العدد 1698 /14-1-2026
عادل صبري
لم يمر على
موافقة الكيان الاسرائيلي على اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر، مدة أسبوعين،
حتى أوفدت تل أبيب مجموعة من الخبراء لإعادة التفاوض مع المسؤولين بالقاهرة، على
مبادئ تسمح لدولة الكيان بخفض كميات الغاز المقررة وفقا للاتفاق، وفقا لحالة
الاستهلاك والطلب الداخلي التي تحتاجه. وبحسب التسريبات التي نشرتها الصحف
الإسرائيلية والمصرية خلال اليومين الماضيين، فإن المباحثات، ستجري مع المسؤولين
بوزارة البترول والأجهزة السيادية في مصر، وذلك بعد حسم الاتفاق الذي ينص وفقا
لتصريحات رئيس حكومة الاحتلال نفسه بنيامين نتنياهو على تدفق الغاز الطبيعي من
آبار البحر المتوسط إلى الشبكة المصرية بقيمة 35 مليار دولار.
طبقا للمؤشرات
المعلنة من الشركتين المالكتين للآبار نيوميد إنيرجي الإسرائيلية وشيفرون الأميركية،
فإن الاتفاق يقضي ببيع 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر على فترة زمنية تنتهي
عام 2040، دون تحديد لحجم التدفقات التي قدرتها أطراف مصرية وإسرائيلية من قبل،
بنحو 2.1 مليار قدم مكعبة يوميا اعتبارا من الصيف المقبل، بما يمكن مصر من مواجهة
أزمة محروقات حادة، تدفعها إلى تأمين احتياجات أخرى من الغاز المسال تقدر بنحو 8.5
مليارات دولار خلال العام الجاري فقط.
رغم عدم إفصاح
الطرفين عن كافة تفاصيل الاتفاق المبرم في أغسطس 2024، وحتى موعد الاحتفاء به في
الكنيست الإسرائيلي نهاية ديسمبر 2025، فإن هذه النوعية من الاتفاقات، تضمن للطرف
المورد وقف الإمداد أو خفضه في حالة القوة القاهرة، في حالات الحروب والأعطال
المفاجئة بالآبار فقط، أما رغبة تخفيف الأحمال عندما يشعر الطرف الاسرائيلي بأنه
في حاجة إلى المزيد من الغاز، وفقا لتقديرات محلية، فهذه خطوة للوراء، تعكس حالة
الابتزاز التي تعرضت لها من مصر خلال النصف الثاني من العام الماضي، حينما تحولت
"صفقة الغاز الكبرى والأكبر في التاريخ" وفقا لتصريحات نتنياهو، إلى
صفقة للابتزاز السياسي لمصر وحكومتها وشعبها.
تثبت عودة
اسرائيل عما اتفقت عليه، بأن أزمة الغاز في مصر لم تعد مجرد خلل في احتياطي
المحروقات يسبب نقصا في توليد الطاقة وتشغيل المصانع، بل تحولت إلى مرآة تعكس
واقعا لعجز سياسي عن اتخاذ قرار سيادي طويل الأجل. فالدولة المصرية التي أعلنت قبل
سنوات قليلة أنها خرجت من عنق الزجاجة، وأصبحت مركزا إقليميا للطاقة، تجد نفسها
اليوم مدفوعة نحو أكبر صفقة استيراد غاز في تاريخها، في سرية وصمت مطبق يليق
بالهزيمة التي تلقاها أمام مفاوض مبتز لا بالإنجاز التي حققته من ورائها. فالصفقة
التاريخية التي سيتحمل الشعب المصري دفع قيمتها بنحو 35 مليار دولار مع عدوه
التاريخي، لم تعرض على الرأي العام، ولم تشرح بنودها ولم يناقش أثرها الحقيقي على
حجم الدين الخارجي أو الداخلي، ولا على ميزان المدفوعات ولا مستقبل استقلال قرار
متعلق بأمر الطاقة والتصنيع والإنتاج الوطني.
اكتفت الحكومة
بالصمت وكأن الأمر شأن فني لا يمس الأمن القومي المصري، وهو في الحقيقة قرار سياسي
ثقيل الكلفة وليس مجرد عقد تجاري يجري بين شركاء متشاكسين.
الأخطر ليس في
الصفقة في حد ذاتها، بل في السياق الذي وقعت فيه، منذ بدايتها الأولى عام 2019،
حيث حجبت كل تفاصيلها عن البرلمان وأجهزة الإعلام، وبعد تطويرها عام 2025، علقت
شهورا، استخدمتها تل أبيب ورقة ضغط، لإعادة التفاوض على الأسعار، وفرضت أولوية
قصوى لسوقها المحلي، ثم وقعت حين ضمنت كل ما تريد، ومع ذلك يطلب من المصريين تصديق
أن هذه "الصفقة الكبرى" طوق نجاة للاقتصاد المصري ومنقذة لحياة
المصريين، الأمر الذي دعا الخبراء والمختصين يتساءلون: أي إنقاذ هذا والدولة التي
تستورد الغاز بشراهة وبكميات تزيد عن ثلث احتياجاتها اليومية لا تتحكم في الصمام،
وأي مركز إقليمي للطاقة تتبوأه إذا كان الغاز يأتيك مشروطا بإرادة حكومة أخرى
تديرها عصابة اليمين الصهيوني المتطرف التي تسعى إلى تدمير الدول العربية وإعادة
تقسيم المنطقة إلى دويلات تتحكم فيها عسكريا وسياسيا واقتصاديا.
لقد مرت صفقة
الغاز بضغوط من الولايات المتحدة، التي لعبت دور الضاغط لإتمام الاتفاق، مع ذلك لم
تخف دوافعها، التي استهدفت بها حماية استثمارات شركة شيفرون الأميركية، وتأمين
إمدادات الغاز المسال إلى أوروبا، لمنع عودتها للغاز الروسي، فمصر هنا ليست طرفا
متكافئا، بل حلقة في سلسلة مصالح أميركية- إسرائيلية متجذرة، يراد لها أن تعمل
بصمت وتدفع الثمن بالدولار. وهنا تقع المفارقة الفادحة، بينما تشدد الدولة على
المواطنين بإلغاء دعم الطاقة والسلع الأساسية وتفرض التقشف ورفع الدعم، فإنها لم تتردد في توقيع التزامات طاقة طويلة الأجل،
قد تقيد الأجيال المقبلة، دون أن يسمح للشعب بمناقشة أو البرلمان بممارسة رقابة
برلمانية حقيقية على الصفقات التي سيتحمل وزرها بما يغيّب أي شفافية ويغيب قيمة للحساب، وحق المجتمع في معرفة لماذا تحولت مصر
من مُصدّر للغاز حتى عام 2021 إلى دولة مستوردة لثلث احتياجاتها اليومية!
الأخطر في الأمر
أن الاعتماد المتزايد على الغاز الإسرائيلي لا يحمل فقط مخاطر سعرية، على
المحروقات أو المنتجات الصناعية التي يدخل الغاز مكوناً أساسياً في إنتاجها، مثل
الأسمدة والبتروكيميائيات ومواد البناء وصناعات الحديد والمعادن والصناعات
الاستراتيجية، بل يخلق ابتزازا سياسيا مستداما للدولة. فأي توتر في غزة أو خلاف
إقليمي أو تغير في حسابات تل أبيب الداخلية يمكن أن يتحول فوراً إلى تهديد مباشر
لمحطات الكهرباء والوقود والصناعة والوظائف وحياة المصريين كافة.
هذه ليست صفقة
شراكة طاقة بل مقايضة سيادة باستقرار مؤقت، وإن كانت الحكومة ترى في ذلك "حلا
واقعيا" لتوفير احتياجات البلاد من الغاز بتكلفة أقل من قيمة شراء صفقات
الغاز من السوق الدولية كما يردد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي وقيادات وزارة
البترول، فعليهم أن يملكوا شجاعة الاعتراف بأن مشروع "مركز الطاقة
الإقليمي" فشل بظروفه الحالية، وأن الاعتماد على التصدير لن يصنع للمصريين
أمنا في مجالات الطاقة، بل يؤجل انفجار الأزمة لأوقات تالية، قد تحدث غدا عندما
تقطع تل أبيب الإمدادات عن مصر أو بعد غد حينما لا يتوافر النقد الأجنبي لشراء
الغاز المسال من السوق الدولية.
الأمر يستدعي أن
توفر الدولة البدائل السريعة لضمان استقرار الطاقة، بما لديها من إمكانات مالية،
وهذا لن يتحقق إلا بإصلاح شامل للاقتصاد المتدهور، وأن تتعامل الحكومة مع صفقة
الغاز بشفافية مطلقة مع الشعب، فالمسألة ليست ترفا بل واجب، لأن الغاز ليس مجرد
وقود بل شريان اقتصاد، ومن لا يملك قراره فيه لن يكون له قرار أصلا.