العدد 1651 /12-2-2025

   الأستاذ عمر التلمساني

لحكمةٍ لا يعلمها إلا الله وحده، لأنه صاحب الأمر كله وهو منزل الكتاب، ما قرأنا كلمة الإنسان في القرآن، إلا والشر محيط به، والإثم فعله، والجهل صفته، والكفر خلته (إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)) (إبراهيم)، ممعن في الذنب حتى قال الله فيه (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17)) (عبس)، دائم البوار والخسار (إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)) (العصر). ولو ترك الأمر هكذا لكان مصير الإنسان، كل الإنسان إلى سقر. ولكن الله بعباده رءوف رحيم، وبخلقه بر كريم، فوضع العلاج الواقي والشافي للإنسان، فإن تناوله نجا، وإن أعرض عنه ضلَّ وغوى، ولئن كان الدواء المادي وضع للداء المادي، كذلك فإن الدواء المعنوي، الروحاني، الرباني، قد أُعدَّ بكل دقةٍ لأمراض النفوس، وعلل القلوب، فمن راض نفسه عليه، وأخلد بكل جوارحه إليه، بلغ المنتهى (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)) (العصر)، وكما يجد مرضى الأدواء المادية غضاضةً في تناول الدواء المر، كذلك يجد مرضى النفوس المعاناة والمكابرة في التمرس بالدواء الرباني؛ لأنه حرمان للنفس من كل نزواتها الخسيسة، وتطلعاتها الرخيصة، والنفس مولعة بكل ما مُنعت عنه.

أنواع الناس

إنسان تحلو في عينه المعصية، ويركن إلى النفس الأمارة بالسوء متبعًا هواها، ومتمنيًا من الله الأماني، دون عملٍ أو رغبة في عمل أو حتى تفكير في عمل، أوثقه الشيطان بحباله فهو لا يستطيع منه فكاكًا، واستهوته الدنيا بملذاتها وبهرجها، فركن إليها وظن أن ما لها من فناء، وغرَّه ماله، وغرَّه جاهه، وغرَّه سلطانه، وغرته قوته، فأخلد إلى كل ذلك، غافلاً عن يوم تُوفى فيه كل نفس ما اجترحت ويستجير بكل ما توهمه له مجيرًا، فإذا بالكل يهرب منه صائحًا به إني اليوم عنك مشغول.. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)) (الأعراف)، وما أتعس وما أشقى الإنسان أن يكون مثله كمثل الكلب، (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ) (الأعراف: من الآية 179).

وإنسان يمن عليه بكل ما يتمناه، فينساق في طريق الغواية، ويستصحب دعاة الضلالة، ويتمرغ في حمأةِ الإثم، ويطول به الأمد في الذنوب، ثم تدركه رحمة الله، فيفيق على لحظة، تدركه فيها العناية، فإذا به تائبًا مستغفرًا راجيًا منيبًا، فيلقى أبواب الرحمة مفتحة المصاريع وجنبات المغفرة واسعة الرحاب، فيغسل أدرانه بماء التوبة الطهور، فإذا به من الناجين (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55)) (الزمر).

فإذا استقرَّ بهم المقام في هذا المقام طالعته فيوضات الرضا، وظللته سحائب الرحمة وشملته أردية الوقاية الربانية فهو على ذكر دائم من ربه، في حصنٍ من مداومة البقاء في حضرته، والتجرد من غفلته، لا تكاد نفسه تهم بمعصية حتى يكفها ذكر الله، ولا يرد الوارد حتى يرده، ولا يجول الخاطر برأسه حتى ينكره، ولا يساوره الهم بالمعصية حتى يفت في عضضه أنس الرجاء، ورجفة الخوف من الكبير المتعال، ولا يحاول أن يشرع حتى ينصرف لأنه تذكر فسلم، فآمن فنجا، (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)) (الأعراف).

أباطيل..

فأين أنت أيها الأخ المسلم من هذا البهاء؟!! على مثل هذا الجلال جمعنا إمامنا الشهيد حسن البنا المرشد الأسبق للإخوان المسلمين، في مثل هذه المجالس كان يتخولنا بالنصيحة فيعي القلب، وتهتز العاطفة، وتصفو النفس، وينطلق الأخ المسلم، إلى كل مجالات الحياة عاملاً تحفظه نصائح مرشده، وتوجهه تعليماته، فإذا به العامل المخلص النظيف الفذ، المتميز الممتاز.

وتحسب أنك جرمٌ صغيرٌ                وفيك انطوى العالم الأكبر

قل لي بربك، هل كان حسن البنا وهذه تعاليمه وتوجيهاته، تعاليمه التي لم يبتدعها من عندياته، ولكنه كان يسوقها مدعمةً بالآيات، مبرهنًا عليها بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، هل كان يدعو إلى صراعٍ دموي؟ هل كان ينادي بالقطيعة والتفرقة بين الطبقات؟؟ هل يمكن أن تقيم هذه التعاليم عميلاً للاستعمار، أو تعد عميلاً للقصر، أو تهيئ خادمًا للإقطاع؟؟ ما بال خصوم هذه الدعوة في أباطيلهم مقيمون؟!! إنما يؤدي إليه التمسك بدعوة الإخوان المسلمين، والحق والانتصار له، والوقوف إلى جانبه والدفاع عنه، والتضحية في سبيله، فهل يلام أو يتهم أو يقاوم من يتمسك بالحق ويظهره ويدعو إليه (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) (الكهف:29).

لقد مرَّت المحن بالإخوان كالحةً معربدة، فما زادتهم في دينهم إلا يقينًا، وما زادتهم بدعوتهم إلا تمسكًا واستبسالاً ولماذا تتوالى عليهم المحن؟؟ إنها سنّة الدعوات الصادقة التي لا تُرضي هنا ولا هناك، لماذا لا ينتصرون في كفاحهم؟؟ وهل بعد إقبال الشباب الطاهر على دعوة الإخوان المسلمين، هذا الإقبال المنقطع النظير من نصر وانتصار؟؟! إننا لا ندعو الناس لكي نصل إلى الحكم على أكتافهم، ولا نبصرهم لدينهم لمغنم دنيوي هزيل عن طريقهم، إننا ندعوهم ليقيموا أمةً قويةً عزيزةً طاهرة، وها هم اليوم يأخذون بأطراف الدعوة من كل حدبٍ وصوب فما بالنا لا نحمد الله أن نصل دعوته، ورأينا الناس يدخلون تحت لوائها أفواجًا؟!! لماذا لا نحارب من حاربنا، ولا نقابل الشر بالشر، ونتحمل الضربات القاسيات في صبرٍ واحتساب؟

ذلك لأننا لو أردنا شرًّا لاستطعناه، فما أيسر تخريب جسرٍ هنا أو قنطرة هناك!!! وما أسهل النسف لمَن أراد فسادًا، وما أقرب الاغتيال لمَن أراد ضلالاً! إننا لا نلقي الشر بالشر ولا نؤمن بقبول المبطلين إذ يقولون أن تلقي الشر بالشر يتحسن، ولكننا نريد أن نقيم قاعدةً إسلاميةً راسخة، ونريد أن نرى رأيًا إسلاميًّا عارمًا، يقول فيُستمع له، ويصمد فيُنتظر منه القول.. نريد أن نوجد أمة قوية الشأن، عالية المقدار، عزيزة الجانب موحدة الصف، ونريد أن نقيم ذلك كله على أساسٍ من الحكمة المستبصرة والموعظة المنتجة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا نريد أن نصل إلى تحقيق أهدافنا عن طريق القهر والغلبة، وانتصار فريق على فريق.

لا ندعي أستاذية

وليس في ذلك من امتيازٍ على أحد، وليس لنا فيه من جهد نادر، ولكن (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ) (النساء: من الآية 70)، إننا لا ندعي أستاذيةً لأحد، ولكننا نحمل المصباح كما تحمله المشكاة ينير للدارسين، ويهدي الحائرين، آخذًا بيد المكفوفين، العاجزين، ليقبل الناس علينا أفواجًا، فما لذلك عندنا من اعتداد (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) (الأعراف: 178)، أو ليغض الناس عنا انغضاضًا، فما لذلك عندنا من نقوص (قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ) (الأنعام: من الآية 91)، من أجل هذا اعتدى علينا طلاب الدنيا، ومن أجل هذا تآمر علينا أعداء الإسلام، ومن أجل هذا جنا علينا كل من ليس في قلبه ذرة من إيمان: ولو أن الله أراد بهؤلاء وأولئك خيرًا، لأرهفوا السمع ولفتحوا العيون، واستمعوا إلى نداء الله الكريم (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32)) (الأحقاف).

هذا بعض ما وعيناه في جلسات طاهرات مع إمامنا الشهيد، فهل آن للمتحاملين أن يكفوا وللمتآمرين أن ينتهوا، وللمتربصين أن يتبينوا، وللمترددين أن يحزموا فيقدموا؟!! ألم يأن لقساة القلوب أن تلين قلوبهم لذكر الله وما جاءهم من الحق؟؟ ألم يأن للذين يخافون على رزقٍ أو يتوقون بشرًا إبقاءً على حياة، أن يؤمنوا بأن الأمر كله لله، ولن يقع في ملكه إلا ما يريد؟!! إنني أعني بما أكتب للناس عامةً، والشباب خاصةً، فالشباب هم الذين نصروا محمدًا عليه الصلاة والسلام، من سن الرابعة عشرة كعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وسمرة بن جندب، وابن عفراء الأبرار، وعلي بن أبي طالب، وإلى سن الخامسة والعشرين كعمر بن الخطاب والزبير بن العوام وشباب المدينة الأطهار، تعالوا إلينا يا شباب، لن نحرضكم على أحد ولن نبغضكم في أحد ولن نحارب بكم أحدًا، ولكننا نجمعكم على الخير والقوة والتقوى والفلاح، اجتمعوا علينا ليقوى بكم جانب المسلمين، لتحافظوا على هذا الدين ولتدفعوا عنه كيد الكائدين، في قولٍ طيبٍ وكلمةٍ رقيقة، وخلق رفيع، وأدبٍ جم ورجولة منيعة، وثبات كالصخرة الصيخود، ترتد عنها الأعاصير كلمى هزيلة، إلى دينكم يا شباب، إلى ربكم.

هذا هو نداء الإخوان المسلمين لكم، لا يريدون منكم جزاءً ولا شكورًا وليس لكم إلا الله.