العدد 1700 /28-1-2026
يوسف أبو وطفة
لم يعد في قطاع غزة أي أسير إسرائيلي، حي أو ميت،
وذلك للمرة الأولى منذ العام 2014، مع انتشال جثة ران غويلي، آخر الأسرى، أمس
الأول الاثنين، ليُفتح فصل جديد في المسار السياسي المتعلق بالتعامل مع ملف
القطاع، لا سيما مع الحديث عن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. ومع نقل
جثة غويلي من القطاع إلى إسرائيل يكون ملف الأسرى الإسرائيليين الأحياء والأموات
قد أغلق مع تسلم الاحتلال 28 جثة و20 جندياً حياً، وهو العدد الذين كان متبقياً
قبل الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. في
السابع من أكتوبر 2023، استطاعت المقاومة الفلسطينية مع بداية عملية "طوفان
الأقصى" أن تأسر 251 إسرائيلياً وإسرائيلية، كانت غالبيتهم من الجنود
والمجندات في المواقع العسكرية المنتشرة في مستوطنات غلاف غزة، وتمكنت من الاحتفاظ
بهم لشهور طويلة. وعلى مدار الفترة الممتدة من أكتوبر الماضي وحتى يناير/كانون
الثاني الحالي، ربط الاحتلال التقدم في مسار الاتفاق القائم، استناداً لخطة الرئيس
الأميركي دونالد ترامب، بتسليم كافة الأسرى الأموات والأحياء.
لكن ومع وصول الجيش الإسرائيلي لجثة غويلي، وإغلاق
ملف الأسرى الإسرائيليين، ادّعى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أمس الأول،
"أن المرحلة التالية (من خطة غزة) هي نزع سلاح حماس ونزع سلاح غزة، وليس
إعادة إعمارها". ويشكل حديث نتنياهو الجديد مؤشراً على ذريعة أخرى قد يلجأ
لها للمماطلة في تنفيذ الاتفاق ومحاولة كسب الوقت لإبقاء الواقع الحالي كما هو، في
القطاع الذي يعيش واقعاً مأساوياً في ظل تردي البنية التحتية وغياب المنازل بعد
أكثر من عامين من التدمير الممنهج. في المقابل، أعلنت حركة حماس في بيان عقب وصول
الاحتلال إلى جثة غويلي، أنها بذلت جهوداً كبيرة في ملف البحث عن جثة الأسير
الأخير، وزوّدت "الوسطاء بالمعلومات اللازمة أولاً بأول"، بما أسهم في
التمكّن من العثور عليه. ما يتطلب، وفق البيان، استكمال الاحتلال تنفيذ بنود اتفاق
وقف إطلاق النار كاملةً، دون انتقاص أو مماطلة، والالتزام بجميع الاستحقاقات المترتبة
عليه.
ذرائع نتنياهو متواصلة
في هذا الصدد رأى الكاتب والباحث في الشأن
الإسرائيلي، سليمان بشارات، في حديث لـ"العربي الجديد" أن "الذرائع
الإسرائيلية يفترض أن تكون قد استُنفدت مع طيّ صفحة المرحلة الأولى من الاتفاق
(التي لم يلتزم بها الاحتلال بالأساس، لا سيما بند تدفق المساعدات وفتح المعابر
والانسحاب التدريجي من القطاع)، بما شمل ملف الأسرى الإسرائيليين، أحياءً
وأمواتاً". غير أن إسرائيل، في رأيه، لن تعترف بانتهاء هذه المرحلة أمراً
واقعاً، ولن تتعامل معه على هذا الأساس
وقال بشارات إن الخطاب الذي قدّمه نتنياهو عقب
الإعلان عن العثور على الجثة الأخيرة "يكشف بوضوح أن العنوان المقبل سيكون
سحب سلاح المقاومة الفلسطينية". وشدد على أن "نتنياهو لن يذهب إلى
التباحث الجدي في هذا الملف، بقدر ما سيحوّله إلى معضلة مرتبطة بكيفية تطبيق
المرحلة الثانية أو المراحل المتبقية من الاتفاق، بما يفتح الباب أمام تعطيلها أو
إعادة تعريفها إسرائيلياً". المسألة الثانية، وفق بشارات، تتعلق بالدور
الأميركي الداعم للجنة إدارة غزة (اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة علي شعث)، وما
إذا كانت واشنطن ستُبقي هذا الدور في إطاره الهامشي، ما يتيح لإسرائيل "الاستمرار
في العبث بالمكونات الأساسية للاتفاق"، مؤكداً أن هذه قضايا بالغة الأهمية في
تحديد مسار المرحلة المقبلة.
ولفت إلى مؤشر آخر يتمثل في أن الإدارة الأميركية
تبدو معنية باستكمال مراحل الاتفاق، لكن ضمن سقف يخدم مخططاً محدداً، هو منظور
"غزة الجديدة" المنبثق عن مشروع جاريد كوشنر (مبعوث ترامب وصهره) الذي
طُرح في منتدى دافوس الاقتصادي، الأسبوع الماضي. ووفق بشارات، فإن هذا المنظور
"يتقاطع مع رؤية اليمين الإسرائيلي المتطرف المسيطر حالياً على القرار، والتي
تقوم جوهرياً على إعادة احتلال قطاع غزة، وعودة المستوطنات فيه، بوصف ذلك جزءاً من
عقلية إسرائيلية راسخة تقوم على تهجير الفلسطينيين وتكريس الاستيطان في
القطاع".
أبعد من ملف الأسرى
وينتظر الفلسطينيون والوسطاء أن يبدأ الاحتلال في
تنفيذ جانب من التزاماته المتعلقة بالمرحلتين الأولى والثانية، وفي مقدمتها فتح
معبر رفح البري بين القطاع ومصر، أمام حركة المسافرين، إلى جانب بدء عملية إعادة
الإعمار والسماح للجنة الإدارية الفلسطينية ببدء ممارسة عملها الخدماتي من داخل
القطاع.
في هذا السياق أكد مدير مركز عروبة للأبحاث
والدراسات الاستراتيجية، أحمد الطناني، أن إغلاق ملف أسرى الاحتلال في قطاع غزة،
أحياءً وأمواتاً "يشكّل إغلاقاً لباب أساسي ظلّ الاحتلال الإسرائيلي يتمسّك
به باعتباره عنوان العثرة الرئيسي في تعطيل الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار
وبنوده المختلفة". وأوضح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن
"الاحتلال ماطل في تنفيذ التزاماته خلال المرحلة الأولى من الاتفاق، وبقي
متشبثاً بهذا الملف بوصفه الذريعة الجوهرية لتأجيل أي خطوات تتعلق بتفكيك أوضاع
الحرب في قطاع غزة". وشدد على أن ذلك "يشمل ملف معبر رفح، وإدخال
المساعدات، وتطبيق البروتوكول الإنساني، إضافة إلى عمليات الترميم الأولي التي كان
يفترض أن تُباشَر على مستوى البنية التحتية والخدمات الحيوية والرئيسية في
القطاع".
وفي رأيه فإن إغلاق هذا الملف "يفتح بوابة
مهمة لتعزيز الضغط من قبل الوسطاء على الطرف الأميركي، باعتباره الجهة الوحيدة
القادرة فعلياً على إلزام الاحتلال بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار". كما يفتح
المجال، وفق الطناني، لـ"العمل الجاد والحقيقي على تفكيك المعاناة الإنسانية
الكارثية في قطاع غزة، بما يسمح للاتفاق بأن يكون اتفاقاً حقيقياً وجدياً لوقف
إطلاق النار، لا كما يريده الاحتلال اتفاقاً مُشوَّهاً يُعاد من خلاله تدوير أهداف
الحرب ضمن أطر ذات طابع دولي". وبحسب الطناني فإن هذا التطور لا يعني بحال من
الأحوال أن الأمور قد انتهت، إذ "لا يزال الاحتلال يعتمد المماطلة والتنصّل
من الالتزامات باعتبارهما استراتيجية رئيسية في تعامله مع اتفاق وقف إطلاق
النار". واعتبر أن هذه الاستراتيجية "هي سياسة لا ترتبط جوهرياً بوجود
الأسرى من عدمه، بل إن ملف الأسرى، كسواه من الذرائع، لم يكن سوى أداة للمناورة
ومحاولة لإفراغ الاتفاق من مضمونه".
وأشار إلى أن "قدرة الاحتلال على تبرير هذا
السلوك ربما تراجعت، لكنها لم تنتفِ، إذ لا يزال قادراً على اختلاق مبررات وذرائع
جديدة"، متوقعاً أن يكون عنوان المرحلة المقبلة هو "التركيز الإسرائيلي
على مسألة نزع السلاح، باعتبارها البوابة الأساسية للتنصّل من الالتزامات، ولا
سيما ما يتعلق بملف الانسحاب من مناطق الخط الأصفر (خط الانسحاب بموجب
الاتفاق)". وبحسب الطناني، يتمسّك الاحتلال بهذا العنوان "ليُعطّل عبره
أي تسهيلات مرتقبة لقطاع غزة، وليتهرّب من الالتزامات التي نصّ عليها اتفاق وقف
إطلاق النار"، وعليه، فإن المرحلة المقبلة تُعدّ مرحلة "شديدة الحساسية،
وتتطلب جهداً أكبر وضغطاً مضاعفاً من الوسطاء".