العدد 1700 /28-1-2026

عثمان المختار

بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفضه الصريح عودة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة الجديدة، والتلويح بعقوبات وعزلة سياسية واقتصادية على العراق في حال الإصرار على هذا الخيار، دخل المشهد السياسي في بغداد مرحلة غير مسبوقة من التعقيد، إذ أعاد الموقف الأميركي، الذي خرج من الإطار التقليدي إلى التحذير العلني بصيغة الإملاءات والتهديد، رسم خطوط حمراء أمام الائتلاف الحاكم، "الإطار التنسيقي"، وبات يفرض عليه إعادة حساباته المتعلقة بتسمية المالكي لرئاسة الحكومة، في توقيت لا يمكن فصله عن التحشيد العسكري الأميركي في المنطقة.

وحذّر ترامب، الثلاثاء، من عودة نوري المالكي (75 عاماً) لرئاسة الحكومة الجديدة، مؤكدا أن "الولايات المتحدة لن تساعد العراق"، في حال عودة الأخير للمنصب الذي سبق وأن شغله بين عامَي 2006 و2014. وكتب ترامب على موقع "تروث سوشال"، "أسمع أن دولة العراق العظيمة قد تتخذ خياراً سيئاً للغاية من خلال إعادة نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء"، مضيفاً أن المرة الأخيرة التي كان فيها في السلطة تسبب في انتشار الفقر والفوضى بالبلاد وأنه "لا ينبغي السماح بتكرار الأمر مرة أخرى".

وشرح ترامب مفاعيل الرفض الأميركي أنه "بسبب سياساته وأيديولوجيته الجنونية، إذا جرى انتخابه، فإنّ الولايات المتحدة لن تساعد العراق"، محذراً من أنه إذا لم تكن بلاده موجودة للمساعدة، فإنّ "العراق ليس لديه فرص للنجاح والازدهار أو الحرية"، واختتم بجملة "اجعل العراق عظيماً مرة أخرى".

هذا التطور جاء بعد موقفين مماثلين من وزير الخارجية ماركو روبيو، والسفير الأميركي والمبعوث الخاص إلى سورية توم براك، خلال الثماني والأربعين ساعة الأخيرة، حيث حذرا بغداد من تشكيل "حكومة خاضعة للنفوذ الإيراني"، لكن بدون تسمية المقصود أو ما ما إذا كان رفضا للمالكي بشكل شخصي. وقال برّاك: "فيما يتعلق بالعراق، يظل موقف الولايات المتحدة واضحاً: فالحكومة التي تنصّبها إيران لن تكون ناجحة، لا لتطلعات العراقيين أو السوريين إلى مستقبل أكثر إشراقاً، ولا لشراكة فعّالة مع الولايات المتحدة". وجاءت تصريحات برّاك بعد يوم واحد من رسالة مماثلة قدمتها واشنطن للعراق خلال اتصال لوزير الخارجية ماركو روبيو مع رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني.

وحذّر روبيو من تشكيل حكومة تخضع لنفوذ إيراني، قائلاً إن "حكومة تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تضع مصالح العراق الخاصة في المقام الأول بنجاح، ولا أن تُبقيه خارج الصراعات الإقليمية، ولا أن تُعزز الشراكة ذات المنفعة المتبادلة بين الولايات المتحدة والعراق".

ماذا يعني الرفض الأميركي للمالكي؟

عملياً لا يبدو أن الرفض الأميركي يستهدف المالكي بشخصه فقط، بقدر ما يطاول نموذجا كاملا من الحكومات المتتالية ارتبط خلال السنوات الماضية بتغوّل الفصائل، على حساب تآكل مؤسسات الدولة، واتساع رقعة الفساد المالي والإداري. ومع اقتران التحذير الأميركي بالحديث عن عقوبات محتملة، باتت المخاوف لا تتعلق بتشكيل الحكومة الجديدة وحدها، بل بمستقبل الاقتصاد العراقي ككل، وصولا إلى تدخّل واشنطن في إعادة رسم المشهد السياسي العراقي، حيث يمكن ربط إصرار المسؤولين الأميركيين على رفض دخول الفصائل المسلحة أو تمثيلها بالحكومة والضغط تجاه ملف تفكيكها.

وعلى التوالي علّق عضوا مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، وجو ويلسن على إعلان ترامب رفض حكومة يرأسها المالكي بالعراق، إذ قال غراهام، في تعليق له على رفض الرئيس الأميركي لإعادة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة إنه "محق تماما". مضيفا: "لقد كنت شاهداً على رئاسة المالكي للوزراء - وهي كارثة كاملة على جميع الأطراف المعنية، لك الحق في إبداء رأيك، لأن مبدأ (أميركا أولاً) يقتضي وجود شركاء موثوقين في دول مهمة كالعراق. لا يزال العراق يمتلك إمكانات هائلة، ومستقبله بيد الشعب العراقي. مع ذلك، أعتقد أن هذا سيكون انتكاسة كبيرة للعلاقات العراقية الأميركية. سيدي الرئيس، أنت محق في إبلاغ العراق بأن لأميركا مصالحها الخاصة التي يجب حمايتها".

فيما علّق جو ويلسن على تصريحات ترامب بالقول إنه "لن يُتسامح بعد الآن مع النفوذ الإيراني في العراق. لقد ولّى عهد فرض رؤساء الوزراء على العراق من قِبل جهات خارجية"، معتبرا أنه يجب وجود "رئيس حكومة لخدمة مصالح الشعب العراقي فقط. لقد انتهى عهد التضحية بثروات العراق وسيادته واستقراره لخدمة أجندات خارجية". وذكر ويلسن أن الحكومة الجديدة يجب أن تحقق مطلب "نزع سلاح وتفكيك جميع الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران بالكامل في غضون ستة إلى اثني عشر شهرا، والتصدي للفساد وغسل الأموال بشكل فوري ومنهجي في جميع أنحاء العراق دون استثناءات، ويجب إنشاء قضاء مستقل حقاً، ولا يجوز أن يتأثر القضاء بأي حزب أو فصيل سياسي، ويجب قطع النفوذ الإيراني في الشؤون العراقية، وإبعاد جميع المستشارين والعملاء والوكلاء الإيرانيين عن العراق وعن جميع المؤسسات العراقية". واعتبر أن المبعوث الأميركي الخاص للعراق مارك سافايا بأنه يؤدي "دوراً حاسماً في مساعدة العراق على استعادة سيادته واستقراره وقوته الوطنية. لا مزيد من النفوذ الإيراني في العراق".

ثلاثة خيارات لـ"الإطار التنسيقي"

خيارات محدودة وصعبة أمام الائتلاف الحاكم، إذ أن الإصرار على ترشيح المالكي والمضي بإجراءات منحه الثقة، يعني الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، تشمل عقوبات اقتصادية لن تقتصر هذه المرة على كيانات وأفراد، بل ستطاول مؤسسات حكومية، وتفاقم من أزمة العراق المالية التي يواجهها منذ أسابيع بفعل تراجع أسعار النفط عن السقف المحدد لسعر البرميل الذي حددته الموازنة المالية وهو 70 دولارا.

في المقابل فإن التراجع والبحث عن مرشح بديل، سيفتح الباب أمام صراعات داخلية بين قوى الإطار، وتحديدا بين جناح يميني يتبنى خطابا متشددا تجاه واشنطن، أبرزهم هادي العامري، وهمام حمودي، وأبو آلاء الولائي، ونوري المالكي، والمعسكر الآخر الذي بات يتصدره حاليا عمار الحكيم، وحيدر العبادي. وبالمحصلة؛ فإن إملاءات أميركية مباشرة ستكون على شكل الحكومة عموما وحتى المسار السياسي العراقي القادم.

ويبرز سيناريو دخول البلاد في فراغ دستوري جديد، إذ إن تجاوز البرلمان مهلته المحددة لانتخاب رئيس جمهورية وتكليف المالكي بتشكيل الحكومة، لغاية عصر يوم غد الخميس، يعني أن العراق دخل فعليا في الفراغ الدستوري، بينما يستمر رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، بحكومته التي باتت عمليا حكومة تصريف أعمال وبلا صلاحيات كاملة.

من جانبه، يرى الخبير بالشأن السياسي العراقي أحمد النعيمي أن التعامل المتوقع من الإطار التنسيقي هو إرجاء الاستحقاقات بحثا عن كسب مزيد من الوقت، واصفا الرفض بأنه لا يمكن أخذه على محل شخصي إنما مرحلة تعامل أميركية جديدة مع القوى الحاكمة بالعراق. واعتبر أن "الخيارات الموجودة حاليا ثلاثة؛ إما المضي ببقاء المالكي مرشحاً ومواجهة واشنطن، وهو احتمال ضعيف جداً ومُكلف، أو اختيار مرشح تسوية آخر يتم تقديمه وحتى في هذا الخيار، سيكون لواشنطن لاءآت كثيرة تتعلق بالحكومة وأبرزها استبعاد تمثيل الفصائل المسلحة منها. والخيار الثالث وهو الأقرب بالفترة الزمنية الحالية، هو عدم حسم الأمور وتأخير تسمية رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى حيث وقت غير معلوم، وهو أسلوب معروف عند الطبقة السياسية بالعراق وسبق أن دخل العراق بفترات فراغ دستوري استمرت أشهر عديدة".

وقال الباحث في شؤون العلاقات العراقية الإيرانية، فراس إلياس، إن "العزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية هي السيف الذي سيسلطه ترامب على الطبقة السياسية الحاكمة في العراق، فأما عراق خارج عباءة النفوذ الإيراني، أو دولة فاشلة ومعزولة عن العالم". وأضاف في تعليق له على منصب إكس: ترامب يعرف بأن الوضع في العراق لا يستدعي حلولا عسكرية متطرفة، مثل ما حدث مع حزب الله في لبنان أو السيناريو المرسوم لإيران، ولذلك لوح بإيقاف الدعم السياسي والاقتصادي عن العراق في حال وصول المالكي لرئاسة الحكومة، لأنه يعلم بأن رفع الغطاء الأميركي عن النظام السياسي في العراق، يعني إصدار الحكم بموت هذا النظام الذي أنتجته الولايات المتحدة بعد عام 2003".