العدد 1691 /19-11-2025

الشيخ الدكتور علي الصَّلابي.

المُقَدِّمَة.

تعيش جماعة الإخوان المسلمين منذ عِدَّةِ سنوات تحت واحدة مِنْ أعنف الحملات في تاريخها المُمتَد لِنَحوِ قَرنٍ مِنَ الزمان. حملة تتداخل فيها اعتبارات سياسية واستراتيجية ودينية وإقليمية ودولية، حتى باتت الجماعة نفسها ميدانًا لِصِراعٍ بين مشاريع كبرى:

- المشروع الصهيوني العالمي.

- المشروع الأمريكي–الغربي للشرق الأوسط الجديد.

- الأنظمة الإقليمية الاستبدادية.

- حِلف رأس المال العالمي.

وفي المقابل، تَمُرُّ الجماعة داخليًا بلحظة ضعف وانقسام وتراجع سياسي وتنظيمي وإعلامي، جعلتها غير قادرة على تحويل رصيد تاريخها وتضحياتها إلى قوةٍ استراتيجيةٍ تَحمِيها مِنْ موجات التَّجريم والشَّيطَنة.

هذه الدراسة تقدم قراءة استراتيجية–شرعية شاملة لمعركة التجريم الحالية، وتُجِيب على أسئلة أساسية:

- لماذا يريد الغرب والصهيونية تجريم الإخوان الآن؟

- هل الإخوان «كبش فداء» لتأسيس الشرق الأوسط الجديد؟

- هل تراجُع الإخوان، هو سبب نجاح هذه الحملات؟

- ما المآلات المتوقعة إذا اكتمل مسار التجريم؟

- ما الذي يمكن استدراكه؟

- وهل يمكن للجماعة أنْ تعود لاعِبًا مركزِيًا؟

- وما التوجيه الشرعي للشباب الغاضب والحائر بين النقد والدفاع؟

الدراسة لا تدافع عن الإخوان دِفاعًا عاطِفِيًّا، ولا تهاجمهم نقدًا جائِرًا، بل تقدم تفسيرًا موضوعيًا عميقًا لحقيقة ما يَجري، ثُمَّ ترسم خارطة طريق متكاملة، سياسية وشرعية وفِكرية وشبابية، يمكن أنْ تضع الجماعة –والحركات الإسلامية عمومًا – على طريق النهضة مِنْ جديد.

الفصل الأول: السِّياق الدولي والإقليمي لمحاولات تجريم الإخوان:

١- الخلفية الأمريكية–الغربية.

شهدت الولايات المتحدة منذ 2016 صعود تيار يميني شعبوي متحالف بالكامل مع الصهيونية المسيحية، يعتقد أن الإسلام السياسي – وليس التطرف فقط – يمثل تهديدًا للهوية الغربية، وبالتالي يضغط باتجاه:

- تجريم جماعة الإخوان عالميًا.

- اعتبارها «منظمة إرهابية عابرة للحدود».

- تجفيف منابع العمل الإسلامي المدني والخيري.

هذا التيار يستند إلى:

- لوبيات فكرية ضخمة.

- مراكز أبحاث مؤثرة تمويل إماراتي–سعودي– صهيوني.

- تحالفات أيديولوجية مع اليمين الديني الإنجيلي.

لذلك، ما يُصَرِّح به ترامب أو يُصدِرُهُ حُكَّام ولايات مثل تكساس، هو نتاج تراكم طويل، وليس قرارًا عابرًا.

٢- السياق الصهيوني.

إسرائيل لديها ثلاثة أهداف مركزية وراء استهداف الإخوان:

- ضرب أي مشروع إسلامي مُنَظَّم، يُقَدِّم رؤية بديلة لمشروعها تجريم الحركات المقاومة التي لها جذور إخوانية (حماس).

- ضرب الحاضنة الشعبية المقاومة في العالم الإسلامي عبر تشويه مرجعيتها.

نتنياهو حين يشيد بتحركات ترامب ليس يجامل، بل يتحدَّث باعتباره المهندس الأيديولوجي لمشروع تجريم الإسلام السياسي عالميًا.

٣- السياق العربي.

معظم الأنظمة العربية ترى في الجماعة تهديدًا وجوديًا لأسباب:

- الإخوان يقدمون بديلًا سياسيًا حقيقيًا لهم.

- لديهم قاعدة شعبية واسعة.

- خطابهم يتقاطع مع قِيَمِ التَّحَرُّر مِنَ الاستبداد.

- بعض فروعهم تدعم المقاومة (خصوصًا فلسطين).

لذلك تسارع الأنظمة إلى تصنيف الإخوان «إرهابيين» لكي:

- تضرب الداخل.

- تُرضي أمريكا.

- تحصل على «شهادة حسن سلوك» في مشروع الشرق الأوسط الجديد.

هل الإخوان كبش فداء

الفصل الثاني:

لمشروع الشرق الأوسط الجديد؟

الجواب: نعم، وبشكل واضح جدًا.

لماذا الإخوان؟

- لأنَّ مشروع الشرق الأوسط الجديد – بصورته الصهيونية–الأمريكية – يقوم على:

- تكريس إسرائيل مركزًا إقليميًا.

- تطبيع شامل بلا مقاومة.

- إسلام منزوع السياسة.

- شعوب مستهلَكة بلا مشروع.

- أنظمة قوية أمنيًا وضعيفة سياسيًا.

- تجريم كل أشكال المقاومة.

وبذلك تصبح الإخوان:

- مانِعًا فكريًا.

- مانِعًا شعبيًا.

- مانِعًا سياسيًا.

- مانِعًا تعبويًا.

- مانِعًا مقاوِمًا (عبر امتداد حماس وغيره).

لذا تُستَخدَم الجماعة كـ"قربان" لاختبار مدى استعداد العالم لقبول حظر الإسلام السياسي كليًا.

وإذا نجح العالم في قبول ذلك، فسيتم الانتقال إلى استهداف أوسع:

- العمل الدعوي.

- الجمعيات الخيرية.

- المساجد.

- التنظيمات الشبابية.

وبهذا يصبح الإخوان أول حجر دومينو في مشروع أكبر بكثير من مجرد تنظيم.

الفصل الثالث:

أزمة الإخوان الداخلية ودورها في نتائج المعركة. هذه الدراسة لا تكتفي بتفسير «قوة الخصم» بل تُقَيِّم أيضًا «ضعف الذات».

١- أزمة القيادة والانقسام.

من أكبر مشكلات الجماعة اليوم:

- انقسام القيادات.

- تعدد مراكز القرار.

- غياب مرجعية موحّدة.

- ضعف روح المبادرة.

- تضارب الخطاب.

- وضعف الرؤية المستقبلية.

لخصوم لا يخشون «تنظيمًا ضعيفًا»، ولذلك ينجحون في الهجوم لأنَّ الجبهة الداخلية للإخوان منقسمة ومرهقة.

٢. التكلس التنظيمي.

نموذج الإخوان الكلاسيكي الذي صُمِّمَ في الأربعينيات والخمسينيات لم يَعُد مناسبًا اليوم لعدة أسباب:

- تحولات الدولة الحديثة.

- الرقمنة.

- الثورة الإعلامية.

- تغير طبيعة التنظيم والعمل الشبابي.

- التَّحَوُّل مِنَ السِّرِّيَةِ إلى الشفافية.

- تغيّر أجيال الأعضاء.

- عدم تجديد هذا النموذج جعل الإخوان في كثير من الأحيان غير قادرين على التفاعل مع المتغيرات الكبرى.

٣- غياب المشروع العالمي.

رغم أنَّ الإخوان حركة عالمية، فإنَّ:

- خطابهم عالمي.

- انتشارهم عالمي.

- تأثيرهم عالمي.

لكن مشروعهم العالمي لم يعد مفعّلًا بالشكل المناسب.

لا يوجد:

- مركز استراتيجية عالمي.

- جهاز إعلام دولي.

- فريق قانوني دولي.

- خطاب موحد بلغات العالم.

وهذا منح خصومهم فرصة السيطرة على السردية الدولية.

٤- ضعف إدارة الملفات الحساسة.

قضايا مثل:

- العلاقة مع الغرب.

- العلاقة مع المقاومة.

- التصنيفات القانونية.

- التمويل.

- الشفافية.

- اللوبي السياسي.

لم تُدار بالطريقة التي تتناسب مع خطورة المرحلة.

الفصل الرابع:

المآلات المتوقعة إذا استمر مسار التجريم.

إذا استمرت الولايات المتحدة وأوروبا في مسار تجريم الإخوان، فالنتائج ستكون خطيرة:

١- تجريم المجتمع المدني الإسلامي سيطال هذا:

- الجمعيات.

- مراكز الدراسات المساجد.

- المؤسسات الخيرية النشطاء.

بذريعة «صلة محتملة بالإخوان».

٢- ضرب الإسلام السياسي moderate سيؤدي ذلك إلى:

- إضعاف الإسلاميين الوسطيين.

- تعزيز التيارات المتشددة.

- إغلاق المجال السياسي تمامًا.

٣- تصفية الحركات المقاوِمَة.

الهدف البعيد هو:

- تجفيف منابع حماس.

- شيطنة القوى المقاوِمَة في المنطقة.

- منع أي صعود لتيارات التحرر الإسلامية.

٤- تكريس أنظمة وظيفية.

التصنيف سيمنح الأنظمة العربية شِيكًا على بياض لقمع أي قوة شعبية.

٥- أزمة هوية للمسلمين في الغرب.

سيشعر ملايين المسلمين أن هويتهم السياسية موضوعة تحت التجريم.

الفصل الخامس:

القراءة الشرعية المقاصدية لمعركة التجريم.

١- الأصل الشرعي: الدفاع عن الحق والعدل.

قال تعالى:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ هود 113

وقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾النساء 135

الظُّلم إذا عَمَّ ولم يواجهه العلماء والمُصلِحُون، أصبح سُنَّة عامَّة.

٢- مشروعية الدفاع عن الجماعات الدعوية–السياسية السلمية.

كل جماعة تدعو للإصلاح، لا تُمارِس العُنف، وتَلتَزِم بِالسِّلمِيَّة:

- لا يجوز شرعًا اتهامها بالإرهاب دون بَيِّنَة.

قال النبي ﷺ: «لو يُعطى النَّاس بدعواهم لادَّعَى رِجالٌ دِماءَ قومٍ وأموالهم».البيهقي في السُّنَنِ الكُبرى(252/10) في صحيح البخاري- باب ..البَيِّنَة على مَنْ ادَّعى واليمينُ على مَنْ أنكَر...

الشَّرعُ يَقِفُ مع:

- العدل.

- الشفافية.

- التوثيق.

- مقاومة أخذُ النَّاس بِالظُّنُون.

٣- واجب العلماء والحركات الإسلامية.

المقاصد الشرعية تَفرُض:

- حماية الدِّين.

- حماية العقل.

- حماية النفس.

- حماية الدعوة.

- حماية الحقوق المدنية.

وتصنيف الإخوان كإرهاب يضرب هذه المقاصد كلها.

٤- المقاربة المقاصدية.

المقاصد تلزمنا بالآتي:

- تمييز الخلاف الدعوي عن الخلاف السياسي.

- التفريق بين أخطاء الأفراد وأصل المشروع.

- جَمعُ الأُمَّة وعدم تفريقها.

- مواجهة الظلم بنَفَسٍ إصلاحي.

- بناء الشَّراكات لا الخصومات.

الفصل السادس:

النسخة المُبَسَّطَة للشباب ماذا يعني هذا الصراع لك؟

١- لماذا يتم استهداف الإخوان؟

لأنَّهم يُمَثِّلُونَ:

- "فكرة الإسلام الشامل.*

- مشروعًا سياسيًا.

- دعمًا تاريخيًا للقضية الفلسطينية.

- رمزًا للتَّحَرُّر مِنَ الاستبداد.

٢- هل الحركة مثالية بلا أخطاء؟

لا.

لديها أخطاء في الإدارة والسياسة والتنظيم.

لكن تجريمها يعني:

- تجريم الإسلام السياسي كله.

- تجريم العمل الدعوي.

- تجريم المقاوَمَة.

- تجريم حرية التنظيم.

٣- ما المطلوب مِنَ الشباب؟

- إدراك السِّياق.

- تَجَنُّب التَّعميم.

- عدم الانسياق وراء حملات الشيطنة.

- دعم الإصلاح الداخلي.

- الجَمعُ بين النَّقد والنُّصرَة.

- قراءة الواقع بوعي لا بعاطفة.

٤- هل يمكن للمشروع الإسلامي أنْ يَنهَض؟

نعم… إذا اجتمع:

- الوعي.

- الإصلاح.

- القيادة الجديدة.

- الشفافية.

- الخِطاب العالمي.

- التجديد الفِكري.

الفصل السابع: خارطة الاستدراك العملية ما الذي يجب فعله الآن؟

أولًا: إصلاح داخلي شجاع.

- توحيد القيادة.

- المحاسبة الداخلية.

- ضخ دماء جديدة.

- مراجعة منهج الإدارة.

- معالجة الانقسامات.

- مراجعة تجربة العقدين الماضيين.

ثانيًا: بناء مشروع عالمي جديد.

- مركز تفكير عالمي (Think Tank)

- مركز إعلام دولي.

- فريق قانوني عالمي.

- منصة خطابية بلغات العالم.

ثالِثًا: استراتيجية إعلامية مضادة.

- إنتاج رواية عالمية.

- وثائقيات.

- حملات شبابية.

- خطاب غربي متخصص.

- تفكيك الرواية الصهيونية.

رابعًا: تحالفات واسعة:

- مع العلماء.

- مع منظمات حقوق الإنسان.

- مع الحركات المعتدلة.

- مع تيارات العدالة الاجتماعية.

- مع الشتات الإسلامي في الغرب.

خامسًا: الشفافية وإدارة الأموال.

- نشر تقارير مالية.

- حوكمة كاملة.

- فصل السياسة عن التمويل الخيري.

- بناء مصداقية عالمية.

سادسًا: رؤية جديدة للمقاومة.

دعم المقاومة بوضوح لكن ضمن إطار:

- قانوني.

- سياسي.

- إعلامي.

- دبلوماسي.

سابعًا: إدماج الشباب في القيادة.

- برامج إعداد قيادي.

- فتح المجال للمبادرات.

- تمكين الشباب فكريًا وتنظيميًا.

الخاتمة.

المعركة ضد الإخوان ليست معركة ضد تنظيم محدد، بل هي معركة ضد:

- حَقُّ الأُمَّة في التنظيم،

- وحقها في مشروع بديل،

- وحقها في مقاومة الاستبداد والاحتلال.

تجريم الإخوان

هو خطوة ضمن مشروع أكبر لإعادة تشكيل المنطقة بِما يَخدُم إسرائيل والأنظمة الوظيفية، وبِما يَمنَع أي نهضة إسلامية أو مشروع مُقاوِم أو إصلاحي.

لكن الجماعة نفسها تَتَحَمَّل جُزءًا مِنْ مسؤولية ضعفها الحالي، بسبب انقساماتها وأزماتها الداخلية وعدم مواكبة العصر.

المستقبل ليس مُغلَقًا، بل مفتوح لِمَنْ يَملُك:

- وعيًا استراتيجيًا.

- إصلاحًا داخليًا.

- قيادة جديدة.

- خِطابًا عالميًا.

- مشروعًا جامِعًا للأُمَّة.

وإذا استطاعت الجماعة ومعها الحركات الإسلامية أنْ تستدركَ مواطِن الخَلل، وتُعِيد بِناء مشروعها على أُسُسٍ جديدةٍ، فإنَّ مرحلة جديدة مِنَ النهضة قد تبدأ.