العدد 1655 /12-3-2025

خبَّاب بن مروان الحمد

* (توبة في رمضان): في هذا الشهر تتنزل رحمات الله، ويعتق سبحانه كثيرًا من عباده من النار، أعاذنا الله منها، فهو فرصة للعصاة والمذنبين والمقصرين في حقوق الله، وكلنا ذاك الرجل، للبداية بصفحة جديدة مع الله، وتوبة صادقة إليه، وإقلاع عن الذنوب والمعاصي والآثام.

* (مراجعة القرآن): شهر رمضان فرصة لمن تفلَّت منه حفظ القرآن، ليقوم بمراجعته آناء الليل وأطراف النهار، وليقوم به الليل، ويقرأه متدبِّرًا لما فيه من أحكام ومعانٍ، وقد كان حال سلفنا الصالح عجبًا في تأمل القرآن وختمه في هذا الشهر العظيم.

* (عمرة فيه تعدل حجة): من محاسن هذا الشهر أنَّ فيه فرصةً عظيمةً للمعتمرين؛ ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة"، فيا فوز وسعادة من فاز بأجر حجَّة في شهر رمضان إذا أدَّى العمرة خالصًا لوجه الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* (كسب المسلمين الجدد): في شهر رمضان فرصة سانحة لدعوة غير المسلمين وتأليف قلوبهم، وإشعارهم بعظمة هذا الدين، وصحَّة شريعته وبطلان الشرائع الأخرى، وقد شهد الكثير من الدعاة أنَّ أكثر وقت يُسلِم فيه غير المسلمين هو شهر رمضان، لما يرونه من تميُّز في هذه الشعيرة العظيمة، ومن سموِّ أحكامها وفضائلها، وتفاعل المسلمين معها.

* (تنقية القلوب): في هذا الشهر العظيم أيضًا فرصة لتجديد العلاقات الأخوية، وإعادة صلة ما قطعه القريب مع أقاربه بسبب خلاف أو شجار، فيستعيذ بالله من الشيطان، ويجعل قلبه سليمًا، لا غلَّ فيه ولا حقد ولا حسد، ويجدد علاقاته مع أقاربه وأرحامه وخلاَّنه على ميزان الشريعة، مع القيام بالحقوق التي افترضها الله من حقوق المسلم على المسلم، كما أنَّ من المهم استغلال هذا الشهر الكريم للإصلاح بين القلوب المتشاحنة، والأفئدة المتباغضة، ففي هذا أجر عظيم وفضل كبير كما هو معلوم.

* (طيب الكلام): في رمضان فرصة كبيرة لكي يتعلم المسلم ويعتاد على النطق بالألفاظ الطيبة، وترك الألفاظ القبيحة والإقلاع عنها، وعدم مبادلة الأسوأ بالأسوأ، وإنَّما بالأحسن والتغافل عن أخطاء الآخرين: "فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني امرؤ صائم" كما وجَّه إلى ذلك الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم.

* (التجديد والتغيير): فهذا الشهر الكريم فرصة مباركة ويانعة لمن يريد تجديد الإيمان والتغيير إلى الأفضل، وهو نقطة انطلاقة عمليَّة لإزالة الران عن القلوب؛ بسبب تراكم الذنوب، وهو فرصة لتطوير النفس والرقي بها بما يرضي ربَّها سبحانه وتعالى، لتدرك يقينًا أنَّها قد غيَّرت فعليًّا من مجرى حياتها إلى ما كانت تتوق إليه وتتمنَّى تطبيقه.

* (الصبر): يستطيع المرء من خلال هذا الشهر أن يتعلَّم في دورة مكثَّفة معانيَ الصبر الثلاثة، من الصبر على طاعة الله في صيام رمضان، ومن الصبر عن معاصي الله بالإقلاع عن قبيح القول والكلام وكل ما لا يُرضي الله في هذا الشهر الكريم، ومن الصبر على ما قدَّر الله وقضاه من فرض صيام هذا الشهر الكريم بالكمال والتمام، ورضي الله عن الأحنف بن قيس؛ الذي قيل له: "إنَّك شيخ كبير وإنَّ الصيام يضعفك" فقال: "إني أعده لسفر طويل، والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه".

* (قلَّة الاستهلاك): من فوائد هذا الشهر التقليل من المطاعم والمشارب، لا كما يفعله كثير من الناس؛ حيث يجلبون جميع الأشكال والألوان من المطاعم، وكأنَّه شهر أكل وشرب، بَيد أنَّ حقيقته التقليل من الأكل والشرب، والأخذ بمبدأ الاقتصاد في الطعام والشراب بلا شُحٍّ وبخل ولا إسراف ومخيلة، بل يكون وسطًا بين ذلك؛ لكي يكون الاستهلاك فيه مقنَّنا، وليس كل ما يشتهيه المرء يشتريه.

* (تربية الأولاد): فالأب المربي والأم المربية يستطيعان من خلال هذا الشهر بثَّ الفضائل في قلوب أولادهما، وهجر الرذائل، وتحبيب الصيام والقيام والقرآن لهم، بشتَّى الأشكال، وأنواع التشويقات، وما أحلاها من جلسة يجمع فيها الأب أولاده قبيل الإفطار بنصف ساعة، ويلقي عليهم درسًا مَّما يعلمه أو حتَّى من كتاب ميسَّر، ويشرح لهم ما لا يعلمونه، ثمَّ قبيل الأذان يرفع يديه هو وأولاده بالدعاء والتضرع وقرع أبواب السماء بجميع الأدعية المأثورة والطيبة.

* (الدعاء): من أفضل الأوقات التي يشعر فيها قلب المؤمن بالطمأنينة والسعادة ساعات المناجاة لله رب العالمين، وخصوصًا في شهر رمضان؛ الذي جاءت آية الدعاء من بين الآيات الحاثَّة على صيام هذا الشهر العظيم؛ تذكيرًا بأهميَّته في هذا الشهر، فيتوجب على المسلم ألاَّ ينسى نفسه وإخوانه المسلمين من دعوة صالحة صادقة يقوم بها داعيًا ربَّ العباد؛ لعلَّ الله تعالى يفرج عنه وعن جميع المسلمين همومهم وكروبهم.

* (الدخول إلى الجنَّة): فهذا الشهر الفضيل فرصة للصوَّم للدخول إلى الجنان، ولا ريب أنَّ للصائمين إيمانًا واحتسابًا بابًا يدخلونه إلى الجنَّة، وهو باب الريَّان، كما أنَّ الأجر العظيم ينتظرهم يوم القيامة؛ فإنَّ الصوم لله، وهو سبحانه وتعالى سيجزي عباده الصائمين الأجر الكبير.

* (شكر الله): في هذا الشهر فرصة لشكر الله تعالى، وخصوصًا إذا أطاع العبد ربه، واجتنب معاصيه وما يسخطه، فيحمد العبد ربَّه شاكرًا له من قلبه وبلسانه وبأفعاله على أن منَّ عليه بتلك الفضائل وجنَّبه الرذائل، كما قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: من الآية 185).

وأخيرًا.. فهذه فرص تلمَّستها بعد تأمُّل ذهني، أقدِّمها لإخواني المسلمين طيبةً جاهزةً، راجيًا الله أن يقوموا بالتقاطها والقيام بها وأدائها، وعَلِمَ الله الذي لا إله إلاَّ هو، ما من شهرٍ يمر على المسلمين أفضل أجرًا ولا أعلى ذكرًا ولا أكثر قربًا لقلوب المسلمين من هذا الشهر العظيم؛ الذي تُفتَّح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران، فهنيئًا لمن استغله بالطاعات، ويا لخسارة من فرَّط فيه، وأضاع حقوقه وواجباته ومقاصده.

لقد جمع هذا الشهر جميع ألوان العبادة، وشتَّى أشكال الروحانيَّة والتقرب إلى الله، فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

----------