العدد 1665 /28-5-2025

لم تكن ساعات يوم الثلاثاء في غرب مدينة رفح جنوبي قطاع غزة عادية، إذ تحوّل "مركز توزيع المساعدات" الأميركي الإسرائيلي إلى ساحة من الفوضى والارتباك، وسط إجراءات أمنية مشددة، وإطلاق رصاص من قبل جيش الاحتلال الذي أدى إلى سقوط شهداء، واعتقال عدد من الفلسطينيين. وفي وقت زعمت مؤسسة "غزة للإغاثة الإنسانية" أن فصائل المقاومة الفلسطينية عرقلت وصول الناس إلى نقاط استلام المساعدات، مما دفعها لتغيير موقع التسليم، نفى المكتب الإعلامي الحكومي هذه الاتهامات، واصفاً عمل المؤسسة بأنه "أجندة أمنية".

في التفاصيل، وبينما تجمّع مئات الفلسطينيين عند ما يُعرف بـ"النقطة المشتركة" لتسلّم مساعدات غذائية، كانت الإجراءات الأمنية الصارمة في المكان– أبرزها أخذ بصمات العيون – تثير امتعاضًا واسعًا في صفوف الأهالي. تلك المشاهد ترافقت مع انتشار جنود الاحتلال، وتحليق طائرات مروحية في محيط النقطة، قبل أن يُبلّغ عن اعتقالات في صفوف الشبان، وسماع طلقات تحذيرية أطلقتها قوات الاحتلال في الهواء، واقتحام السكان لموقع التسليم وتدمير جزء منه، من أجل الحصول على المساعدات، كما أفادت وسائل إعلام فلسطينية.

ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مصادر قولها إنّ الموقع تعرّض للتدمير واقتُلِع السياج المحيط به، فيما فرّ المسلحون التابعون للشركة الأمنية الأميركية المشغّلة للموقع هاربين من المكان. ويُنظر إلى هذا التطور بوصفه مؤشراً إضافياً على فشل مشروع توزيع المساعدات وفق رؤية واشنطن وتل أبيب، التي تشكّل جزءاً من خطة الاحتلال لإعادة تنظيم القطاع جغرافياً وسكانياً عبر مسارات إنسانية خاضعة لرقابة أمنية صارمة.

ووصف المكتب الإعلامي الحكومي، في بيان له، ما يُسمّى "مواقع التوزيع الآمن" بأنها "ليست سوى غيتوهات عازلة عنصرية" أُقيمت تحت إشراف الاحتلال، في مناطق عسكرية مكشوفة ومعزولة، وتُعد نموذجاً قسرياً لـ"الممرات الإنسانية" المفخخة، التي تُستخدم كغطاء لتمرير أجندات الاحتلال الأمنية، وتُكرّس سياسة التجويع والابتزاز، لا سيّما في ظل المنع الممنهج لدخول المساعدات عبر المعابر الرسمية والمنظمات الدولية المحايدة".

3 شهداء بجريمة الاحتلال في رفح

وفي بيان لاحق، أكد المكتب الإعلامي الحكومي أنه "في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الدموي، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة مكتملة الأركان في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، راح ضحيتها 3 شهداء مدنيين، وأُصيب 46 آخرون بجراح متفاوتة، فيما لا يزال 7 مواطنين في عداد المفقودين، وذلك خلال تجمّعهم داخل ما يُسمى "مراكز توزيع المساعدات" التي يديرها الاحتلال ضمن ما يُعرف بـ"المناطق العازلة"، حيث أطلقت قواته الموجودة في أو بمحيط تلك المناطق الرصاص الحي في اتجاه المدنيين الجوعى الذين دعتهم للحضور لاستلام مساعدات وهم الذين دفعتهم الحاجة الماسة إلى الغذاء للذهاب إلى تلك المواقع".

وفي الوقت الذي ادعت جهات إسرائيلية تسبب "عناصر من الفصائل الفلسطينية" في الفوضى، خرج المكتب الإعلامي الحكومي في غزة ببيان نفى فيه بشكل قاطع تلك المزاعم، واتهم مؤسسة "غزة للإغاثة الإنسانية" (GHF) – وهي الجهة التي تدير عمليات التوزيع بدعم إسرائيلي – بأنها "تتستر خلف شعارات الحياد الإنساني بينما تنفّذ أجندة أمنية مباشرة تخدم أهداف الاحتلال".

البيان الصادر عن المكتب الإعلامي الحكومي كشف، وفق وصفه، عن "الحقيقة الموثقة" التي تقف خلف مشهد الانهيار: سوء إدارة من قبل المؤسسة المنفذة، وتدفق غير منظم لآلاف المواطنين المحاصَرين تحت ضغط الجوع، في ظل تغييب كامل لدور المؤسسات الأممية مثل أونروا، واعتماد الاحتلال على شركة خاصة قال البيان إنها تحوّلت إلى "أداة في يد المنظومة العسكرية الإسرائيلية". وأبرز ما جاء في البيان هو الاتهام المباشر للمؤسسة المذكورة بـ"الاستيلاء على شاحنات مساعدات تابعة لإحدى المنظمات الدولية، وتحويل وجهتها إلى نقاط توزيع خاضعة لرقابة الاحتلال"، وهو ما اعتُبر "خرقًا للعمل الإنساني وتضليلًا للجهات المانحة".

وأوضح البيان أن "استمرار المؤسسة الأميركية الإسرائيلية في ترديد مزاعم الاحتلال وتبنّي روايته أفقدها عملياً مصداقيتها وحيادها المزعوم، ويُحمّلها هي والاحتلال المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن التغطية على جريمة الإبادة الجماعية الجارية، التي تُمارَس ضد أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة، من خلال قطع شامل للغذاء والدواء والماء والوقود عن القطاع كلياً".

وذكر البيان أن "المؤسّسة المذكورة قامت، وبدعم مباشر من سلطات الاحتلال، بالاستيلاء على عدد من شاحنات المساعدات التابعة لإحدى المنظمات الإنسانية الدولية العاملة في قطاع غزة، بعد أن جرى تضليل تلك المنظمة وإيهامها بأن المساعدات ستُسلّم داخل القطاع على نحوٍ رسمي ومنسّق، إلا أن ما جرى لاحقاً هو أن ما تُسمّى (شركة غزة GHF)، وبحماية الاحتلال، قامت بتحويل هذه الشاحنات إلى مركز التوزيع الخاص بها في ما يُعرف بالمناطق العازلة، وشرعت بتوزيعها على المدنيين الذين أُنهكوا بفعل الحصار والتجويع الممنهج. إن ترويج هذه المؤسسة لروايات مشوّهة بعد هذه الجريمة لا يُمكن القبول به، ويُشكّل تزويراً للحقائق ومشاركة الاحتلال في تضليل الرأي العام الإنساني".

هذه الخطوات كانت وزارة الداخلية في غزة قد حذرت منها في بيان أمس الاثنين، وقالت إنها مرتبطة بمخطط إسرائيلي أوسع، مضيفةً أن الاحتلال يسعى لـ"استخدام المساعدات في إطار عمل أمني استخباري، عبر آلية مشبوهة تهدف إلى ابتزاز المواطنين بمقايضة لقمة العيش بالمعلومات الأمنية، مستغلاً بصمات العيون وتقنيات حديثة". وأضافت أن هذه "الآلية الالتفافية"، على حد وصفها، تمثّل محاولة إسرائيلية لإعادة توزيع السكان جغرافيًا في القطاع، وربطت ذلك بمخطط التهجير الذي تقول الحكومة في غزة إن الاحتلال يسعى إلى فرضه منذ أشهر.

ودعت وزارة الداخلية المواطنين إلى "عدم التجاوب مع الآلية الإسرائيلية" التي ترى فيها "تهديدًا لكرامتهم وأمنهم"، محذّرة في الوقت ذاته من التعرض لشاحنات المساعدات عند دخولها من المعابر، في ظل محاولات الأجهزة الشرطية تأمينها رغم الاستهداف الإسرائيلي لمقراتها وعناصرها.

من جهتها، قالت حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" إن "مشاهد اندفاع الآلاف من أبناء شعبنا داخل المركز الذي خُصّص لتنفيذ الآلية الاحتلالية لتوزيع المساعدات، وما رافقها من إطلاق الرصاص الحيّ على المواطنين الذين توافدوا إلى مركز التوزيع تحت ضغط الجوع والحصار، تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشك فشل هذه الآلية المشبوهة التي تحوّلت إلى فخّ يُعرّض حياة المدنيين للخطر، ويُستغل لفرض السيطرة الأمنية على قطاع غزة تحت غطاء المساعدات".

وأوضح البيان أن "هذه الخطة صُمّمت خصيصًا لتهميش دور الأمم المتحدة ووكالاتها، وتهدف إلى تكريس أهداف الاحتلال السياسية والعسكرية، والسيطرة على الأفراد لا إلى مساعدتهم، ما يُعدّ خرقًا صارخًا للقانون الإنساني الدولي". وأضاف أنّ ما يُسمّى بـ"مواقع التوزيع الآمن"، التي تُقام في مناطق عازلة، ليست سوى نموذج قسري لـ"ممرات إنسانية" مفخخة، يجري من خلالها إهانة المتضرّرين عمدًا، وتحويل المعونة إلى أداة ابتزاز ضمن مخطط ممنهج للتجويع والإخضاع، وسط استمرار المنع الشامل لإدخال المساعدات عبر المعابر الرسمية، في انتهاك واضح للشرعية الدولية.