العدد 1696 /31-12-2025
الدكتور حسن العاصي
الدكتور حسن العاصي
منذ عقود طويلة، ظلّت القضية الفلسطينية تتصدّر
المشهد الدولي بوصفها واحدة من أعقد النزاعات في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد
العسكرية، والسياسية، والإنسانية، والقانونية. وإذا كانت صور القصف والدمار في
غزة، واعتقالات الفلسطينيين في الضفة الغربية، والاغتيالات التي تطال القيادات
والنشطاء، هي ما يملأ شاشات الأخبار ويشدّ انتباه الرأي العام، فإن هناك مساراً
آخر يجري بصمت، بعيداً عن الأضواء، لكنه لا يقل خطورة عن الحرب المفتوحة، بل ربما
يفوقها أثراً على مستقبل الأرض والإنسان الفلسطيني. هذا المسار هو سياسة مصادرة
الأراضي الفلسطينية وتوسيع المستوطنات الإسرائيلية، التي تُنفّذ بشكل تدريجي
ومنهجي، تحت غطاء تشريعات داخلية إسرائيلية، وبحماية مباشرة من الجيش، في مخالفة
صارخة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ عدد المستوطنين
الإسرائيليين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تجاوز اليوم 700 ألف
مستوطن، موزعين على أكثر من 279 مستوطنة وبؤرة استيطانية، وهو رقم تضاعف عدة مرات
منذ اتفاقيات أوسلو في التسعينيات. هذه المستوطنات لا تُبنى في فراغ، بل على حساب
أراضٍ فلسطينية مصادرة، تُقتطع قطعة بعد قطعة، لتتحول القرى والمدن الفلسطينية إلى
جزر معزولة محاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية، في مشهد يهدد عملياً إمكانية
قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.
القوانين الإسرائيلية الداخلية، مثل "قانون
تنظيم المستوطنات" لعام 2017، شرّعت عملياً الاستيلاء على أراضٍ خاصة يملكها
فلسطينيون، ومنحت غطاءً قانونياً للبؤر الاستيطانية غير المرخّصة سابقاً.
إن ما يحدث ليس مجرد توسع عمراني أو نزاع على
ملكية أراضٍ، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويل المدن
والقرى إلى جزر معزولة، محاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية، بحيث يصبح من الصعب
تصور قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. هي إستراتيجية سياسية طويلة الأمد تهدف إلى
إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في فلسطين التاريخية، بحيث يصبح الوجود
الفلسطيني محاصراً ومفتتاً، وتغدو فكرة الدولة الفلسطينية مجرد وهم. وبينما ينشغل
العالم بمشاهد الحرب في غزة، يجري في الضفة الغربية والقدس مسار "صامت"
قد يؤدي في النهاية إلى محو الهوية المكانية الفلسطينية بالكامل، لنصحو يوماً على
واقع لا نجد فيه مدينة فلسطينية واحدة متماسكة، ولا قرية قائمة بذاتها، بل مجرد
تجمعات صغيرة محاصرة وسط بحر من المستوطنات.
البعد التاريخي للاستيطان في فلسطين
منذ بدايات المشروع الصهيوني في أواخر القرن
التاسع عشر، ارتبطت فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بمفهوم الاستيطان.
الحركة الصهيونية التي نشأت في أوروبا اعتمدت على مقولة شهيرة "أرض بلا شعب
لشعب بلا أرض"، وهي مقولة شكلت الأساس الأيديولوجي لتبرير الهجرة المنظمة إلى
فلسطين، رغم أن الأرض كانت مأهولة بشعبها الفلسطيني منذ قرون طويلة.
مع الانتداب البريطاني على فلسطين بعد الحرب
العالمية الأولى، بدأت موجات الهجرة اليهودية تتزايد بشكل ملحوظ. ففي الفترة بين
عامي 1920 و1947 وصل إلى فلسطين أكثر من نصف مليون مهاجر يهودي، بدعم مباشر من
سلطات الانتداب التي وفرت لهم الأراضي والغطاء القانوني. هذه الهجرات أسست البنية الأولى
للمستوطنات الزراعية والصناعية التي شكلت لاحقاً قاعدة الدولة الإسرائيلية.
الأطر القانونية والتشريعية للاستيطان
إذا كان الاستيطان في بداياته قد اعتمد على الهجرة
المنظمة والدعم السياسي من القوى الاستعمارية، فإن المرحلة اللاحقة اتخذت طابعاً
أكثر مؤسساتية، حيث وفرت الدولة الإسرائيلية منظومة قانونية وتشريعية متكاملة
لتبرير التوسع الاستيطاني وإضفاء شرعية داخلية عليه، رغم مخالفته الصريحة للقانون
الدولي. هذه الأطر القانونية لم تكن مجرد نصوص جامدة، بل أدوات فاعلة لتغيير
الواقع على الأرض، وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى مساحات قابلة للمصادرة والبناء
الاستيطاني.
من أبرز هذه الأطر ما يُعرف بسياسة "أراضي
الدولة". منذ عام 1979، بدأت السلطات الإسرائيلية بإعلان مساحات واسعة من
الضفة الغربية كأراضٍ تابعة للدولة، استناداً إلى تفسير خاص للقوانين العثمانية
القديمة التي كانت سارية قبل الانتداب البريطاني. هذا التفسير سمح باعتبار الأراضي
غير المزروعة أو غير المسجلة رسمياً ملكاً للدولة، وبالتالي قابلة للتخصيص لصالح
المستوطنات. ووفق تقارير منظمات حقوقية، فإن هذه السياسة أدت إلى مصادرة أكثر من
900 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما يقارب 16% من مساحتها.
الأبعاد الديموغرافية والجغرافية للاستيطان
من الناحية الديموغرافية، تشير تقارير الأمم
المتحدة إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تجاوز 700
ألف مستوطن حتى عام 2024، موزعين على أكثر من 279 مستوطنة وبؤرة استيطانية. هذا
الرقم يعكس تضاعفاً هائلاً مقارنة بما كان عليه الوضع قبل ثلاثة عقود، حيث لم
يتجاوز عدد المستوطنين في بداية التسعينيات نحو 200 ألف. النمو السكاني في
المستوطنات يفوق بكثير النمو الطبيعي في المجتمع الإسرائيلي، إذ يُشجَّع
المستوطنون على الانتقال إلى الضفة الغربية عبر حوافز اقتصادية مثل تخفيض أسعار
الأراضي، وتقديم إعفاءات ضريبية، ودعم حكومي للبنية التحتية.
أما من الناحية الجغرافية، فإن توزيع المستوطنات
ليس عشوائياً، بل يخضع لخطط مدروسة تهدف إلى السيطرة على المناطق الحيوية.
المستوطنات تُبنى عادة على التلال والمرتفعات، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً يطل
على القرى الفلسطينية، ويتيح السيطرة الأمنية والعسكرية. كما أن الطرق الالتفافية
التي تربط هذه المستوطنات ببعضها وبالداخل الإسرائيلي تقطع أوصال الضفة الغربية،
وتحول المدن الفلسطينية إلى كانتونات صغيرة منفصلة عن بعضها البعض. على سبيل
المثال، مدينة القدس الشرقية محاطة بطوق
السيناريوهات المستقبلية للاستيطان
إذا كان الاستيطان قد شكّل منذ بداياته أداة
لإعادة تشكيل الأرض والهوية الفلسطينية، فإن استمراره بهذا الشكل المتسارع يفتح
الباب أمام سيناريوهات مستقبلية بالغة الخطورة، ليس فقط على الفلسطينيين، بل على
المنطقة بأسرها وعلى النظام الدولي الذي يفترض أن يحمي القانون والعدالة.
السيناريو الأول يتمثل في محو الهوية المكانية
الفلسطينية تدريجياً. مع استمرار مصادرة الأراضي وبناء المزيد من المستوطنات، قد
نصحو يوماً على واقع لا نجد فيه مدينة فلسطينية واحدة متماسكة، ولا قرية قائمة
بذاتها، بل مجرد تجمعات صغيرة محاصرة وسط بحر من المستوطنات.
السيناريو الثاني هو انهيار حل الدولتين. المجتمع
الدولي ظل لعقود يطرح هذا الحل باعتباره المخرج السياسي للصراع، لكن التوسع
الاستيطاني يقوّض أسسه يوماً بعد يوم. إذا استمر البناء الاستيطاني بوتيرته
الحالية، فإن أي تقسيم للأرض سيصبح غير ممكن، لأن المستوطنات ستغطي مساحات واسعة
من الضفة الغربية، وستجعل التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية شبه مستحيل.
السيناريو الثالث هو تصاعد المقاومة الشعبية.
الفلسطينيون الذين يعيشون تحت ضغط يومي من المستوطنين والجيش الإسرائيلي قد يجدون
أنفسهم مضطرين إلى تكثيف أشكال المقاومة، سواء عبر الاحتجاجات الشعبية، أو عبر
أشكال أخرى من الصمود مثل إعادة زراعة الأراضي المهددة، أو بناء مبادرات اقتصادية
محلية.
السيناريو الرابع يرتبط بـ الموقف الدولي. إذا
استمر المجتمع الدولي في الاكتفاء بالإدانات دون إجراءات عملية، فإن إسرائيل
ستواصل مشروعها الاستيطاني دون رادع.
السيناريو الخامس والأكثر خطورة هو الهجرة القسرية
للفلسطينيين. مع استمرار الاعتداءات اليومية على المزارعين، وحرمان العائلات من
أراضيها، وتفكك النسيج الاجتماعي، قد يجد الكثير من الفلسطينيين أنفسهم مضطرين إلى
مغادرة أرضهم بحثاً عن حياة أكثر أمناً.
في النهاية، السيناريوهات المستقبلية تكشف أن
الاستيطان ليس مجرد قضية حالية، بل مشروع طويل الأمد يهدد وجود الشعب الفلسطيني
على أرضه. ما يجري اليوم في الضفة الغربية والقدس ليس مجرد توسع عمراني، بل عملية
منهجية لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا، قد تؤدي في النهاية إلى محو الهوية
الفلسطينية بالكامل إذا لم يُواجه بضغط دولي حقيقي، وبصمود فلسطيني متجدد.