معايير جديدة لنظام دولي في طور التشكّل!!
كلمة الأمان العدد 1698 /14-1-2026

ما يجري في العالم اليوم هو صراع ومحاولة واضحة لإعادة تشكيل النظام الدولي الذي يحكم العلاقات بين الدول، ومعه تتغيّر الكثير من المسلّمات، ويتمّ القفز فوق العديد من الأعراف والتقاليد، والإطاحة القوانين الدولية التي كانت إلى الأمس ما تزال حاكمة ولها اعتبارها ودورها في تسيير شؤون العالم وإن كانت مجحفة بحقّ الشعوب والبلدان المستضعفة والفقيرة والمغلوب على أمرها لصالح الدول الكبرى التي كانت تتحكّم بمقاليد الأمور وتفرض إرادتها وتحقّق مصالحها على حساب بقية الدول والشعوب وحتى الحكومات. خلال عقود من القرن العشرين عاش العالم نوعاً من التوازن والثنائية القطبية حيث كانت تتربّع على عرش النظام العالمي الدولي قوّتان رئيسيتان تحلّقت حول كلّ منهما دول أخرى. الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلف الناتو، والاتحاد السوفياتي السابق ومعه حلف وارسو. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واختفاء حلف وارسو تربّعت الولايات المتحدة الأمريكية على عرض النظام العالمي الدولي الذي تحوّل إلى نظام آحادي القطبية. اليوم يجري صراع تتضح معالمه يوماً بعد يوم، روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي ومعها الصين ودول أخرى تعمل على تحويل النظام الدولي إلى نظام متعدّد الاقطاب بدل أن يكون قائماً على القطب الواحد، في مقابل إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على تمسّكها بزعامة العالم والتربّع على رأس هذا النظام العالمي، وما بين هذه التوجّهات والسياسات والخطط لكلّ طرف تندلع الحروب في كل اتجاه وناحية، ويجري تجاوز القوانين الدولية والمنظمات العالمية التي نشأت أو أبصرت النور بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية منتصف القرن العشرين، والتركيز على تأمين المصالح وتحقيق السياسات والخطط والبرامج لكلّ طرف حتى لو كان الأمر يجري خارج القوانين والتقاليد والأعراف وحتى القيم التي ترفعها وتعلي تلك الدول من شأنها، كما في الحديث عن قيم الديمقراطية والحريّة بينما يجري الإطاحة بخيارات الشعوب دون إقامة أيّ اعتبار للقيم الديمقراطية ولا للحرية وحقوق الإنسان. خلال السنوات والشهور الأخيرة أقدمت العديد من الدول ومن بينها بشكل رئيسي تلك التي تتصارع على زعامة العالم على أقل تقدير لحجز مكانة في قمة النظام الدولي، أقدمت على ضرب القيم والقوانين والمنظمات الأممية والدولية بعرض الحائط. فقد شنّت روسيا قبل سنوات حرباً على أوكرانيا بهدف إخضاعها وجعلها حديقة خلفية لها، واحتلت عدداً من أقاليمها وضمّتها إليها دون أن يكون في ذلك ايذة شرعية أو أن يكون لهذا الفعل أيّ غطاء قانوني أو قيمي. وفي مقابل ذلك تابعنا قبل أسابيع كيف قامت الولايات المتحدة الأمريكية باعتقال الرئيس الفنزويلي من مكان إقامته واقتادته إلى نيويورك وتقوم الآن بمحاكمته تحت حجّة وذريعة رعاية تجارة المخدّرات، غير أنّ هذا الفعل لم يكن بغطاء من المؤسسات الدولية، بل كان خارج إطار القوانين الدولية المعمول بها، وبالتالي فإنّ الهدف من ذلك السيطرة على تلك الدولة وإخضاعها والتصرّف بمقدراتها من ضمن ضمان السيطرة والهيمنة العالمية، وفي هذا لاسياق يأتي أيضاً الحديث عن "غزو غرينلاند" وهو ما أثار خلافاً ونزاعاً بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بدأت ملامحه تظهر وتبرز شيئاً فشيئاً. وفي سياق الحديث عن تجاوز القوانين الدولية والمنظمات والتقاليد العالمية على الرغم من الملاحظات الكثيرة التي يمكن أن يسوقها المرء عليها، قامت الولايات المتحدة خلال العامين السابقين بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية التي ادّعت على رئيس وزراء "إسرائيل" بارتكات جرائم حرب في عدوانه على غزّة، كما فرضت عقوبات على بعض المنظمات الدولية فقط لأنّها خالفت سياسات واشنطن، وآخر ما قامت به خلال الأيام والأسابيع الأخيرة تصنيف بعض الجماعات الإسلامية على قائمة الإرهاب من دون أيّ مسوّغ قانوني، خاصة وأنّ هذه الجماعات لم يُسجّل أنّها ارتكبت أيّ أعمال عنف ضد الولايات المتحدة أو حتى ضد أمريكيين، ولكنها تعارض ممارسات وسياسة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين وتشكّل داعماً ورافداً مالياً بشكل أساسي للشعب الفلسطيني، وبالطبع فإنّ هذا التصنيف يدخل في إطار فرض الهيمنة وتغيير قواعد التعامل في العالم، بل في إطار تشكيل نظام دولي جديد يقوم على منطق القوّة والبلطجة وليس على منطق الحقّ والقيم الديمقراطية وحقوق الانسان. العالم اليوم يشهد صراعاً قد يفضي إلى إقامة نظام عالمي جديد، غير أنّ هذا العالم قد يكون بمعايير وقيم جديدة غير تلك التي عرفها وعاشها العالم على مدى عقود بعد الحرب العالمية الثانية.

عن مستقبل العلاقة بين لبنان وسوريا
كلمة الأمان العدد 1697 /7-1-2026

في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 طوت سوريا صفحة النظام البائد إلى غير رجعة وذلك بانتصار ثورة الشعب السوري وفرار رأس النظام البائد ومعظم أركانه وضباطه الأمنيين والعسكريين إلى الخارج، وبدأ بعدها الشعب السوري مساراً طويلاً للنهوض بسوريا وإرساء الاستقرار في ربوعها وبناء دولة جديدة حديثة لكلّ السوريين من دون استثناء، كما كشفت قيادته الجديدة عن ملامح سياستها الخارجية، سيّما مع لبنان بحكم التاريخ والجغرافيا والعلاقات الاجتماعية، وهي سياسة أكّدت القيادة الجديدة مراراً وتكراراً على أنّها ستقوم على مبدأ الاحترام المتبادل وعدم التدخّل في الشأن الآخر وعدم تشكيل أيّ تهديد من أيّ نوع للطرف الآخر، كما أكّدت انفتاحها على مؤسسات الدولة الرسمية مع رفض فتح علاقات ومسارات مع مكوّنات لبنانية اجتماعية وسياسية لبنانية ترغب بذلك على اعتبار أنّ هذا الأمر يخلّ بالعلاقة الرسمية بين دولة ودولة، فضلاً عن أنّ ذلك قد يدخل في إطار الاستقواء بسوريا لحساب طرف على حساب طرف آخر في لبنان. كما أنّ القيادة السورية استقبلت عدداً من المسؤولين اللبنانيين الرسميين، وأوفدت إلى لبنان وزير الخارجية السوري على رأس وفد رسمي في تأكيد على أنّ مبدأ احترام لبنان ومؤسساته الرسمية، والحرص على إقامة أفضل العلاقات بين الطرفين. في مقابل ذلك أكّد تصريحات المسؤولين اللبنانيين الحرص على العلاقة مع سوريا الجديدة، وأبدت نيّة لبنان التعاون في مجالات وملفات فيها مصلحة للطرفين، غير أنّه بعد ذلك تبيّن أنّ الأقوال شيء والأفعال شيء آخر. ففي ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، وهؤلاء تمّ توقيف أغلبهم على خلفية معارضة النظام البائد، بمعنى أنّه حتى لو ثبت ذلك عليهم أو على أغلبهم، فإنّهم كانوا من أبناء الثورة التي انتصرت وباتت الآن هي الحكم والسلطة في دمشق، بمعنى آخر فإنّ كلّ أسباب توقيفهم أو احتجازهم قد انتفت، ولم يعد هناك أيّ عائق يحول دون إطلاق سراحهم أو يمثّل تهديداً لأيّ طرف، ومع أنّه تمّ تشكيل لجنة مشتركة سورية – لبنانية لبحث مسألة إطلاق هؤلاء الموقوفين فإنّ الحكومة في لبنان، أو الجهات المعنية، ماطلت وما تزال في هذا الملف ولم يُعرف على وجه الدقّة أين المصلحة اللبنانية في ذلك! مع الإشارة والتنوية إلى أنّ الحكومة السورية أبدت استياءً من طريقة مقاربة لبنان لهذا الموضوع والمماطلة فيه. وفي ملف ضبط الحدود بين البلدين أبدى لبنان ترحيباً بذلك، غير أنّ الواقع لا يبدو مطابقاً لهذا الترحيب، فقد ظلّت الحدود مفتوحة بشكل مكشوف لكلّ مراقب، وظلّت عمليات تسلّل المسلحين وتهريب السلاح إلى الداخل السوري قائمة، وهذا ما هدّد الاستقرار النسبي في سوريا أكثر من مرّة، وقد ألقت الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية في الأسابيع الأخيرة مجموعة من فلول النظام البائد كانت تحاول التسلّل عبر الأراضي اللبنانية إلى ناحية حمص، وخلال التحقيقات مع أفراد تلك المجموعة تبيّن أنّها تعمل ضمن خلايا هدفها إثارة الفوضى والفتنة والتخريب في الداخل السوري، ومرتبطة ببعض الضباط السابقين في النظام البائد الذين يديرون عمليات تخريب في الداخل السوري انطلاقاً من لبنان. في ملف آخر أكثر خطورة كشفته تسريبات بثّتها قناة "الجزيرة" القطرية لضباط من النظام البائد، كشفت تلك التسريبات أنّ أولئك الضباط أقاموا في لبنان بنية عسكرية وتنظيمية بهدف زعزعة الاستقرار في سوريا وتشكيل خطر على الحكومة الجديدة، والعمل لتقسيم سوريا وإقامة إقليم مستقل في الساحل السوري بشكل أساسي، واعتبرت هذه التسريبات فضيحة من العيار الثقيل، وهو ما لا يمكن أن تسمح به القيادة السورية بأيّ شكل من الأشكال إذ أنّ تقسيم سوريا وتحويلها إلى دويلات طائفية وعرقية ومذهبية من المحرمات التي لا يمكن القبول بها أو السكوت عنها بأيّ شكل من الأشكال حتى لو كان ذلك سيؤدّي إلى الخروج من الالتزامات والمبادئ التي رفعتها القيادة السورية للعلاقة مع لبنان؛ بمعنى آخر إذا لم يقم لبنان بمعالجة هذه المسألة وهذا الملف على وجه السرعة وبما يمنع أيّ تهديد لاستقرار وأمن سوريا فإنّ ذلك قد يدفع سوريا إلى اعتماد سياسات وأساليب تقوم على مبدأ التعامل بالمثل، تماماً كما حصل في مسألة انتقال مواطني البلدين عبر الحدود، وهو ما لا تريده القيادة السورية حتى الآن بل ما زالت تصرّ على علاقات طيّبة وجيّدة بين الدولتين تقوم على مبدأ الاحترام المتبادل وعدم تشكيل تهديد للطرف الآخر. مع التنوية في هذا الإطار إلى ضرورة قيام لبنان بإجراءات جديّة وحقيقية للجم أيّ تحرك يضرّ بأمن واستقرار سوريا لأنّه سيكون مصدراً للإضرار بأمن واستقرار لبنان أيضاً. أمام هذا المشهد تصبح العلاقات اللبنانية السورية محكومة بمدى التزام الطرفين بسياسة الاحترام المتبادل وعدم تشكيل أيّ تهديد من طرف إلى الطرف الآخر، وبهذا المعنى فإنّ مستقبل هذه العلاقة، وبكلّ تأكيد فيها مصلحة كبيرة للبنان، بات الآن يتوقف على مدى قيام لبنان بإجراءات جديّة تضع حدّاً لما يجري من محاولات تهديد للداخل السوري، وذلك عبر توقيف وملاحقة الضباط السابقين في النظام البائد ومنعهم من تشكيل أيّ تهديد لسوريا، واكتشاف أي غطاء لبناني داخلي من أيّ طرف كان لتلك المحاولات لأنّها ستكون مضرّة بلبنان وعلى حساب مواطنيه، وإلّا فإنّ البعض يكون قد ارتضى أن يكون أداة لبنانية في مشاريع مشبوهة تريد أخذ المنطقة برمّتها إلى الخراب والدمار.

التطبيع بالقوّة!
كلمة الأمان العدد 1695 /24-12-2025

صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الأسابيع الماضية من تهديداتها من ناحية واعتداءاتها من ناحية ثانية بهدف إخضاع لبنان وإجباره على النزول على شروطها وبالتالي استسلامه لها والسير وفق أهوائها ومصالحها في المنطقة، وكان من بين الأساليب والوسائل التي لجأت إليها قوات الاحتلال قبيل كلّ اجتماع للجنة مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار المعروقة باسم "الميكانيزم" مضاعفة حجم التهديدات والاعتداءات والإيحاء بأنّها ستشرع في توسيع رقعة الحرب لتطال مناطق أخرى وأهداف أخرى في لبنان بما في ذلك مؤسسات وبنى تحتية تابعة للدولة اللبنانية، وكان لبنان يلجأ إلى محاولات شراء الوقت تارة عبر المماطلة في تنفيذ المطالب الإسرائيلية عبر اللجوء إلى مقاربات متعددّة، وتارة عبر الاستجابة الجزئية لبعض المطالب بهدف تفريغ أية محاولة إسرائيلية لتوسيع الحرب من مضمونها، ولعلّ أوضح مظهر من هذه المظاهر تجلّى بتعيين السفير سيمون كرم رئيساً للفريق اللبناني العسكري الذي يشارك في لجنة "الميكانيزم" في مقابل تعيين حكومة الاحتلال شخصية مدنية أيضاً من طرفهم بما أوحى وأعطى انطباعاً أن التفاوض سينتقل من متابعة ومراقبة تنفيذ بنود اتفاق وقف النار إلى التفاوض على أمور اقتصادية أولاً ثمّ بعد ذلك يمكن أن تشمل شؤوناً سياسية واجتماعية وغيرها، وبما يوصل إلى حالة من تطبيع العلاقة بين لبنان وكيان الاحتلال. فهل هذه الخطوات تقود إلى ما يشبه التطبيع المتدرّج أو المتدحرج؟ أم أنّ القوّة تفرض على لبنان هذه الخيارات لاّنه لا يملك ما يدفع به عن نفسه خيارات إسرائيلية أخرى يمكن أن توصل إلى تدمير البلد وتالياً دفع أثمان مضاعفة؟! لا شكّ أنّ حكومة الاحتلال التي كشفت عن نواياها في إعادة تشكيل الشرق الأوسط وإقامة "إسرائيل الكبرى" من الفرات إلى النيل تلجأ إلى التهديدات والاعتداءات كجزء من عملية إخضاع الأطراف المقابلة، والدفع بها إلى النزول على شروطها وتطبيع العلاقة مها ولو بالقوّة، وهي بكلّ تأكيد تقوم بهذه العملية مع لبنان لأنّها تعتبر أنّ لبنان لم يعد يملك الوسائل التي يواجه بها هذه الغطرسة، وبالتالي فإنّها تزيد كلّ مرذة من حجم التهديد والتهويل والاعتداءات لإخضاع لبنان ودفعه إلى الشروع ف يتفاوض مباشر أو غير مباشر يفضي إلى تطبيع العلاقة ولو بالقوّة. ويبدو أنّ لبنان بات بتجه شيئاً فشيئاً إلى قبول هذا التطبيع من خلال الاستجابة غير المباشرة لتهديدات الاحتلال وتحت عنوان دفع بلاء الاحتلال عن البلد، وهنا كان قد برز خلال الأيام الأخيرة الحديث عن توسيع لجنة "الميكانيزم" ورفدها بشخصيات مدنية إضافية حيث تمّ الحديث عن إضافة شخصيتين على أقل تقدير برتبة سفير سابق إلى اللجنة لبحث قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية وترتيب مسألة ترسيم الحدود، وإذا ما صحّ هذا الحديث أو إذا ما ذهبت الحكومة والعهد إلى رفد اللجنة بشخصيات مدنية إضافية غير السفير سيمون كرم رئيس الفريق الذي يمثّل لبنان في اللجنة، فإنّ معنى ذلك الاستجابة غير المباشرة إلى الشروع في تفاوض يتخطّى مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار إلى قضايا أخرى يمكن أن يجد لبنان نفسه معها أمام خيار تطبيع العلاقة مع كيان الاحتلال ولو بالقوّة أو بشكل غير مباشر. غير أنّ الدخول في تفاوض مباشر أو غير مباشر وسواء من خلال مدنيين أو عسكريين لا يعني أبداً التطبيع مع كيان الاحتلال لا بالقوّة ولا بغير القوّةن بل هذا يتوقّف على إرادة الحكومة اللبنانية في مسألة قبول التطبيع من عدمه، وتقدير مصلحة لبنان الاستراتيجية والحالية من عدم ذلك. كما وأنّه لا بدّ من الاعتراف أيضاً أنّ الخيارات اللبنانية أمام المعادلة الحالية المحلية والإقليمية والدولية مختلّة لصالح قوات الاحتلال، وبالتالي لا بدّ من التفكير العميق والجدّي في كيفية مواجهة هذه المرحلة والحالة التي تمرّ بها المنطقة، والخروج منها بأقلّ الخسائر الممكنة. خلاصة القول إذا أدركت الحكومة وفريق التفاوض التوازنات المحلية والإقليمية والدولية، وأخذت بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية لدول المنطقة والعالم، وضمّت جهودها إلى جهود الأشقاء العرب ونسّقت ذلك مع القوى التي ما زالت فاعلة في المنطقة لو بالحدّ الأدنى، فإنّ ذلك لا يدع لبنان يقع في فخّ التطبيع بالقوةّ، ولا حتى الوقوع تحت السيطرة الكاملة لكيان الاحتلال.

هل تتوسّع الاعتداءات وتتحوّل إلى حرب على لبنان؟!
كلمة الأمان العدد 1694 /17-12-2025

تصاعدت خلال الفترة الأخيرة التهديدات الإسرائيلية للبنان وتوعّدت قوات الاحتلال بتوسيع الاعتداءات والشروع في حرب كبيرة على لبنان تستهدف ما تسمّيه تلك القوات "نزع سلاح حزب الله". وكانت قوات الاحتلال وعلى لسان أكثر من مسؤول أو وسيلة وضعت حدّاً زمنياً لقيام الجيش اللبناني والدولة اللبنانية بنزع سلاح المقاومة هو آخر شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري، وأشارت إلى أنّها بعد هذا التاريخ ستكون حرّة في القيام بأعمال عسكرية واسعة تهدف إلى تنفيذ هذا الأمر. وفي هذا السياق نشرت مجلة أمريكية يوم الثلاثاء تقريراً أو خبراً تناولت فيه الملف اللبناني وذهب إلى حدّ الجزم أنّ كيان الاحتلال سيشرع في حرب مفتوحة على لبنان بعد31 كانون الأول/ ديسمبر الجاري إذا لم تقم الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني وشماله. والحقيقة أنّ هذه المهلة هي مهلة تعجيزية هدفها حشر الدولة في الزاوية لتبرير استئناف أو بالأحرى توسيع الاعتداءات على لبنان بهدف إخضاعه للشروط الإسرائيلية وحمْله على النزول عليها والتسليم بكلّ ما تريده؛ بمعنى آخر الاستسلام التام لقوات الاحتلال وتسليم إرادة وسيادة ومقدرات البلد بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر لها، وهو أمر مرفوض لبنانياً على المستويين الرسمي والشعبي، ولذلك نعم هناك مخاطر جديّة وحقيقية لتوسيع الحرب واستئناف القتال. في مقابل هذا الاستعجال الإسرائيلي لحشر لبنان في الزاوية، دخلت فرنسا على خط المعالجة من خلال مبادرة حملها المبعوث الفرنسي "جان إيف لودريان" تهدف إلى تمديد مهلة سحب السلاح وحصره بيد الدولة حتى آخر كانون الثاني 2026 بدل آخر كانون الأول 2025، غير أنّ قوات الاحتلال ترفض هذا الأمر وتتجاهل هذه المبادرة وتزيد من تهديداتها بمقدار توسيع اعتداءاتها مكانياً ونوعياً. هل تتوسّع الاعتداءات وتتحوّل إلى حرب على لبنان؟ نعم هذا وارد بالنسبة لكيان الاحتلال وقيادته؛ فحكومة نتنياهو ترى في الوضع الحالي الذي تمرّ به المنطقة، وحالة الضياع والضعف والعجز الذي تعانيه، والغطاء الدولي والأمريكي تحديداً الممنوح لكيان الاحتلال، والدعم شبه المفتوح، تجد في كلّ ذلك فرصة ذهبية لتغيير المنطقة وفرض شرق أوسط جديد كما تحدّث نتنياهو ذات يوم، ولذلك فهي تجدّ الخطى بهذا الاتجاه، وتعمل على تحقيق هذا الهدف وإقامة "إسرائيل الكبرى"، سواء من خلال الضغط والتهديد والاعتداءات المركّزة، وإن لم يحصل، فعبر الحرب الواسعة التي لا تلتزم بها بأيّة معايير. وبناءّ عليه فإنّ التهديدات الإسرائيلية للبنان تشكّل حالياً محاولة لإخضاع لبنان الرسمي وقواه الحيّة ودفعهم إلى الاستسلام دون قتال، فإن لم يحصل فسيصار إلى تصعيد الاعتداءات وتوسيع أهدافها نوعاً وكمّاّ وحجماً جغرافياً، فإن لم يحصل فسيصار إلى توسيعها للتحوّل إلى حرب واسعة وربما طاحنة. غير أنّ ما يلجم كيان الاحتلال عن القيام بتوسيع الحرب هو تباين أو ربما تعارض رؤية الاحتلال للمنطقة مع رؤية ترامب في بعض التفاصيل وربما حتى الأهداف، ولذلك فإنّ الأخير يزيد من حجم الضغط على الاحتلال لثنيه عن توسيع الحرب من دون أن يعني ذلك الاختلاف معه على أهدافها. وماذا عن المنطقة وشعوبها وحكوماتها؟ يبدو أنّ نتنياهو أراد لهم أمراً واحداً : إمّا أن يحكمهم ويرضون بذلك، وإمّا أن يحرق المنطقة بهم، وقد سار غيره بهذه السياسة قرابة عقد نصف من الزمن غير أنّه في لحظة الحقيقة وجد نفسه خارج التاريخ والجغرافيا.

سوريا .. عام على التحرير والحريّة!
كلمة الأمان العدد 1693 /10-12-2025

أقام السوريون شعباً وحكومة احتفالات النصر والتحرير لمناسبة الذكرى السنوية الأولى لإسقاط النظام البائد وتحرير سوريا منه، وذلك من خلال العروضات العسكرية الضخمة التي نظمّتها وزارة الدفاع السورية، والمهرجانات والاحتفالات الشعبية التي ملأت الساحات العامة في معظم المدن السورية، والحفل المركزي الرسمي الذي نظّمته الحكومة في قصر المؤتمرات بالعاصمة دمشق وحضره أركان الدولة وضيوفها، وتميّز بالدقّة والتنظيم والرسائل الوجدانية والسياسية. عام على تحرير سوريا من النظام البائد انتقلت فيه سوريا من ضفّة إلى أخرى، واختلفت فيها الأجواء وتغيّرت حيث أُشيعت في هذا العام أجواء الحريّة التي خرج السوريون من أجلها والتي حرمهم منها النظام البائد طيلة أكثر من خمسة عقود من الزمن. عام تنفّس فيه السوريون نسيم الحريّة وعبيرها، وانصرفت فيه القيادة الجديدة لترميم وتأهيل ما أفسده النظام البائد، لاستعادة سوريا دورها وحضورها الطبيعي على المسرحين العربي والدولي. عام واجهت فيه سوريا حكومة وشعباً تحدّيات كبيرة وهائلة وما تزال، من الفوضى التي حاول فلول النظام البائد إشعالها في منطقة الساحل وأفشلها الشعب السوري وقيادته؛ إلى محاولات التمرّد وانتزاع قسم من سوريا لإلحاقها بكيان الاحتلال الإسرائيلي، والتي قام بها بعض الخونة في منطقة السويداء وقد أفشلها أيضاً الشعب السوري وقيادته؛ إلى استمرار محاولات الانسلاخ عن سوريا التي ما يزال بعض المرتبطين بالخارج وأصحاب المشاريع الوهمية يمارسونها في شرق الفرات، وما زالت القيادة مدعومة من الشعب تعمل على استيعابها وقطع الطريق عليها. احتفل السوريون في الذكرى الأولى لانتصار ثورتهم وأقاموا الاحتفالات الحاشدة والمليونية في معظم المدن السورية، من دمشق العاصمة التي غصّت فيها ساحة الأمويين بأعداد المحتفلين وبلغت مئات الآلاف، إلى حلب في شمال سوريا التي كانت على العهد، مروراً بإدلب حماه وعاصمة الثورة حمص العدية، إلى اللاذقية وطرطوس وجبلة، وصولاً إلى دير الزور ومهد الثورة درعا الأبية. خرج السوريون يؤكّدون تمسّكهم بثورتهم وما أنجزته، يصطفّون خلف قيادتهم صفّاً واحداً وبنياناً مرصوصاً، وبعثوا برسائلهم الميدانية التي تؤكّد أنّ المهج والأرواح دون هذه الثورة ودون سوريا الجديدة والحديثة. احتفلت وزارة الدفاع على طريقتها، وأظهرت بأس أولئك المجاهدين واستعدادهم الدائم للدفاع عن سوريا وأهلها، وما أنجزوه من استعداد وعدّة في هذا السبيل. قطاعات واسعة من الجيش العربي السوري الجديد، كتائب كثيرة، وأعداد كثيفة من الجنود والشباب الذين ردّدوا هتافات النصر والاستعداد للتضحية، وبعثوا برسائلهم إلى الداخل والخارج، إلى الداخل يقولون: إنهم حماة الديار الحقيقيين؛ وإلى الخارج يقولون: إنّهم قادمون. أمّا في قصر المؤتمرات فقد قدّم الرئيس أمام الشعب السوري جردة حساب عن عام كامل من التحدّيات والانجازات والتطلعات، وعد فوفى، وأكّد على أنّ سوريا وطن واحد لشعب واحد رافضاً بذلك صيغ التقسيم والفدرلة والرهانات الخارجية. أكّد على أنّ سوريا عادت إلى الحضن العربي وعاد إليها. طمأن واحتضن وشجّع وكان حازماً حاسماً فيما قال وفيما قصد. سوريا حكومة وشعباً وبعد عام على التحرير والحريّة قالت مرّة ثانية إنّها ما زالت كما لو أنّها في اليوم الأول لثورتها، ماضية نحو تحقيق أهدافها واستقلالها، وترسيخ قيم الحريّة والعدالة لأبنائها، وسنداً متيناً لأمتها على الرغم من الجراح التي ما زالت تعانيها.

بعد عام على اتفاق وقف النار .. لا وقف للنار!
كلمة الأمان العدد 1691 /19-11-2025

قبل أيام شنّت طائرات الاحتلال الإسرائيلي غارة على بناية في الضاحية الجنوبية لبيروت مؤلّفة من عشر طبقات مستهدفة شقّق سكنية في الطابقين الرابع والخامس ما أدّى إلى اغتيال أحد قادة حزب الله العسكريين وأفراد آخرين كانوا في المكان. وللمفارقة فإنّ الغارة والاغتيال تزامنا مع الذكرى السنوية الأولى لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في السابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2024، مع الذكير أنّ الاغتيالات والاستهدافات والغارات لم تتوقّف يوماً منذ توقيع ذاك الاتفاق، ولكنّها تكاد تكون الغارة الأولى التي تستهدف شخصيات قيادية في حزب الله في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، علماً إنّ الطائرات الحربية الاسرائيلية استهدفت سابقاً أبنية في الضاحية بحجّة أنّها تحوي على مخازن أسلحة للحزب، ولكنّها كانت تطلق قبل ذلك رسائل تحذيرية للسكان ومن ثم بعد وقت قصير كانت تغير على تلك الأبنية؛ هذه المرّة كان الوضع مختلفاً، وكان يشبه إلى حدّ بعيد ما كان يجري خلال فترة الحرب عندما كانت الطائرات تغير مستهدفة اغتيال أشخاص بعينهم. من الواضح خلال مجريات عام كامل أنّ النار لم تتوقّف إلّا من طرف واحد، وهو الطرف اللبناني؛ أمّا الطرف الآخر الإسرائيلي فلم يلتزم بمندجرات الاتفاق، ولم يوقف إطلاق النار، ولم يتوقّف عن الغارات والاغتيالات والتصعيد، بل ذهب أبعد من ذلك عندما شرع في تهديدات يومية بالتصعيد والعودة إلى استهداف أيّ مكان في لبنان بما في ذلك البنية التحتية للدولة، ورفض كلّ الدعوات التي أطلقها رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية للدخول في مفاوضات من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين تنفيذ بنوده، وحتى وصولاً إلى تجديد اتفاق الهدنة بين لبنان و"إسرائيل". الاحتلال الإسرائيلي بعد عام من اتفاق وقف إطلاق النار يتحضّر لجولة جديدة من القتال يريد منها فرض شروطه بشكل كامل على لبنان حتى يقرّ بالهزيمة وينزل على شروط الاحتلال وليس فقط في مسألة سحب أو نزع أو حصر السلاح، بل في كلّ الملفات بما في ذلك منها السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، وإلّا فإنّه يلوّح بالتصعيد وتكثيف الغارات والاستهدافات وصولاً ربما إلى الاجتياح البرّي أو ارتكاب المزيد من الجرائم والمجازر، وكلّ ذلك لإخضاع لبنان كجزء من إخضاع المنطقة لأنّ الاحتلال يدرك أنّ لبنان، وعلى الرغم من حالة التصدّع التي أصابته بسبب الحرب والعدوان، ما زال يشكّل العقبة الكأداء في طريق تشكيل المنطقة العربية وفق الهوى والمصلحة الإسرائيلية، ولذلك فإنّه يصرّ على إنزال لبنان على شروطه، أو تلقّي المزيد من الضربات والاعتداءات. من الواضح بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار أنّه لا وقف لإطلاق النار في الفترة القريبة، هناك المزيد من الضغط، المزيد من الاعتداءات، المزيد من الاغتيالات، المزيد من الحصار بهدف استسلام لبنان بشكل كامل، وفي هذه الحالة ستكون الكلفة عالية على لبنان سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، وسيكون ملحقاً بالمشروع الإسرائيلي وجزءاً منه، وبالتالي فلن يشهد أيّ استقرار ومن أيّ نوع كان. وفي حال رفض الاستسلام، والصمود أمام هذه الضغوط والاعتداءات التي يمكن أن تتكثّف وتزداد، غير أنّ كلفتها سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً ستكون أقلّ كلفة مهما بلغت تلك الاعتداءات وإن تكثّفت أو طالت مزيداً من المرافق والجغرافيا. في الحالة الأولى سيجني الاحتلال الأرباح وسيحقق المزيد من الأهداف من دون أن يدفع أيّة كلفة، في الحالة الثانية (حالة الصمود) قد يحقّق الاحتلال بعض اهدافه وقد يجني بعض الأرباح، غير أنّه سيتكبّد أيضاً بعض الخسائر حتى ولو كانت معنوية أو تتصلّ بالسمعة والرواية والسردية، فضلاً عن أنّ الحالة الثانية ستبقي الخصومة والعداوة مع الاحتلال في حين أنّ الحالة الأولى قد تنقل الخلاف إلى الصفّ الداخلي.

في دلالة ارتكاب الاحتلال مجزرة في عين الحلوة
كلمة الأمان العدد 1690 /19-11-2025

شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي ليلة الثلاثاء - الأربعاء غارة غادرة استهدفت ملعباً رياضياً في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين خلال تواجد عدد من الفتيان الذين كانوا يمارسون لعبة كرة القدم في الملعب، ما أدّى إلى استشهاد ثلاثة عشر فتىً منهم وجرح آخرين، كما أدّت الغارة إلى ترويع أهالي المخيم ومحيطه في مدينة صيدا. فماذا أرادت قوات الاحتلال من خلال ارتكاب هذه المجزرة المروّعة؟ أولاً لا بدّ من التذكير أنّ الملعب المستهدف في المخيم هو ملعب معروف ومكشوف ويرتاده أبناء المخيم بشكل يومي لممارسة لعبة كرة القدم، وليس كما زعمت وادّعت قوات الاحتلال من أنّه موقع للتدريب تستخدمه قوى المقاومة الفلسطينية؛ وبالمناسبة فإنّ هذه الملاعب المكشوفة التي يمارس فيها الشبّان والفتيان لعبة كرة القدم منتشرة في أغلب المناطق اللبنانية من الجنوب إلى والشمال وبالعكس، ومنها مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين، هذا ما يُسقط كلّ اتهام إسرائيلي بأنّها مراكز تدريب. وأمّا لماذا هذا العدوان الجديد، وهذه المجزرة الجديدة؟ فإنّ قوات الاحتلال ربما أردات أن توجّه رسالة بالنار والدم في اتجاهين: الاتجاه الأول نحو لبنان إذ أنّها منذ فترة زمنية تُطلق تهديداتها بتجديد العدوان على لبنان تحت حجّة وذريعة سحب السلاح، فيما الهدف الأساسي يكمن في إرغام لبنان على النزول على الشروط الإسرائيلية والاستسلام بشكل كامل. وهي (قوات الاحتلال) خلال الأيام والأسابيع الأخيرة بدأت تسوّق لفكرة الهجوم على لبنان لتدمير البنى العسكرية المزعومة بحسب ادعاءاتها، ولعلّها أرادت من خلال هذه المجزرة أرادت أنّ تقول إنّها جادة في تهديداتها وأنّها يمكن أن توسّع عدوانها من جديد ليشمل مناطق لم يشملها من قبل، وأنّ على لبنان أن يدرك ذلك ولا ينظر إلى التهديدات على أنّها مجرد تهديدات لن تتحوّل إلى فعل، بل يمكن أن يتطوّر المشهد ويتوسّع العدوان إذا لم يتمّ الخضوع للإملاءات والشروط، وطبعاً هذا بحسب ما تريده قوات الاحتلال. والحقيقة، نعم يمكن أن تلجأ قوات الاحتلال إلى توسيع عدوانها بالنظر إلى العديد من الاعتبارات المتعلقة أولاً بأزمة الحكومة ورئيسها على المستوى الداخلي، وللهروب من الضغوط التي تمارس عليها داخلياً وخارجياً، وأيضاً لاعتبارات أخرى. وأمّا الاتجاه الثاني فهو نحو الفلسطينيين وخاصة قوى المقاومة الفلسطينية للضغط على هذه القوى من أجل الخضوع للشروط والإملاءات، خاصة بعد إثبات قوى المقاومة الفلسطينية قدرتها على الصمود والثبات في الميدان على الرغم من حجم الإبادة التي مارسها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، وقد جاءت الغارة الغادرة على مخيم عين الحلوة بعد ساعات قليلة من انتقاد حماس وقوى المقاومة الفلسطينية لقرار مجلس الأمن بخصوص قطاع غزة، بما يعني عدم التعامل معه بإيجابية، ولعلّ الإسرائيلي بات مكبّلاً في الضغط على قوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة لاعتبارات كثيرة، ولأنّ الضغط في القطاع لم يعد ينفع، فقد وجّهت قوات الاحتلال طائراتها إلى مخيمات اللاجئين في لبنان من أجل الضغط على المقاومة الفلسطينية لتقديم تنازلات وإرغامها على النزول على الشروط. يمكن أن نضيف إلى هذين الاعتبارين أو الاتجاهين أنّ قوات الاحتلال تريد أن لا يكون لبنان مكاناً آمناً لقوى المقاومة الفلسطينية وحتى اللبنانية ولذلك لجأت إلى ارتكاب هذه المجزرة وأضافتها إلى مجازرها اليومية في لبنان حتى تظلّ هذه القوى تحت ضغط الاغتيال والملاحقة. بالتأكيد هذه المجزرة الجديدة تحمّل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقوى الدولية الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان وحتى الحكومة اللبنانية التحرك من أجل وضع حدّ لهذه الانتهاكات والارتكابات حتى لو تتحول إلى سياسة يومية يقوم بها الاحتلال ويفجّر المنطقة من خلالها.

مستقبل المنطقة العربية بعد عامين من الحرب
كلمة الأمان العدد 1689 /12-11-2025

أكثر من عامين مرّا على انطلاق معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023 أخذت فيها الحرب أشكالاً مختلفة ومتعدّدة، وارتكب فيها الاحتلال الإسرائيلي أنوعاً مختلفة من الجرائم وصولاً إلى ارتكاب حرب إبادة جماعية بحقّ الشعب الفلسطيني في غزة، ومجازر يومية مستمرة بحقّ الشعب اللبناني، وعمليات إرهاب وتفريغ للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، واعتداءات وتغيير معالم بحقّ الشعب السوري، والشعب اليمني، وهكذا وصولاً إلى العدوان على إيران في حزيران الفائت. حكومة الاحتلال الإسرائيلي أعلنت أكثر من مرّة أنّها تريد أن تغيّر الشرق الأوسط من خلال عدوانها وحربها على شعوب ودول المنطقة؛ نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال أعلن أكثر من مرّة أنّه يريد إقامة "إسرائيل الكبرى" بين نهري الفرات في العراق والنيل في مصر، معتبراً ذلك نوعاً من تحقيق الرؤية والحلم "التوراتي" وأيّد ذلك الوزراء الذين يشاركونه الحكومة. في مقابل ذلك دول وحكومات في المنطقة، حتى من بينها تلك التي أقامت علاقات تطبيع مع حكومة الاحتلال رأت ولمست في تصريحات ومواقف حكومة الاحتلال وتوجّهاتها خطراً جادّاً على أمنها القومي والاستراتيجي، ولذلك فإنّها بدأت تغيّر من بعض مواقفها لأنّ تغيير حكومة الاحتلال لوجه "الشرق الأوسط" (المنطقة العربية الإسلامية)، والسيطرة عليها والتحكّم بها سيُفقد تلك الحكومات والدول أهميتها ودورها وينتقل بعضها من موقع المتبوع إلى موقع التابع، بمعنى أنّه يتحوّل إلى مجرد تابع في المنطقة للاحتلال الإسرائيلي، وهذا ما لا يقبله بعضهم ولا يمكنه أن يتكيّف معه، ولذلك رحنا نلمس بعض التعديل في بعض المواقف التي تشكّل نوعاً من المعوّق أمام مشروع الاحتلال السيطرة على المنطقة. بالنسبة لراعي الاحتلال وحاميه، أي الولايات المتحدة الأمريكية، فهي على الرغم من رعايتها لكيان الاحتلال والتكفّل بحماية وتأمين الدعم السياسي والمالي والأمني له، غير أنّها لا تريد له أن يكون مستقلّاً عنها خارجاً عن إرادتها مهيمناً على مقاليد الأمور والثروات في المنطقة، بل تريده قاعدة عسكرية ومدنية متقدّمة في المنطقة العربية تلجأ إلى استخدامها في المهمّات القذرة، وبالتالي فإنّنا رأينا أيضاً كيف أنّ الإدارة الأمريكية أرغمت حكومة الاحتلال على قبول وقف إطلاق النار، وإطلاق الأسرى في غزة، والانسحاب من بعض المواقع التي جرى احتلالها خلال الحرب، خلافاً لما كان يطلقه نتنياهو من وعود بإنهاء حكم "حماس" في غزة، وإطلاق الأسرى عبر الحرب، وعدم الانسحاب من غزة أو التعهّد بإعادة إعمارها فضلاً عن تهجير الفلسطينيين منها. بعد عامين على الحرب، كيان الاحتلال الإسرائيلي لم يوقف الحرب على الرغم من الاتفاق على وقف إطلاق النار في غزة وفي لبنان، فالقصف مستمر في كلا البلدين، والانتهاكات الإسرائيلية مستمرة، وكيان الاحتلال لم يتخلّ عن أهدافه للمنطقة، بل يسعى إلى إفشال المساعي الأمريكية والعربية الإسلامية لوضع حدّ للحرب وإيجاد حلّ، ولو مرحلياً للقضية الفلسطينية، في مقابل تشدّد أمريكي لإنقاذ خطته التي تتباين مع طموحات قادة كيان الاحتلال دون أن يعني ذلك التصادم معها أو التحوّل عن دعمها وتوفير مقوّمات البقاء والاستمرار لها. الصورة المتوقّعة للمنطقة في ضوء هذه النتائج تشي أنّ المرحلة القائمة حالياً ستكون هي الصورة التي ستطبع المرحلة المقبلة القريبة خصوصاً، مراوحة، محاولات الأطراف جميعاً تثبيت الأمر الواقع والبناء عليه، إستعادة والتقاط الأنفاس ورسم السياسات من جديد، استعداداً لمرحلة جديدة قادمة قد لا تكون بعيدة، سيكون عنوانها الرئيسي السخونة والتوتر والمزيد من فرض الأمر الواقع بالنقاط.

حول جديّة التهديدات الإسرائيلية لتجديد العدوان على لبنان
كلمة الأمان العدد 1688 /5-11-2025

الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة والأجواء اللبنانية لا تتوقّف، ولا يمكن الحديث عن آخر انتهاك أو تجاوز أو اعتداء، ولكن البارز منها خلال الأسبوع الأخير هو التوغّل البرّي ليلاً في بلدة بليدا الجنوبية، والاعتداء على مبنى البلدية وقتل حارس المبنى الذي كان يقوم بوظيفته وواجبه، وبالمناسبة هو موظف لدى مؤسسة من مؤسسات الدولة، هذا ناهيك عن الاغتيالات الجويّة التي لم تتوقّف يوماً، أو الغارات الحربية التي تطال مناطق واسعة في الجنوب أو حتى في البقاع. غير أنّ الملفت خلال الأيام الأخيرة هو حديث المبعوث الأمريكي، توم برّاك، عن ضرورة التزام لبنان بحصر السلاح بيد الدولة وأجهزتها وفي أقرب وقت، الإشارة إلى عدم مسؤولية الولايات المتحدة فيما يمكن أن تقوم به أو تُقدم عليه قوات الاحتلال، كما لو أنّ هذه التصريحات الإعلامية بمثابة إشارة ضوء خضراء لقوات الاحتلال لتجديد العدوان على لبنان. تزامنت هذه التصاريح والانتهاكات مع مواقف وتهديدات أطلقها عدد من المسؤولين الإسرائيليين سيّما وزير الحرب، الذي طالبت تهديداته الدولة اللبنانية وليس حزب الله فحسب، كما تزامنت مع تقارير إعلامية كثيفة راحت تضخّم قدرة حزب الله من جديد كما لو أنّها تريد تحضير الرأي العام الإسرائيلي لعمل ميداني يمكن أن تقوم به قوات الاحتلال. كما تتزامن هذه التصريحات والانتهاكات والمواقف مع مناورات ومع تحشيد لقوات الاحتلال عند الحدود الجنوبية اللبنانية، فهل يأتي ذلك في إطار الضغط على لبنان لإرغامه ودفعه للانخراط في مفاوضات مباشرة من أجل الاعتراف بالهزيمة، والنزول على الشروط الإسرائيلية حتى يتمّ طي صفحة الحرب نهائياً؟! أم أنّها تأتي في سياق فعلي حقيقي لتحضير الميدان وبالتالي توجيه ضربة جديدة لحزب الله وبالتالي لبنان؟! الحقيقة أنّ هذه التهديدات والتحضيرات والمواقف تأتي في سياق الأمرين معاً، بمعنى آخر في سياق الضغط لدفع لبنان إلى التنازل والخضوع للشروط الإسرائيلية من دون قتال، وفي هذه الحالة يكون قد تحقّق لكيان الاحتلال ما يريده من دون عناء ومن دون قتال، غير أنّه يعني أيضاً أنّ حزب الله وقوى المقاومة في لبنان ستظلّ تحتفظ ولو بشكل سرّي وتحت الأرضة بقوّة معيّنة، وستدخل مرحلة ممارسة الكمون والانتظار إلى حين تغيّر الظروف وبالتالي يصبح بالإمكان الخروج على الواقع المفروض والنتافض عليه. ولكن هناك أيضاً من يقول إنّ التهديدات فعلية وحقيقية وتدخل في إطار الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة التي تولّدت بعد الحرب على غزة ولبنان، والتي تخلّت عن استراتيجية الردع لتتبنّى استراتيجية السحق والقضاء التام والمبرم على "الاعداء". وهذه الاستراتيجية الحقيقة باتت معتمدة من قبل رئيس حكومة الاحتلال ومن قبل حكومته، ولكن من غير المعروف إذا ما كانت هذه الاستراتيجية هي استراتيجية حكومة أم استراتيجية دولة، وعليه فإنّ نتنياهو وفريقه الذين يعتمدون استراتيجية السحق والقضاء التام على "العدو" لن يتوانوا عن القيام بعدوان جديد لسحق "حزب الله" خاصة إذا ما استذكرنا أنّ هدفهم الرئيسي إقامة "إسرائيل الكبرى" من الفرات إلى النيل، وأنّ هذا تراجع بفعل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، أنّ نتنياهو يرى في تجديد العدوان على لبنان يشكّل فرصة للانقلاب على كل الاتفاقات وخلط الأوراق من جديد. الجديد في المشهد هو دعوة رئيس الجمهورية جوزاف عون الجيش للتصدّي لأي خرق إسرائيلي ميداني في أي مكان من الأراضي اللبنانية، لأنّ ذلك من مسؤولية الدولة، التي تتحوّل بشكل تدريجي من دولة شاهدة على الاعتداءات إلى دولة مقاومة لتلك الاعتداءات، وهو محل إجماع لدى كلّ اللبنانيين.

الاستحقاق الانتخابي واحتمالات التأجيل!
كلمة الأمان العدد 1687 /29-10-2025

الجدل يحتدم بين القوى السياسية حول قانون الانتخابات النيابية في ظلّ الانقسام على مسألة انتخاب اللبنانيين المغتربين بين من يدعو إلى مشاركتهم بالانتخاب من خلال صناديق اقتراع توضع في السفارات والقنصليات اللبنانية المنتشرة في العالم، وبحيث ينتخب أيّ لبناني مغترب للمرشحين عن الدائرة المسجّل فيها قيد نفوسه، وبين من يدعو إلى انتخاب المغترب لمرشح عن الاغتراب، وبحيث يتم استحداث ستة مقاعد عن ست قارات، واللبنانيين المغتربين المسجّلين في هذه القارة ينتخبون أحد مرشحيها. وتفسيراً لهذا اللغط القائم، فإنّ قانون الانتخاب النافذ حالياً هو الذي يعتمد استحداث ستة مقاعد لست قارات، على أن يقوم اللبنانيون المغتربون الذين سجّلوا للانتخاب في هذه القارة أو تلك باختيار أحد المرشحين عن تلك القارة، وهكذا دواليك. بمعنى آخر، اللبنانيون المغتربون الذين سجّلوا في السفارات في القارة الأوروبية على سبيل المثال، ينتخبون في القنصيات والسفارات المعتمدة في القارة لأحد المرشحين عن القارة، وهكذا في بقية القارات. غير أنّ القانون لم يبيّن كيف سيصار إلى توزيع التمثيل الطائفي والمذهبي لهذه المقاعد، بمعنى آخر، المقعد المعتمد لقارة أورويا لأي طائفة يُعطى، والمقعد المعتمد لقارة آسيا أو أميركا أو غيرها لأي طائفة يُعطى؟ وهكذا، وبالتالي فإنّ الغموض هذا فتح نقاشاً وجدالاً يكاد يكون عقيماً ويعطّل الانتخابات. في مقابل ذلك تقدّم عدد من النوّاب باقتراح قانون لتعديل قانون الانتخاب بحيث يتمّ السماح للمغتربين الذين سجّلوا للاقتراع بالمشاركة وانتخاب من يريدون من المرشحين في القنصيات والسفارات المعتمدة ولكن للمرشحين الذين ترشّحوا عن الدائرة التي سجّل قيدهم فيها. على سبيل المثال المغترب الناخب المسجّل قيده في بيروت ينتخب المرشحين عن بيروت وفق القانون الانتخابي، كما لو أنّ السفارة أو القنصلية في أيّ من القارات بمثابة قلم اقتراع، شرط أن يكون قد سجّل للانتخاب في الوقت المخصّص وهو بالمناسبة ينتهي في تشرين الثاني. هذا التبيان والخلاف على انتخاب المغتربين بين القوى السياسية والكتل النيابية فتح نقاشاً حادّاً ويكاد يكون عقيماً بينها لأنّها تدرك أنّ المعركة الانتخابية بالنسبة لها على الصوت الواحد أو كما يقال على "المنخار"، وهي تدرك أيضاً أنّ الصوت المغتربي صوت مرجّح كان له تأثيره القوّي في انتخابات العام 2022، فبعض النوّاب نجح بأصوات المغتربين، وبعض الذين لم يحالفهم الحظ كان السبب في خسارتهم مشاركة المغتربين، وتظنّ بعض القوى السياسية أنّ الناخبين في الخارج غير أحرار في ممارسة حقّهم الانتخابي، وبالتالي تفضّل تخصيص ستة مقاعد للمغتربين حتى لا يكون تأثيرهم على 128 مقعداً، وفي طليعة الرافضين لتعديل القانون هو رئيس المجلس النيابي نبيه بري ومعه حزب الله وبعض القوى السياسية الأخرى، بينما تطالب قوى أخرى في مقدّمها القوات اللبنانية بتعديل القانون بحيث يصبح بإمكان المغتربين المشاركة بانتخاب كلّ النوّاب وليس ستة نوّاب فحسب. هل يهدّد هذا الجدال والنقاش إجراء الانتخابات ويفرض تأجيها؟ رئيس الجمهورية جوزيف عون أكّد أكثر من مرّة على ضرورة إجراء الانتخابات في وقتها الدستوري، وكذلك شدّد رئيس الحكومة نوّاف سلام، وكذلك رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، غير أنّ الأخير يرفض دعوة المجلس النيابي لعقد جلسة لمناقشة أي اقتراح قانون يدعو لتعديل القانون الانتخابي حتى يتيح التعديل مشاركة المغتربين بانتخاب كلّ النوّاب، ويتمسك بإحالة كلّ اقتراحات القوانين للنقاش في اللجان أولاً ومن ثمّ إحالتها إلى الهيئة العامة وهو ما ترفضه بعض الكتل النيابية على اعتبار أنّها تقدّمت باقتراح قانون ياخذ صفة "المعجّل" بينما الاقتراحات الاخرى لم تأخذ هذه الصفة، كما ترفض إحالة الاقتراح على اللجان، بل تدعو إلى طرحه على الهيئة العامة وهو ما يرفضه رئيس المجلس، وبالتالي فإنّ النقاش يحتدم وصولاً إلى مقاطعة بعض الكتل النيابية والسياسية جسلة المجلس يوم الثلاثاء من ضمن إصرارهم على ضرورة طرح اقتراح القانون على الهيئة العامة لتعديل القانون الانتخابي وهذا لم يحصل حتى الآن بل على العكس يهدّد بنسف الاستحقاق الانتخابي. نعم مصير الانتخابات النيابية على المحكّ سواء لناحية الخلاف العميق والعقيم حول القانون ومشاركة المغتربين أو لناحية التهديدات الإسرائيلية التي تزداد يومياً، لتبقى الأيام والأسابيع المقبلة لتجيب على هذه الأحجية!!

12345678910...