت أبعد ما تكون عن إحداث أيّ نوع من أنواع التوتّر أو الإشكالات في محيطها، بل كانت تتكامل دوماً مع دار الفتوى الذي لا يبعد مركزها عن مركز الدعوة الإسلامية سوى عشرات الأمتار في تأمين كل ما يلزم لأبناء المنطقة من خدمات وراحة واستقرار أمني وسياسي والجميع هناك يعرفون ذلك ويشهدون به، ولم يُسجل طيلة الأعوام السابقة من تسعينات القرن الماضي العشرين وحتى حادثة الهجوم على مركز الدعوة، أن كانت الجماعة سبباً في إحداث أي إشكال أو توتّر في المنطقة، وجميع أبناء المنقطة يشهدون بذلك. والجماعة قامت خلال فترة الحرب الأخيرة بإخلاء الطبقتين من مبنى مركز الدعوة لبثّ الاستقرار والأمان والهدوء في المنطقة، خاصة وأنّ الاستهدافات الإسرائيلية خلال الحرب كانت في كثير من الأحيان تهدف إلى إثارة الذعر والخوف والفتن، فكان قرار إخلاء الطبقتين من قبيل سياسة سحب الذرائع. وقد استغل المهاجمون هذه الحالة ليقوموا بشنّ هذا الهجوم في هذا التوقيت بهدف السيطرة على المبنى وإحراقه ونسج الروايات المُضلّلة بعد ذلك بهدف التشوية ومن ضمن "حرتقات الزواريب". وأمّا في خلفيات الهجوم المسلّح على مبنى مركز الدعوة فإنّ المؤكّد حتى الآن أنّ الهجوم لم يكن فردياً بل بتخطيط واندفاع من بعض الأشخاص والشخصيات المعروفة بارتباطها وسلوكها وخدماتها لقوى داخل البلاد وخارجها، وفي هذا السياق يأتي الحديث عن محاولات لتقديم الجماعة الإسلامية كبش فداء في هذه المرحلة بوصفها "قوّة مسلحّة" خارجة عن إطار القانون والمؤسسات وتنشر الفوضى في بيروت، وهذا يدركه ويعرفه كلّ البيروتيين أنّه كذب وافتراء، لكنّه يمنح المرتبطين بأجندات خاصة، داخلية أو خارجية، فرصة لمحاولة النيل من الجماعة كقوّة سياسية تحرص على بناء البلد وتقدّم نفسها جماعة معتدلة وسطية منفتحة على كل اللبنانيين حريصة على بناء دولة المؤسسات والقانون. أو ربما يكون في بعض خلفيات الهجوم المستنكر محاولة لأخذ التركيز في البلد إلى مكان آخر غير المكان الذي تتركّز فيه وعليه الاهتمامات حالياً، وبالتالي "خلق" واقع جديد يخفّف من ضغط الواقع القائم. وعن أسباب الهجوم الذي ساقها بعض المشاركين فيه أو المدافعين عنه أو المستغلّين له فهي أسباب واهية، إن لناحية الحديث عن وجود سلاح في مركز الجماعة، وهو سلاح مرخّص من قبل الأجهزة المعنيّة في الدولة، وإن لناحية وجود عناصر حماية وهو أمر شائع لدى كلّ المؤسسات المدنية الكبرى في البلد، ومن الطبيعي جدّاً أن يقوم هؤلاء بالدفاع عن أنفسهم وعن المكان المولجين بحمايته، وبالمناسبة هم لم يبادروا إلى إطلاق النار إلا بعد تعرّضهم للرصاص وإصابة أحدهم أثناء هجوم المسلّحين المهاجمين. تبقى مسألة في غاية الأهمية والخطورة في آن، وهي معالجة هذه الحادثة أمام المؤسسات الأمنية والقضائية، فالمطلوب أن يأخذ القانون مجراه الطبيعي حتى يشعر الجميع أنّه في دولة مؤسسات وعدالة وقانون؛ هناك معتدي وهناك معتدى عليه، هناك مهاجم قدم من خارج منطقة الحادثة وربما أراد اقتحام المبنى وإحراقه وتدميره، وهناك مدافع عن نفسه. لا ينبغي ترك الأمر للمستغلّين، ولا المصطادين بالماء العكر، ولا لذوي الخلفيات وأصحاب النوايا السيئة والمشاريع المشبوهة، نعم لقيام دولة مؤسسات تحفظ الجميع في كنفها على قاعدة العدل والأمان للجميع.

مصير لبنان في ضوء الحديث عن إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية
كلمة الأمان العدد 1717 /27-5-2026

خلال نهاية الأسبوع الماضي تصاعد الحديث عن احتمال توقيع اتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بعد الوساطة الباكستانية التي تولّاها قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، والتي تمكّن خلالها من تدوير العديد من الزوايا بين الطرفين اللذين كانا يتمسّكان بموقفيهما من الشروط والشروط المضادة كما لو أنّ أيّاً منهما قد أحرز النصر الكامل ويريد أن يفرض شروط الاستسلام على الطرف الآخر. غير أنّ أمراً ما قد طرأ لدى كليهما أعاد الحديث عن الشروط والتصعيد، وأرجأ التوقيع على الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه إلى أجل غير معلوم حتى الآن، وإن كانت الأجواء توحي أنّه لا عودة كاملة إلى الوراء أو إلى أجواء الحرب. ما يعنينا في لبنان هو السؤال، ماذا عنّا وعن جبهة لبنان مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يتوسّع كلّ يوم في الأراضي الجنوبية بغض النظر عن حجم الصمود والمواجهة التي تكبّده الخسائر وتثبت له بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ كلفة التوغّل والتقدّم والاحتلال والبقاء ليست بسيطة، بل كلفة عالية ومرتفعة.السؤال : هل ستتوقف الحرب على الجبهة الجنوبية، بل اللبنانية؟ أم ترى هذه الجبهة ليست مشمولة بأيّ اتفاق لوقف النار واستعادة الهدوء؟! من جهتها قوات الاحتلال وحكومتها تشدّد على أنّ أيّ اتفاق أمريكي إيراني لا يعنيها في لبنان، وهذه الجبهة ليست مشمولة له، بل حتى جبهة إيران مع "إسرائيل" غير مشمولة به، ولـ "إسرائيل" حقّ الاحتفاظ بالردّ أو مباشرة التعامل مع أيّ خطر تشعر به أو يمكن أن يهدّد أمنها، وهذا يعني أنّها لا تريد لأميركا أن تبرم أيّ اتفاق من أيّ نوع من إيران، فضلاً عن أنّها لا تريد لإيران أن تمسك بالقرار اللبناني، أو أن تربط بينها وبين لبنان لتُبقي على لبنان ورقة تستخدمها عند كلّ منعطف بحسب العقل الإسرائيلي. في مقابل ذلك فإنّ إيران تريد أن تُبقي على نوع من الارتباط بينها وبين حزب الله في لبنان لأنهاء الحرب في كلا البلدين؛ أولاً انطلاقاً من مبدأ أخلاقي حيث وقف حزب الله إلى جانبها في هذه المعركة وفتح الجبهة من جنوب لبنان مع فلسطين المحتلة، وأنّ أيّ تخلِّ عن حزب الله في هذه المرحلة هو بمثابة نحْر له مع الأخذ بعين الاعتبار الارتباط العضوي بينهما. وثانياً لأنّ تخلّيها عن لبنان يعني فقدانها لساحة إسناد أساسية وقويّة وبالتالي فقدان أحد أوراق القوّة في مفاوضاتها مع أميركا، ولذلك تشدّد دائماً على ارتباط الساحات والملفات، وتصرّ على وقف الحرب على كلّ الجبهات، لا سيّما لبنان، ولكنّها قد تصل إلى مرحلة إذا اشتدت الضغوط عليها فقد تتنازل نسبياً عن هذا الشرط إذا كان هذا الشرط سيفسد الاتفاق النهائي مع أميركا، خاصة وأنّها لا تتحدث عن ساحات أخرى لوقف الحرب فيها أو عليها كما في الحالة الفلسطينية أو في حالة قطاع غزّة على وجه التحديد. بالنسبة للبنان الرسمي المتمثّل بالرئاسة الأولى والحكومة فإنّهما اتخذا مسار المفاوضات المباشرة مع "إسرائيل" برعاية الولايات المتحدة الأمريكية لوقف الحرب وتأمين الانسحاب الكامل للاحتلال وإعادة النازحين والإعمار. بالنسبة للموقف الرسمي يرفض مصادرة القرار اللبناني من أيّ طرف، وهنا يجري الحديث عن إيران تحديداً حتى لا يظلّ أو يتحوّل لبنان إلى ساحة وإلى بيدق في المفاوضات. بينما يعلّق حزب الله الأمل على الموقف الإيراني في المفاوضات من أجل وقف الحرب وإنهاء القتال والتحوّل إلى مسار آخر. وهنا تكمن المشكلة في التباين اللبناني بين الدولة من جهة، وبين حزب الله من جهة ثانية لناحية مقاربة ملف الخروج من هذه الدوّامة أو هذا العنف المفرط من قبل "إسرائيل"، ومن وقف إطلاق النار أو إنهاء الحرب. مما لا شكّ فيه أنّ هذا التباين إذا تحوّل إلى شجار وخلاف داخلي لن يخدم لا لبنان الرسمي ولا حزب الله فيه، بل سينعكس سلباً على الفريقين؛ أمّا إذا جاء التباين في سياق توزيع الأدوار، ولو بطريقة غير رسمية أو متفق عليها، فإنّه عند ذلك سيكون في مصلحة لبنان بكل أطيافه وقواه، لأنّ لبنان الدبلوماسي الذي يفاوض في واشنطن بحاجة إلى أوراق قوّة محلية وغير محلية لاستخدامها خلال عملية التفاوض مع التشديد والتأكيد على استقلالية وسيادة القرار اللبناني؛ ولبنان المقاوم يحتاج إلى الجهد الدبلوماسي لأنّ أغلب وأكثر المعارك والحروب تنتهي على طاولة المفاوضات، وحتى لا ينصبّ الجهد الوطني في صالح غير الجهات الوطنية، فإنّ لبنان المقاوم يحتاج أيضاً إلى الجهد الدبلوماسي والقرار السيادي المستقل، فإذا ما تعامل لبنان الرسمي ولبنان المقاوم مع مرحلة التفاوض الكبرى بين أميركا وإيران لإنهاء الحرب والخروج منها من أجل إنهاء الحرب في لبنان فإنّ لبنان سيدفع الثمن ولن يكون مشمولاً بأيّ اتفاق خارجي، وإذا ما تمّ التفاهم على مواجهة هذه المرحلة بتفّهم ونظرة واقعية للمستقبل ولمصلحة البلد، فإنّ فرص إنهاء الحرب في لبنان ستكون أفضل ولصالح الوطن.

العفو العام الاستنسابي!
كلمة الأمان العدد 1716 /20-5-2026

آخر ما تمخّضت عنه جلسات اللجان النيّابية المشتركة بخصوص مشروع قانون العفو العام هو إدخال بعض التعديلات على هذا المشروع ومن ثمّ إقراره في اللجان وإحالته إلى رئاسة المجلس النيابي التي حدّدت موعداً لمناقشة هذا المشروع والتصويت عليه يوم الخميس الواقع في 21 أيّار/مايو . الصيغة التي أقرّتها اللجان النيابية المشتركة في ضوء التعديلات التي أدخلتها على مشروع القانون فرّغته من مضمونه أو بتوصيف أكثر دقّة، حرفته عن هدفه الرئيسي. ففكرة المشروع انطلقت أساساً لإيجاد حلّ ومخرج لمحاكمة وإقفال ملف الموقوفين الإسلاميين الذين قبعوا في السجون لعشرات السنوات من دون محاكمة بحجج وذرائع واهية أفقدت القضاء اللبناني ميزته التي كان يتغنّى بها، لأنّ العديد من هؤلاء الموقوفين خرج من السجن بعد توقيف دام لسنوات عديدة بحكم البراءة. انطلقت الفكرة لإيجاد حلّ لإنهاء هذه المظلمة، مع أنّ منطق الأمور والقانون، وعدالة القضاء كانت وما زالت تقتضي محاكمة هؤلاء وإصدار أحكام بحقّ من تثبت أيّة تهمة بحقّه تتناسب وهذه التهمة، وإطلاق سراح من لا تثبت أيّة تهمة بحقّه حتى لا يبقى رهن الاحتجاز والتوقيف التعسفي الذي لا تمارسه إلا سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سجونها بحقّ المعتقلين الفلسطينيين. ولكن للأسف الصيغة التي رست عليها مناقشات اللجان النيابية المشتركة وأحالتها إلى رئاسة المجلس ومن ثمّ إلى الهيئة العامة، هي صيغة حرفت المشروع عن أساس الفكرة التي وُجد لأجلها، وذهبت النقاشات إلى مكان آخر حيث بات أكثر الذين يمكن أن يستفيدوا من هذا القانون، فيما لو أُقرّ، هم من القتلة والمجرمين وقطّاع الطرق وتجّار ومروجي المخدرات واللصوص، وهؤلاء لم يخضعوا في السجون لتأهيل يمكن أن يعيدهم إلى المجتمع ليعيشوا بحالة طبيعية بين الناس ومعهم، بل ظلّ العديد منهم يمارس تجارة الترويج حتى من داخل السجن، وهو الآن يستعد لتوسيع تجارته فيما لو أُقرّ القانون وخرج من السجن بموجب العفو العام. إنّ هذا يُعدّ بمثابة جريمة موصوفة بحقّ المجتمع أخطر بكثير من كلّ الإدعاءات التي ترمي تهم "الإرهاب" يميناً وشمالاً. التعديلات التي أُدخلت على قانون العفو العام بعد إقراره في اللجان النيابية المشتركة أخرجته من صفة العمومية، فلم يعد "عفواً عاماً" وحوّلته إلى استنسابي إذا ما تمّ إقراره في الهيئة العامة للمجلس بالصيغة التي وردت من اللجان، سيكون قانوناً يستفيد منه القتلة واللصوص وتجّار المخدّرات بشكل أساسي، وسيحرم المظلومين من حقّ المحاكمة أولاً، ومن شمولهم بالعفو العام، وهذه جريمة أخرى تضاف إلى سلسلة الجرائم التي ارتكتب بحقّ الكثير من الأبرياء؛ فضلاً عن ذلك سيشمل هذا العفو أيضاً كلّ المتسببين بالظلم الذي لحق بالكثير من الأبرياء الذين قبعوا في السجون لسنوات طويلة ثمّ خرجوا بعد ذلك بأحكام براءة.! من ينصف هؤلاء؟ ومن يأتيهم بحقّهم؟ ومن يعوّض عليهم معنوياً ومادياً هذه السنوات التي ذهبت من أعمارهم؟! الآمال معلّقة الآن على جلسة الهيئة العامة للمجلس النيابي لإقرار قانون للعفو العام الشامل الذي لا يستثني أحداً، أو عدم إقرار أيّ قانون لأي عفو عام، والذهاب نحو تسريع المحاكمات وإطلاق سراح الموقوفين بغير وجه قانوني وحقّ، والنظر بعد ذلك في اقتراحات تكون من باب تخفيف الأحكام بحقّ المحكومين. أمّا أن يتمّ إقرار قانون يستفيد منه القتلة واللصوص وتجّار المخدّرات، ويُحرم منه الموقوفون من دون محاكمات تحت أيّ عنوان وذريعة وحجّة، فهذا قمّة الاستنسابية والظلم والاستهانة بالقانون وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية فضلاً عن الشراكة الوطنية. إنّ نوّاب الأمة أمام امتحان حقيقي في جلسة يوم الخميس، فإمّا أن يُحكّموا ضمائرهم وينصفوا أولئك الموقوفين منذ عشرات السنين على ذمّة التحقيق، وإمّا أنّهم يسجّلوا على أنفسهم عجزهم عن رفع مظلمة طالت مواطنين أثبت القضاء براءة الكثير منهم بعد أن قبع في السجون لسنوات طويلة. كما وأنّه ومن باب تكافؤ المواطنين أمام القانون فلا يكون هناك تمييز بين مواطن ومواطن، ومن باب انتماء الموقوفين دون محاكمة لمكوّن مؤسّس للكيان اللبناني، ومن باب اللجوء إلى الميثاقية التي يلجأ إليها الكثير من الشركاء عند محطات ومفاصل يمرّ بها البلد، فإنّ النوّاب الذين يمثّلون هذا المكوّن المؤسّس مدعوون في جلسة الهيئة العامة يوم الخميس إلى ممارسة هذه الميثاقية عند التصويت على قانون العفو العام من باب تصحيح الخطأ وإعادة البوصلة إلى مكانها الطبيعي، فلا تكون هناك محاصصة ولا يكون القانون استنسابياً يمنح البعض ممن لا يستحق العفو العام، ويحرم الموقوفين الذين يستحقون محاكمات عادلة أو عفوا عاماً من هذا الحقّ. وأمّا بالنسبة لذوي الموقوفين ولكلّ حريص من المواطنين على سيادة مبدأ القانون والقضاء العادل وقيام دولة المؤسسات، فمن واجبهم الانتباه إلى أنّ هذه "المصيدة" أو "الفخ" ربما يراد منه أخذهم وأخذ البلد إلى مكان آخر تشتعل فيه الفتنة أو على أقلّ تقدير يُصدّر فيه مشهد يعيد ترويج وتسويق شعار "الإرهاب" ومكافحته، وتوجيه ذلك نحو بيئات وساحات معيّنة طالما جرى "شيطنتها" واتهامها زوراً بما ليس فيها. وعليه فإنّ المطلب الأساسي والذي يجب الضغط لتحقيقه إذا لم يشمل العفو العام جميع الموقوفين، هو تسريع محاكماتهم بشكل عادل، وتعويض من تثبت براءته، وهم الأكثرية الساحقة، تعويضاً مادياً ومعنوياً، ومحاكمة كل من ساهم في مظلوميتهم من خلال فبركة الملفات بحقّهم أو التستر على الحقيقة والبراء.

العدالة للموقوفين!
كلمة الأمان العدد 1715 /13-5-2026

شهدت الأسابيع الأخيرة حراكاً واسعاً ومكثّفاً، خاصة على المستوى النيابي، من أجل إقرار قانون للعفو العام في المجلس النيابي، وذلك بهدف إنهاء مهزلة إيقاف مئات الموقوفين على ذمّة التحقيق من سنوات عديدة ومن دون محاكمات؛ غير أنّ منطق الطائفية من جهة، ومنطق المحاصصة من جهة ثانية، ومنطق الحقد الدفين من جهة ثالثة، ولا أدري إن كان في كلّ هذه وفي غيرها منطق أساساً، أفشل إلى الآن إقرار هذا القانون، ورفْع هذا الظلم والغبن عن الموقوفين، وربما أعاد الأمور إلى المربع الأول، أو ربما أعاد هذا الملف إلى أدراج القضاء والسياسة العرجاء البعيدة كلّ البعد عن إنصاف المواطنين والاعتراف بحقوقهم والمساواة بينهم. فبعد تفعيل مطلب إقرار قانون للعفو العام لإطلاق مئات الموقوفين، وخاصة "الإسلاميين" من السجون بعد مرور سنوات عديدة عليهم دون محاكمة، أو بعد صدور أحكام بالبراءة للكثيرين منهم ولكن بعد مرور هذه السنوات والمأساة، دخلت السياسة والمحاصصة والكيد والحقد على هذا الملف، وتجازوت مطالب البعض والهدف الأساسي من المشروع المقترح وهو إنصاف المظلومين والمغبونين، لتطال المطالب إطلاق المحكومين بترويج المخدرات، والجواسيس، ومرتكبي الجرائم، ولتتشدّد في عدم إطلاق الأشخاص الذين تمّت فبركة ملفات "إرهاب" لهم، أو لحيازتهم على هواتفهم صوراً أو فيديوات لمجموعات مسلحة، أو ربما بعضهم لمساهمتهم في نصرة الشعبين السوري أو الفلسطيني؛ بمعنى آخر راحت مطالب البعض تعمل لتفريغ المشروع الأساسي الذي كان يهدف إلى إقفال هذا الملف الذي يعلم الجميع حجم الظلم الذي وقع فيه على بعض الشبّان الذين فُبركت لهم ملفات تحت عنوان "الإرهاب" ولكن الحقيقة أنّهم أُوقفوا على مواقفهم السياسية أو على رفضهم الكيل بمكيالين في البلد، وقبعوا بعد ذلك في السجون دون محاكمات طيلة سنوات بعضهم تجاوز العشر سنوات وبعضهم أكثر من ذلك، والأشد نكاية أنّ بعضهم أُطلق بعد ذلك بحكم براءة كما حصل مؤخراً مع الشيخ خالد حبلص الذي برّأته المحكمة من تهم مواجهة الجيش اللبناني أو إطلاق النار عليه أو قتل عناصره، وقد قبع في السجن قرابة 14 عاماً. والحقيقة أنّ رفع مطلب العفو العام كان بهدف تيسير إقفال هذا الملف وإنهاء مأساة عشرات بل مئات الموقوفين من دون محاكمة، خاصة وأنّ الظروف التي أوقفوا فيها قد تبدّلت وتغيّرت خاصة بعد إسقاط النظام السوري السابق، والتهم التي أوقفوا عليها، يعلم الجميع أنّ أغلبها ملّفق ومفبرك أو أنّ التوقيف كان على النوايا أو على صورة في هاتف أو كلمة أو شتيمة في معرض نقاش، أو اعتراضاً على عدم المساواة بالحقوق والواجبات بين المواطنين، وفي أصعب الحالات كان على تقديم دعم مادي نصرة للشعب السوري أبّان ثورته، في مقابل انخراط غيرهم من اللبنانيين بشكل علني ومباشر وصريح دعماً للنظام السوري البائد مع ما جرّه ذلك من ويلات على لبنان واللبنانيين، من دون أن يمسّ هؤلاء أي سوء أو توقيف أو اتهام كما لو أنّ هناك صيف وشتاء تحت سقف واحد في هذا البلد وهو كذلك. أمّا وقد حاول البعض إجهاض مسعى إقرار قانون العفو العام عن الموقوفين "الإسلاميين" وعن غيرهم ممن وقع عليه ظلم أو غبن أو تمّ إهمال محاكمته طيلة سنوات بذرائع واهية ولكن لأسباب سياسية كما بات معلوماً للجميع، فإنّ المطلوب الآن محاكمة هؤلاء محاكمة عادلة وفتح جميع الملفات المتصلة بهم وبالتهم الموجّهة إليهم، وعدم الإبطاء ولو للحظة واحدة وتحت أيّ اعتبار أو ذريعة في البدء بمحاكمتهم وإطلاق سراح من تثبت براءته، ومحاكمة من تثبت إدانته وفق القانون المعمول به، ومن ثمّ تعويض كلّ موقوف عن السنوات التي قضاها في السجن من دون وجه حقّ تعويضاً معنوياً ومادياً، ومحاكمة من تسبّب بهذا المظلمة الكبيرة التي لا يعوّضها شيء، وبالتالي فتح باب محاكمة كلّ مسؤول في أّيّ موقع كان، على تسبّبه بهذا الظلم الذي ألحقه بغيره طيلة عشرات السنوات، عن قصد وفبركة أو عن غير قصد. آن للبنان أن يخرج من منطق المحاصصة والزبائنية إلى كنف دولة القانون والمؤسسات، وآن الأوان للشروع في مرحلة العدالة الانتقالية التي تُشعر المواطنين بحرّيتهم وكرامتهم وأنّ لهم حقوقاً وعليم واجبات في هذا البلد، لا الدخول مجدّداً في منطق التسويات التي تُعفي الكثيرين من مسؤوليتهم التي ألحقوا من خلالها مظلمة كبيرة بغيرهم من المواطنين. العفو العام في حقيقته وجوهره ليس إطلاقاً للموقوفين من دون محاكمة بقدر ما هو أعفاء للمسؤولين عن هذه المظلمة الكبيرة عن مسؤوليتهم في الزجّ بهذه الأعداد الكبيرة في السجون طيلة هذه السنوات ومن دون محاكمات، ولذلك المطلب بعد الآن يجب أن يكون عدالة انتقالية لا عفواً عاماً.

التفاوض كخيار مواجهة!
الأمان اللبناني العدد 1714 /6-5-2026

الحرب التي دخلها لبنان مع بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في مطلع آذار الماضي "خلقت" واقعاً جديداً في لبنان حاول فيه حزب الله كـ "حركة مقاومة" أن يعيد رسم سقف المواجهة الذي كرّسته "إسرائيل" كنتيجة لحرب الإسناد حيث ظلّت تمارس سياسة الاغتيال والاعتداء بعد توقيع وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني/نوفمير 2024، وظلّت تخرق الاتفاق يومياً بحيث بات الحزب ومعه لبنان أسير تفسير ذاك الاتفاق

تمويل الرواتب من جيوب المواطنين!
كلمة الأمان العدد 1703 /18-2-2026

تحدّ جديد واجهته الحكومة أضيف إلى تحدّيات كثيرة ولكن هذه المرّة مع المواطنين، وفي الشارع. فقد لجأت الحكومة لحلّ مشكلتها مع الموظفين المتقاعدين من العسكريين بشكل أساسي الذين ضغطوا وطالبوا خلال جلسة مناقشة قانون الموازنة العامة في المجلس النيابي الشهر الماضي بزيادة على رواتبهم، وقد وعدتهم الحكومة بذلك، لجأت لتمويل هذه الزيادة التي ستدفعها إلى الموظفين في القطاع العام، لفرض ضريبة جديدة على صفيحة البنزين فزادت عليها ثلاثمئة ألف ليرة، كما زادت 1% على الضريبة على القيمة المضافة (TVA) لتصبح 12% وهو سنعكس بكلّ تأكيد على أسعار كلّ شيئ في البلد، وبالتالي فإنّ ما ظنّته الحكومة حلّاً لمشكلة رواتب المتقاعدين والموظفين سيكون كرة ثلج من المشاكل ستكبر كلّما تدحرجت وهذا باعتقاد وإقرار خبراء الاقتصاد والعارفين بهذا المجال. الزيادة الجديدة على سعر صفيحة البنزين سيزيد أسعار النقل ومعه ستزيد كل أسعار السلع، خاصة وأنّ الآليات المستخدمة في لبنان لنقل البضائع وانتقال الأفراد تعمل بشكل أساسي على البنزين، وهذا سيعني ارتفاع أسعار السلع، ومن سيدفع هذه الزيادة سيكون المواطن الذي لا يجد وظيفة عمل كريمة ولائقة بحياة كريمة، ولا يتقاضى راتباً يكفيه حتى منتصف كل شهر، ولا يجد وسيلة وطريقة لتعليم أطفاله في المدارس الخاصة في ظلّ الإضراب شبه الدائم في المدارس الحكومية، أو نظراً لازدحامها بالتلاميذ. ولا يجد المواطن قدرة على الطبابة والاستشفاء في ظلّ الغلاء الفاحش في المستشفيات وغياب أيّ رقابة حقيقية وجدّية على عمل هذا القطاع، وفوق كل ذلك تأتي الحكومة لتموّل الزيادة على رواتب الموظفين في القطاع العام من جيوب المواطنين المرهقين أصلاً بالديون والغارقين بالهموم والعاملين طيلة الوقت لتأمين الحدّ الأدنى من العيش الكريم. لم تكن الحكومة موفّقة في هذه القرارات غير الشعبية وغير الحكيمة، بل ستجد نفسها بعد فترة أمام أزمة أكبر حيث ستجد أنّ عموم الشعب اللبناني سيندفع إلى الشارع للتعبير عن حجم الأزمة والمأزق الذي يعيشه، وليس فقط العسكريين المتقاعدين الذين تُعتبر أزمتهم ومشكلتهم أقلّ بكثير من أزمة ومشكلة المواطنين الذين يبحثون عن أيّة فرصة عمل، وبقبول أحياناً بأقلّ البدلات المالية على الأعمال التي ينجزونها لأنّهم يعتبرون ذلك أفضل من الجلوس والانتظار؛ هؤلاء – بحسب قرار الحكومة – سيموّلون الزيادة على رواتب المتقاعدين وبقية الموظفين في القطاع العام، وكأنّ الدولة تتعامل مع قطاع الموظفين كما لو أنّها ربّ العمل لهم، ولكنها غير مسؤولة عن بقية المواطنين، وغير معنية بتأمين الحلول لمشاكلهم وأزماتهم، كما لو أنّها مسؤولة عن جزء من اللبنانيين، وغير مسؤولة عن جزء آخر، بل أكثر من ذلك تستهدفهم باستهداف جيوبهم لأخذ جزء من أموالهم للقطاع الذي تظنّ أنّها مسؤولة عنه، وتريد بعد ذلك أن تكون ثقة المواطنين بالدولة تامة وكاملة، بل تريد منهم أن لا يشرّقوا ويغرّبوا في علاقاتهم وفي ولاءاتهم لدول ومؤسسات أخرى خارج إطار الحدود والسيادة!! الدولة والحكومة المسؤولة عن السلطة فيها، مسؤولة عن كلّ اللبنانيين دون استثناء، من يعمل في مؤسسات الدولة ومن يعمل خارجها، لأنّ الجميع يدفع الضرائب لها، وإلاّ فإنّ ثقة المواطنين بالدولة تهتزّ، وإذا ما اهتزت شرّعت الأبواب والنوافذ للخراب والفوضى. الحكومة صاحبة قرار تمويل الزيادة على رواتب الموظفين من جيوب المواطنين مطالبة بإعادة النظر بهذا القرار والعمل لتأمين الزيادة للقطاعين العام والخاص بعيداً عن الإضرار بجزء منهم لحساب جزء آخر، والتصحيح ليس عيباً، والتراجع عن الخطأ ليس جريمة، تداركاً لما يمكن أن يحدث في البلد ويجعله يرتكس أكثر في الأزمات، وقبل فوات الأوان.

السيادة وحماية أمن الواطنين!
كلمة الأمان العدد 1702 /11-2-2026

لم تمض سوى ساعات قليلة على زيارة رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى الجنوب وإلى منطقة العرقوب تحديداً، وحديثه عن عودة الدولة إلى المنطقة الجنوبية وإلى جنوب الليطاني تحديداً وسيادتها على هذه المنطقة حتى خرقت قوات الاحتلال الإسرائيلي هذه السيادة، وضربت بعرض الحائط كل الاتفاق التي عُقدت لوقف الأعمال العدائية، وتجاوزت مهام قوات حفظ السلام اليونيفيل، وأقدمت على خطف المواطن اللبناني عطوي عطوي وهو في العقد السابع من العمر من منزله في بلدة الهبارية تحت جناح الظلام بعد ترويع أهل بيته والاعتداء عليهم بالضرب، دون أن تقيم القوات المتسلّلة أيّ اعتبار لانتشار قوات الطوارئ الدولية في المنطقة، ولا للاتفاقات التي تمّ توقيعها لوقف الأعمال العدائية، وحصل كلّ ذلك تحت حجج وذرائع أنّ السيّد عطوي يشكّل خطراً على أمن المستوطنين، علماً أنّ مكان إقامته يبعد عن أقرب مستوطنة عشرات الكيلومترات، وعلماً أيضاً أنّ الجماعة الإسلامية التي ينتمي إليها السيّد عطوي ويشغل مسؤول منطقة حاصبيا ومرجعيون فيها أكّدت في كلّ بياناتها بعد توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 على التزام ما التزمت به الدولة اللبنانية، والوقوف خلفها فيما تذهب إليه، كما نفت أيضاً أي وجود عسكري لها في منطقة جنوب الليطاني أو غيره، وحتى خارج الحدود اللبنانية خاصة بعد مزاعم إسرائيلية عن تواجد للجماعة في منطقة "بيت جن" السورية. من الواضح أنّ الجريمة والقرصنة الإسرائيلية لا تستهدف السيّد عطوي الجماعة التي ينتمي إليها لتبرير الاعتداء على لبنان فحسب، بل يستهدف لبنان دولة وشعباً وحكومة ووجوداً، إذ ما معنى أن تنفّذ قوات الاحتلال هذا الاعتداء والقرصنة بعد ساعات على زيارة رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى هذه المنطقة؟! ما معنى أن تتسلّل مجموعة من جنود الاحتلال ليلاً وتقدم على خطف مواطن آمن من منزله؟! إنّ هذا الاعتداء يبرهن أنّ قوات الاحتلال لا تقيم وزناً لا لتفاهمات ولا لاتفاقات ولا لتعهدات، إنّما تمضي قدماً في تحقيق مصالحها وسياساتها دون أن تقيم أيّ اعتبار لأيّ شيئ! والسؤال البديهي الذي يطرح نفسه في هذا الجو، ماذا عن السيادة والحديث عن السيادة في لبنان؟ ماذا عن ضمان أمن المواطنين في جنوب الليطاني أو في شماله أو في أيّ مكان؟! ماذا لو تكرّرت عمليات الخطف وتحوّلت إلى سياسة ونهج وهو المتوقع من "إسرائيل" إذا لم تلقَ ردّاً مناسباً ؟! هل يكفي الحديث عن السيادة وعن حضور الدولة والتغنّي والتغزّل بذلك؟ عل يمنع قوات الاحتلال من القيام بعمليات خطف أخرى؟ هل يطمئن المواطنين الجنوبيين في منازلهم وهم الذين لطالما نادوا بالانتماء إلى الدولة والوقوف معها وخلفها والوثوق بها؟ أم ترى تكرار مشاهد الخطف سيفرغ المنطقة من أبنائها وأهلها أو سيحوّلهم إلى اعتماد وسائل وبدائل لحماية أنفسهم من أن يصبحوا عرضة للتهديد اليومي والخطف الدائم؟! هذا فضلاً عن أسئلة أخرى كثيرة عن الثقة بالدولة ومؤسساتها وباليونيفيل ودورها بعد عملية القرصنة والخطف التي حصلت؟!! الدولة اللبنانية والحكومة أمام امتحان عسير، وليست الجماعة الإسلامية ولا أيّ مكوّن سياسي جنوبي أو وطني آخر أمام هذا الامتحان. الجماعة الإسلامية التي ينتمي إليه المخطوف عطوي عطوي أكّدت مراراً إيمانها بالدولة والوقوف خلفها والالتزام بما تلتزم به تجاه الاتفاقات التي عقدتها لوقف الحرب المجنونة والهمجية على لبنان، ترى ما هو المطلوب بعد ذلك؟ هل المطلوب أن يغادر أبناؤها من أبناء القرى الحدودية منازلهم وقراهم ويرحلوا عنها في تهجير يستهدف كل أبناء تلك القرى؟! هل من ضمانة أن لا تقوم قوات الاحتلال بممارسة سياسة القرصنة والخطف بحق أيّ مواطن آخر تحت أيّ ذريعة ومزاعم أخرى؟! الدولة اللبنانية والحكومة اللبنانية أمام امتحان عسير لوضع حدّ هذا الاعتداء السافر على السيادة والأرض والكرامة، بل لتأمين حماية اللبنانيين في هذه المناطق الحدودية، وهذا مسؤوليتها وواجبها، ومن الواجب والمفترض أن تطرح كلّ الوسائل والبدائل لتأمين هذه الحماية والدفاع عن تلك السيادة وعدم الاكتفاء فقط بالحديث عن ذلك كما لو أنّه نشيد أو أغنية ننشده أو نغنّيها عند اللزوم؛ عدم الاكتفاء بالمراهنة على الرعاة الدوليين أو على الأمم المتحدة وقد مرّ جنود الاحتلال المتسلّلون لخطف السيد عطوي من أمام مركزهم ولم يمنعوهم أو نقل لم يلحظوا حركتهم وتسلّلهم! اليوم الاعتداء على السيادة وعملية الخطف كانت في بلدة الهبارية التي تبعد عن أقرب مركز لقوات الاحتلال في مزارع شبعا المحتلة قرابة 7 كيلومترات؛ غداً قد تكون عملية الخطف التالية في عمق الأراضي اللبنانية، وبعد غد قد يصبح كلّ اللبنانيين أسرى لدى الاحتلال في معتقل دولة اسمه لبنان، فهل هذا هو المقبول أن المطلوب؟! آن الأوان لتحرك جدّي حقيقي يعيد السيد عطوي وكل الأسرى إلى وطنهم وأهلهم، ويحمي الوطن من الأطماع التي تتربّص به شرّاً.

عن التهديدات الأمريكية لإيران وتداعيات تنفيذها!
كلمة الأمان العدد 1700 /28-1-2026

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة لغة التهديدات الأمريكية لإيران حتى بلغت مبلغاً ظنّ الناس فيه أنّ الحرب أو الهجوم على إيران من قبل أميركا قد يقع في أيّة لحظة، خاصة وأنّ الحشود العسكرية الأمريكية في محيط إيران ومن مختلف أصناف وأنواع الأسلحة الحديثة والكبيرة والمدمّرة أُعلن عن جهوزيتها بشكل كامل وانتظارها لساعة الصفر أو لحظة القرار. والحقيقة أنّ كلّ الأجواء تشي أنّ أميركا في طريقها لتوجيه ضربة عسكرية لإيران إلّا إذا برز بشكل مفاجئ أيّ معطىَ جديد يبدّل المعادلات أو يخلط الأوراق أو يحوّل البوصلة باتجاه آخر، وفي هذا السياق يمكن الحديث عن مدى دخول الصين أو روسيا على خط دعم إيران وتوفير أسلحة غير عادية أو معروفة تمكّنها من استيعاب الضربة الأمريكية وامتصاصها وتحويل زمام المبادرة إلى يدها عبر جرّ أميركا إلى حرب استنزاف تفقدها هيبتها ونفوذها الذي برز خاصة بعد اقتيادها لرئيس فنزويلا من مكان إقامته في كاراكاس إلى واشنطن أو إلى نيويورك. غير أنّ هناك حسابات أخرى يمكن أن تدفع صاحب القرار الأمريكي إلى إعادة النظر أو التفكير في اتخاذ قرار الضربة من عدمه، وهو ما يتصل بالنتائج المؤكّدة لهذه الضربة إذا ما حصلت، والهدف المرجو منها إذا ما كان سيتحقق أم لا. وفي سياق الحديث عن الهدف من الضربة المتوقعة أو المحتملة لم يزل الغموض يكتنف هذا الهدف، وبالتالي فهو غير واضح بشكل كامل. فتارة يكون الحديث عن إسقاط النظام، وتارة عن إسقاط الرموز الأساسية التي ما تزال تناصب أميركا العداء، وتارة عن تهذيب أداء النظام ودفعه إلى الخضوع للإملاءات والتوجهات الأمريكية، وهكذا دواليك. وفي سياق الحديث عن كلّ ذلك يأتي الحديث أيضاً عن قلق أمريكي من أيّ إخفاق لا يحقّق أيّاً من هذه الأهداف، لأنّه سيكون انتكاسة كبيرة لأميركا ونقطة قوّة إيران يمكن أن تعيد لها من جديد قوّة الردع التي كانت تتمتّع بها قبل حرب حزيران 2025، وعندها سيكون مستقبل المنطقة وتأثير أيران فيه وعلى مجرياته ليس بسيطاً كما هو عليه الآن، ولكلّ ذلك تدرس أميركا خيارات الضربة واحتمالات النتائج بشكل دقيق ومتأنٍّ قبل أن تقدم على عمل غير مضمون النتائج. لقد وضعت أميركا إيران في زاوية حرجة جدّاً وللغاية؛ فالنسبة لإيران أيّ حرب أو ضربة أمريكية لها ستنظر إليها على أنّها وجودية، ويمكن أن تدفعها لاستعمال كلّ إمكانياتها وقدراتها وأسلحتها للنجاة منها حتى لو كانت الخسائر كبيرة وكارثية. كما وضعت أميركا نفسها بهذا الحشد العسكري الكبير والهائل في زاوية محرجة لها؛ فهي إمّا أن توجّه الضربة حتى لو لم تكن النتائج مضمونة مع ما في هذه الحالة من مخاطرة ومجازفة كبيرة، وإمّا أن تتراجع عنها تحت أيّ حجّة أو ذريعة وعندها ستعتبر إيران نفسها قد ربحت الجولة وسيعطها مزيداً من الفرص لممارسة المزيد من هذه السياسة التي تستعيد فيها قوّة الردع ليس لنفسها فحسب، بل لكلّ المحور الذي كانت تتزعمه، وإذا ما حصل ذلك فإنّه سكيون بمثابة إعادة عقارب الساعة أو الخلف فيما خصّ نتائج الحرب الأخيرة التي اندلعت بعد معركة "طوفان الأقصى". وبهذا المعنى فإنّ صاحب القرار في أميركا سيكون أكثر ميلاً إلى تحديد ساعة الصفر والشروع بالضرب واتخاذ خيار المجازفة والمخاطرة. كما يمكن أن تشكّل هذه الحالة المتأرجحة فرصة لكلا الطرفين اللذين بات كلّ منهما محشور بخياراته لاتخاذ خطوة بالاتجاه المعاكس وتحويل هذه المشهدية إلى مصلحة مشتركة لكليهما، وهذا وارد في لعبة المصالح السياسية وعند الذين يحترفون هذا الفن. أمّا إذا ما ذهبت الأمور إلى اندلاع حرب بين أميركا وإيران وبغض النظر عن البادئ بها منهما، فإنّ تداعيات تلك الحرب قد تصيب المنطقة كلّها، وقد تدفع شعوب وحكومات المنطقة بدءاً من إيران إلى غيرها من الدول ثمن هذه الحرب ونتائجها الكارثية، كما يمكن أن تدفع أميركا ثمناً كبيراً فيها. ولذلك رأينا كيف تحرّكت أكثر من دولة من دول المنطقة وأبرزها تركيا والسعودية وقطر للقيام بوساطة لتجنيب المنطقة وإيران هذه الكأس عبر الدبلوماسية النشطة التي تعمل بشكل فاعل على إرساء الاستقرار.

هل فشل مشروع تقسيم المنطقة؟
كلمة الأمان العدد 1699 /21-1-2026

عندما توّهم رئيس حكومة كيان الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنّه قد انتصر في حربه وعدوانه على قطاغ غزّة وعلى لبنان، أعلن أنّه سيغيّر وجه الشرق الأوسط، وسيعيد رسم خريطة هذه المنطقة بما يحفظ المصالح الإسرائيلية، ويضمن هيمنة كيان الاحتلال وسيطرته وفرْض إرادته فيها، ونقطة الارتكاز في مشروعه تستند وتقوم على مبدأ تقسيم دول المنطقة وفرطها وإعادة تركيبها من جديد بحيث تتحوّل إلى كيانات طائفية وعرقية ومذهبية تدور في فلك "إسرائيل" وتخضع لها، وتتمتّع بحمايتها، فتضمن بذلك دولة الاحتلال سيطرتها على المنطقة وتزّعمها لفترة طويلة من الزمن. غير أنّ مشروع تقسيم المنطقة الذي تريده "إسرائيل" وتعمل له وتحاول إنجاحه وتقوم سياستها وعلاقاتها الإقليمية والدولية على أساسه يبدو أنّه لم ينجح حتى الآن على الرغم من كلّ الدعم الذي توفّره "إسرائيل" وبعض الدول التي تدعمه في المنطقة؛ بل بات يواجه تحدّياً حقيقياً وصعوبات كثيرة، وبالتالي يأتي السؤال الأساسي الذي يبحث عن إجابة: هل فشل مشروع تقسيم المنطقة؟ مشروع تقسيم المنطقة تلقّى ضربات مؤلمة وقاسية سواء في الأيام الأخيرة في سوريا، حيث تمكّنت الحكومة السورية من قلب المعادلة في شمال شرق سوريا لصالحها عندما تمكّنت من طرد قوات سورية الديمقراطية من هذه المنطقة، علماً أنّ هذه المنطقة تحت سيطرة تلك القوات كانت تشكّل بالنسبة لـ "إسرائيل" صاحبة مشروع التقسيم، نقطة ارتكاز هذا المشروع، ويمكن القول إنّ فقدان قوات سورية الديمقراطية السيطرة على هذه المنطقة، وإخضاعها بشكل كامل لسيطرة الحكومة في دمشق، هو بمثابة إسقاط مشروع التقسيم. إلى ذلك يمكن القول إنّ الدور سيأتي لاحقاً، وفي وقت قريب، على تمرّد بعض الملتحقين بـ "إسرائيل" في محافظة السويداء، والمراهنين عليها، الذين نادوا بالانفصال وتمردوا بشكل واضح على الدولة في خطوات واضحة هدفت إلى إنجاح مشروع التقسيم خدمة لـ "إسرائيل" وتحت عناوين واهية لا قيمة لها. سيأتي الدور على أولئك بهدف قطع الطريق على أي أمل بنجاح مشروع الانفصال والتقسيم. وفي السياق يمكن القول أيضاً إنّ أي طموح لفصل الساحل السوري وجعله نقطة ارتكاز لتقسيم سورية بات أيضاً من الماضي، خاصة وأنّ هذه المنطقة التي لجأ إليها فلول النظام السابق, ويتخذون منها نقطة لإثارة الفوضى ومحاولة التقسيم في كل سورية، كانوا ينتظرون تلقّي الدعم من منطقة شمال شرق سوريا ومن قوات سورية الديمقراطية. بهذا المعنى يمكن القول إنّ مشروع التقسيم سقط في سوريا، ولكن ذلك لا يعني أنّ المحاولات ستتوقف لأنّ الداعمين لهذا المشروع لن يستسلموا بسهولة. إلى اليمن حيث تمكّنت المملكة العربية السعودية أيضاً قبل أسابيع قليلة من إسقاط مشروع التقسيم الذي قاده المجلس الانتقالي الجنوبي، ودعمته دولة الإمارات ومن خلفها كيان الاحتلال الإسرائيلي، وقد انكشف هذا الأمر مع تقدّم قوات الحكومة الشرعية المدعومة من السعودية، واتضح أنّ هدف سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، في حينه، على محافظتي حضرموت والمهرة تقسيم اليمن وانفصال الجنوب خدمة لمشرع "إسرائيل" تقسيم المنطقة، وبغض النظر إذا ما كان المجلس الانتقالي كان يعلم ذلك أو لا يعلمه. لقد سقط مشروع التقسيم في اليمن أيضاً ولكن ذلك لا يعني أنّ الدول والقوى التي تسعى له ستتوقف أو ستوقف عملها لتخريب المنطقة والإضعافها. وفي السودان أيضاً تشي المعطيات الواردة من الميدان أنّ الجيش السوداني الذي يحظى بالدعم السعودي والمصري والتركي يتجه لحسم المعركة مع قوات الدعم السريع التي تسعى لفصل بعض أقاليم السودان والاستقلال بها وبالتالي تقسيم السودان من جديد، وإذا ما نجح الجيش السوداني، وهذا مرجّح، فإنّ مشروع التقسيم سيسقط في السودان أيضاً، ولكن وكما في سوريا واليمن فإنّ أصحاب مشروع التقسيم والمنخرطين فيه لن يتوقفوا ولن يستسلموا إلّا حين يتم توجيه ضربة قاسمة لهم. ستستمر المواجهة ولكن شعوب المنطقة توّاقون للوحدة، وحكوماتها الحالية أمام تحدّي التحالف من أجل بقائها والنهوض بالأمة من جديد.

معايير جديدة لنظام دولي في طور التشكّل!!
كلمة الأمان العدد 1698 /14-1-2026

ما يجري في العالم اليوم هو صراع ومحاولة واضحة لإعادة تشكيل النظام الدولي الذي يحكم العلاقات بين الدول، ومعه تتغيّر الكثير من المسلّمات، ويتمّ القفز فوق العديد من الأعراف والتقاليد، والإطاحة القوانين الدولية التي كانت إلى الأمس ما تزال حاكمة ولها اعتبارها ودورها في تسيير شؤون العالم وإن كانت مجحفة بحقّ الشعوب والبلدان المستضعفة والفقيرة والمغلوب على أمرها لصالح الدول الكبرى التي كانت تتحكّم بمقاليد الأمور وتفرض إرادتها وتحقّق مصالحها على حساب بقية الدول والشعوب وحتى الحكومات. خلال عقود من القرن العشرين عاش العالم نوعاً من التوازن والثنائية القطبية حيث كانت تتربّع على عرش النظام العالمي الدولي قوّتان رئيسيتان تحلّقت حول كلّ منهما دول أخرى. الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلف الناتو، والاتحاد السوفياتي السابق ومعه حلف وارسو. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واختفاء حلف وارسو تربّعت الولايات المتحدة الأمريكية على عرض النظام العالمي الدولي الذي تحوّل إلى نظام آحادي القطبية. اليوم يجري صراع تتضح معالمه يوماً بعد يوم، روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي ومعها الصين ودول أخرى تعمل على تحويل النظام الدولي إلى نظام متعدّد الاقطاب بدل أن يكون قائماً على القطب الواحد، في مقابل إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على تمسّكها بزعامة العالم والتربّع على رأس هذا النظام العالمي، وما بين هذه التوجّهات والسياسات والخطط لكلّ طرف تندلع الحروب في كل اتجاه وناحية، ويجري تجاوز القوانين الدولية والمنظمات العالمية التي نشأت أو أبصرت النور بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية منتصف القرن العشرين، والتركيز على تأمين المصالح وتحقيق السياسات والخطط والبرامج لكلّ طرف حتى لو كان الأمر يجري خارج القوانين والتقاليد والأعراف وحتى القيم التي ترفعها وتعلي تلك الدول من شأنها، كما في الحديث عن قيم الديمقراطية والحريّة بينما يجري الإطاحة بخيارات الشعوب دون إقامة أيّ اعتبار للقيم الديمقراطية ولا للحرية وحقوق الإنسان. خلال السنوات والشهور الأخيرة أقدمت العديد من الدول ومن بينها بشكل رئيسي تلك التي تتصارع على زعامة العالم على أقل تقدير لحجز مكانة في قمة النظام الدولي، أقدمت على ضرب القيم والقوانين والمنظمات الأممية والدولية بعرض الحائط. فقد شنّت روسيا قبل سنوات حرباً على أوكرانيا بهدف إخضاعها وجعلها حديقة خلفية لها، واحتلت عدداً من أقاليمها وضمّتها إليها دون أن يكون في ذلك ايذة شرعية أو أن يكون لهذا الفعل أيّ غطاء قانوني أو قيمي. وفي مقابل ذلك تابعنا قبل أسابيع كيف قامت الولايات المتحدة الأمريكية باعتقال الرئيس الفنزويلي من مكان إقامته واقتادته إلى نيويورك وتقوم الآن بمحاكمته تحت حجّة وذريعة رعاية تجارة المخدّرات، غير أنّ هذا الفعل لم يكن بغطاء من المؤسسات الدولية، بل كان خارج إطار القوانين الدولية المعمول بها، وبالتالي فإنّ الهدف من ذلك السيطرة على تلك الدولة وإخضاعها والتصرّف بمقدراتها من ضمن ضمان السيطرة والهيمنة العالمية، وفي هذا لاسياق يأتي أيضاً الحديث عن "غزو غرينلاند" وهو ما أثار خلافاً ونزاعاً بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بدأت ملامحه تظهر وتبرز شيئاً فشيئاً. وفي سياق الحديث عن تجاوز القوانين الدولية والمنظمات والتقاليد العالمية على الرغم من الملاحظات الكثيرة التي يمكن أن يسوقها المرء عليها، قامت الولايات المتحدة خلال العامين السابقين بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية التي ادّعت على رئيس وزراء "إسرائيل" بارتكات جرائم حرب في عدوانه على غزّة، كما فرضت عقوبات على بعض المنظمات الدولية فقط لأنّها خالفت سياسات واشنطن، وآخر ما قامت به خلال الأيام والأسابيع الأخيرة تصنيف بعض الجماعات الإسلامية على قائمة الإرهاب من دون أيّ مسوّغ قانوني، خاصة وأنّ هذه الجماعات لم يُسجّل أنّها ارتكبت أيّ أعمال عنف ضد الولايات المتحدة أو حتى ضد أمريكيين، ولكنها تعارض ممارسات وسياسة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين وتشكّل داعماً ورافداً مالياً بشكل أساسي للشعب الفلسطيني، وبالطبع فإنّ هذا التصنيف يدخل في إطار فرض الهيمنة وتغيير قواعد التعامل في العالم، بل في إطار تشكيل نظام دولي جديد يقوم على منطق القوّة والبلطجة وليس على منطق الحقّ والقيم الديمقراطية وحقوق الانسان. العالم اليوم يشهد صراعاً قد يفضي إلى إقامة نظام عالمي جديد، غير أنّ هذا العالم قد يكون بمعايير وقيم جديدة غير تلك التي عرفها وعاشها العالم على مدى عقود بعد الحرب العالمية الثانية.

12345678910...