العدد 1700 /28-1-2026

عادل نجدي

يستعد المغرب لإجراء انتخابات برلمانية في الربع الأخير من العام الحالي، في ظل تحولات لافتة على المشهد السياسي بإقرار قوانين انتخابية جديدة، وإعلان زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الائتلاف الحكومي الحالي عزيز أخنوش، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس الحزب. وبينما يرى مراقبون أن تشريعيات 2026 في المغرب لن تكون مجرد محطة دورية في المسار السياسي، بل لحظة فارقة قد تعيد تشكيل الخريطة الحزبية، تبدو انتخابات المغرب المقبلة فرصة لقيادة حزب "العدالة والتنمية" الذي كان قائد الائتلاف الحكومي السابق، من أجل تحسين تموضعه السياسي، وربما العودة إلى قلب الفعل المؤسساتي والانتدابي (التمثيلي الانتخابي).

وحرصت قيادة "العدالة والتنمية" الإسلامي، الذي ترأس الحكومة المغربية لولايتين متتاليتين قبل أن يُمنى بأكبر انتكاسة انتخابية في تاريخه بحلوله في المركز الثامن خلال انتخابات 2021، بـ13 مقعداً فقط من أصل 395 في البرلمان، على امتداد الأسابيع الماضية، على بعث رسائل تدل على ارتفاع منسوب التحدي السياسي لديها، وذلك بإعلان استعدادها للعودة إلى صدارة المشهد الانتخابي.

وفي وقت تثار فيه تساؤلات عدة حول حظوظ الحزب الإسلامي في النزال الانتخابي المقبل ومدى جاهزيته التنظيمية وتماسكه الداخلي لاستعادة موقعه المتقدم في المشهد الحزبي، في ظل تراجع وهجه الانتخابي منذ نكسة الثامن من سبتمبر/ أيلول 2021، وما عاشه من أزمة داخلية، كان ملفتاً للانتباه بعث الأمين العام لـ"العدالة والتنمية" عبد الإله بنكيران، في العديد من المناسبات، رسائل إلى من يهمه الأمر، عنوانها الرئيس سعي الحزب لتصدر انتخابات المغرب في 2026. كان آخر هذه الرسائل خلال اللقاء التواصلي مع الهيئات المجالية (الإقليمية) للحزب بجهة (إقليم) مراكش آسفي، في السابع من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إذ أعلن بنكيران حينها أن التنافس على المرتبة الأولى في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سينحصر بين "العدالة والتنمية" و"التجمع الوطني للأحرار"، مؤكدا أن "المغاربة يرون أن حزبنا هو الأول، ونحن أيضاً نرغب في أن نصبح كذلك".

صعوبة التنبؤ بنتائج الانتخابات

ووفق أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الأول في سطات عبد الحفيظ اليونسي، فإنه يصعب التنبؤ بنتائج الانتخابات المغربية لاعتبار موضوعي، يتمثل بأن صندوق الاقتراع ليس المحدد الأساسي لمعرفة النتيجة، بل هناك عوامل مؤثرة أخرى مرتبطة بالسياق المغربي مؤسساتياً وسياسياً الذي يتفاعل مع متغيرات المحيط الإقليمي والدولي، بالإضافة إلى طبيعة الممارسة المؤسساتية بالمغرب، المؤطرة بقوانين انتخابية تعطي للسلطة إمكانيات كبيرة في ضبط النتائج وتحول دون اكتساح أي حزب سياسي.

وأوضح اليونسي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن حزب العدالة والتنمية "استعاد على المستوى الذاتي ديناميته السياسية، غير أنه تنظيمياً ما زال متأثراً بعشر سنوات من التدبير الحكومي (رئاسة الحكومة من 2011 إلى 2021) وأثره على العلاقات البينية بالحزب". وفي رأيه، فإن هذا الأمر "كان له تأثير على آلته الانتخابية وأيضاً على قاعدته الانتخابية المحافظة التي يبدو أنه استعاد جزءاً كبيراً منها". ومن المؤكد، وفق اليونسي، أن "الحزب سيحسن موقعه الانتخابي، خصوصاً في عدد الأصوات وفي عدد المقاعد بمجلس النواب، فيما يبقى احتلال المرتبة الأولى وقيادة الحكومة أمراً مستبعداً، لكنه ليس مستحيلاً". في هذا السياق، نبّه اليونسي إلى أن خطر العزوف الانتخابي الذي يهدد الاستحقاقات المقبلة يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في النتائج التي سيحصل عليها الحزب.

من جهته، رأى عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية حسن حمورو، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن انتخابات المغرب لعام 2026 "ستجري في سياق بدأت تظهر ملامحه". وأوضح أن هذا السياق يتعلق بغياب الرهان السياسي وانعدام العروض السياسية (التحشيد) التي يمكن أن تشكل موضوع سجال وتنافس يستقطب المواطنين ويحفزهم على المشاركة المكثفة". وأشار حمورو في الوقت نفسه إلى "وجود تحديات وانتظارات خلقتها مستجدات تتعلق بالتحولات الدولية، ومنها مستجدات التعاطي الدولي مع النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء، بعد أن أصبح الحكم الذاتي مرجعاً أممياً حظي بقبول أغلبية ساحقة من أعضاء مجلس الأمن (أكتوبر/ تشرين الأول 2025)".

وقال حمورو إن "تحليل الأحداث والتصريحات في المشهد السياسي الوطني يكشف عن أن هناك طرفين أساسيين سيتصارعان على حصد أكبر عدد من المقاعد التي تسعى القوانين الانتخابية إلى تسقيفها (تحديدها)، هما حزب رئيس الحكومة الحالي (التجمع الوطني للأحرار)، وحزب الأصالة والمعاصرة (جزء من الائتلاف الحكومي) المقرب من دوائر معينة في السلطة". وفي توضيح للتنافس بين هذين الحزبين، بيّن حمورو أن الذي يجري حالياً تحت عناوين مختلفة، هو عملية إنهاك الطرفين بعضهما بعضاً، وتجريد بعضهما بعضاً من عناصر القوة قبل الوصول إلى الانتخابات. واعتبر أنه في ظل هذا المشهد "يبرز حزب العدالة والتنمية محفزاً في العملية، وهو يناضل استعداداً للانتخابات، ويحاول تحقيق أهداف ذاتية تتعلق بترميم أداته التنظيمية وتأهيلها لخوض الانتخابات". ورأى أن غاية حزب العدالة والتنمية هي "الخروج من مأزق 13 مقعداً وتقوية حضوره في مجلس النواب المقبل".

رهانات "العدالة والتنمية"

وأشار حمورو إلى أن تداخل رهانات حزب العدالة والتنمية الذاتية والانتخابية والخلافات العميقة داخل بنيته القيادية ستجعل مشاركته الانتخابية مرتبكة. وفي رأيه، "كل ذلك يصعب الحديث عن تصدر العدالة والتنمية للانتخابات المقبلة، لكنه سيتجاوز مأزق 13 مقعداً وسيعزز حضوره بعدد من المقاعد يقوي به أداءه في المعارضة". وتوقع أنه "قد يتم إشراك الحزب في الحكومة وفق حسابات سيفرضها الصراع بين أخنوش والطرف الآخر المكوّن من الأصالة والمعاصرة وتوابعه". يُذكر أن الائتلاف الحكومي حالياً يتكوّن من حزب "التجمع الوطني للأحرار" وحزب "الأصالة والمعاصرة" (ليبرالي)، وحزب "الاستقلال" (محافظ)، بالإضافة إلى وزراء تكنوقراط، بعد تعديل 2024 الذي رفع عدد وزراء الحكومة من 24 إلى 30 وزيراً، إضافة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش.

انتخابات غير سهلة للمعارضة

من جهته، قال أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس حفيظ الزهري، لـ"العربي الجديد"، إن نتخابات المغرب المقبلة لن تكون سهلة أمام أحزاب المعارضة، موضحاً أن "حزب العدالة والتنمية الذي يحاول إعادة ترميم صفوفه والاستيقاظ من صدمة انتخابات 2021، التي أثرت بشكل كبير على وضعيته التنظيمية، ينتظر أن يواجه ميدانياً آلة انتخابية متمرسة". هذه الآلة الانتخابية تنتمي خصوصاً، وفق الزهري، للأغلبية الحكومية التي قد تحافظ على مكانتها ضمن المراتب الأولى.

وأوضح أن ذلك لا يعني أن "العدالة والتنمية" لن يتسلق مراتب داخل المشهد الحزبي لما بعد انتخابات 2026، إذ من المنتظر أن يحصل على فريق (يدعمه) بمجلس النواب، وذلك لقدرته على الاستثمار في أخطاء التحالف الحكومي، ما يجعله قادراً على كسب أصوات انتخابية جديدة "أغلبها ستكون عقابية ضد أحزاب الحكومة". لكن في رأي الزهري، فإن ارتباط الحزب باسم زعيمه عبد الإله بنكيران لن يعيده إلى المشهد السياسي المغربي بتلك القوة التي يطمح إليها، كما أنه لن يشارك في الحكومة المقبلة وقد يحتاج لسنوات لترميم صفوفه. بدوره، رأى المحلل السياسي المتخصص في دراسة الحركات الإسلامية بلال التليدي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن حظوظ "العدالة والتنمية" في الانتخابات المقبلة ترتبط بسياقات أوسع "تتجاوز حيوية الحزب وجاهزيته وتجاوزه لأزمته، إلى سياقات التنافسية والقوانين المؤطرة للانتخابات المقبلة وطبيعة المناخ الإقليمي والدولي".

وشدد على أن "ما يتعين التأكيد عليه هو أن الضوابط والمعايير التي يمكن أن نتوقع بها فوز أي حزب تختلف"، موضحاً أن "هناك معياراً مرتبطاً بالمشهد السياسي، أي التنافسية الموجودة بداخله، وهناك معيار القوانين الانتخابية، فضلاً عن طبيعة المناخ الإقليمي والدولي". وبيّن أنه "إذا احتكمنا إلى المعيار الأول، فيمكن القول إن العدالة والتنمية أكثر نشاطاً وحيوية مقارنة بالأحزاب الأخرى، أما إذا احتكمنا إلى معيار القوانين الانتخابية، فيمكن القول إنه في الوقت الذي يشير فيه تاريخ المغرب السياسي إلى أن التقطيع الانتخابي (الدوائر الانتخابية) والقوانين الانتخابية يكون لها أثر في تحديد من يتصدر المشهد السياسي، إلا أن مجرد رفض وزير الداخلية (عبد الوافي لفتيت) لجميع التعديلات التي تقدم بها العدالة والتنمية، يبين أن القوانين الانتخابية المؤطرة لانتخابات 2026 لن تكون بأي حال مفيدة لمصالح الحزب".

أما بالنظر إلى أبعد من ذلك وقراءة البعد الدولي والإقليمي، بحسب التليدي، وهو "أمر مركزي يحدد مزاج السلطة السياسية ويؤثر في القوانين الانتخابية، فيمكن القول إن الواقع الدولي والإقليمي حالياً لا يرفض الإسلاميين فقط، بل يعاديهم". ورأى أن "كل المؤشرات، باستثناء مؤشر الدينامية الذاتية، لا تدعم تصدر الحزب للانتخابات المقبلة"، معتبراً أنه "يمكن أن يحصل تحسن نسبي في عدد المقاعد، وإن كان الأمر مشكوكاً فيه، على اعتبار أن العلاقة بين الدولة والحزب ليست على ما يرام". لكن إجمالاً، بحسب التليدي، يمكن القول إن "حظوظ الحزب في تصدر المشهد السياسي غير قائمة، وإنه في أحسن الأحوال قد يكون هناك تحسن نسبي".

قانون الانتخابات

واستعداداً لتشريعيات 2026 كان مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي) قد أقر في العاشر من ديسمبر الماضي، بالأغلبية، مشروع قانون تنظيمي رقم 53.25 يقضي بتغيير وتتميم (تكميل) القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والذي يندرج في سياق وضع الإطار التشريعي المؤطر للعمليات الانتخابية المقبلة. ويبقى من أبرز المقتضيات التي جاء بها القانون الجديد منع الأشخاص المتابَعين بارتكاب جرائم، أو الصادرة بحقهم أحكام بالإدانة، وأيضاً الأشخاص الذين تم عزلهم من مهام انتدابية (تمثيلية)، من الترشح لعضوية مجلس النواب. ونص أيضاً على مراجعة مقتضيات حالات التنافي (تضارب المناصب) التي تم اعتمادها بمناسبة الانتخابات العامة لسنة 2021، وذلك عبر إعادة فتح إمكانية الجمع بين العضوية في مجلس النواب ورئاسة مجلس عمالة أو إقليم أو مجلس جماعة كبرى يفوق عدد سكانها 300 ألف نسمة.

من جهة أخرى، أقر القانون مقتضيات تروم تجديد النخب السياسية داخل البرلمان من خلال تشجيع الشباب دون 35 سنة بحوافز مهمة لخوض غمار الانتخابات، وذلك بمنحهم حق الاستفادة من دعم مالي عمومي يصل إلى 75% من المصاريف الانتخابية للحملات، سواء كانوا مرشحين من دون انتماء حزبي أو ضمن لوائح حزبية. كذلك شدد القانون الجديد العقوبات ضد كل من يستعمل الذكاء الاصطناعي أو الوسائط الرقمية لبث أخبار زائفة أو لتشويه سمعة المرشحين، في حين تم رفع سقف العقوبات الحبسية (السجن) والغرامات الثقيلة على أفعال مثل كسر صندوق الاقتراع، ودخول قاعة التصويت بالعنف، والتزوير في محاضر التصويت أو الفرز، وشراء الأصوات والذمم عبر تقديم هدايا أو تبرعات بقصد التأثير على الناخبين.