العدد 1700 /28-1-2026
د. وائل نجم

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة لغة التهديدات الأمريكية لإيران حتى بلغت مبلغاً ظنّ الناس فيه أنّ الحرب أو الهجوم على إيران من قبل أميركا قد يقع في أيّة لحظة، خاصة وأنّ الحشود العسكرية الأمريكية في محيط إيران ومن مختلف أصناف وأنواع الأسلحة الحديثة والكبيرة والمدمّرة أُعلن عن جهوزيتها بشكل كامل وانتظارها لساعة الصفر أو لحظة القرار.

والحقيقة أنّ كلّ الأجواء تشي أنّ أميركا في طريقها لتوجيه ضربة عسكرية لإيران إلّا إذا برز بشكل مفاجئ أيّ معطىَ جديد يبدّل المعادلات أو يخلط الأوراق أو يحوّل البوصلة باتجاه آخر، وفي هذا السياق يمكن الحديث عن مدى دخول الصين أو روسيا على خط دعم إيران وتوفير أسلحة غير عادية أو معروفة تمكّنها من استيعاب الضربة الأمريكية وامتصاصها وتحويل زمام المبادرة إلى يدها عبر جرّ أميركا إلى حرب استنزاف تفقدها هيبتها ونفوذها الذي برز خاصة بعد اقتيادها لرئيس فنزويلا من مكان إقامته في كاراكاس إلى واشنطن أو إلى نيويورك.

غير أنّ هناك حسابات أخرى يمكن أن تدفع صاحب القرار الأمريكي إلى إعادة النظر أو التفكير في اتخاذ قرار الضربة من عدمه، وهو ما يتصل بالنتائج المؤكّدة لهذه الضربة إذا ما حصلت، والهدف المرجو منها إذا ما كان سيتحقق أم لا.

وفي سياق الحديث عن الهدف من الضربة المتوقعة أو المحتملة لم يزل الغموض يكتنف هذا الهدف، وبالتالي فهو غير واضح بشكل كامل. فتارة يكون الحديث عن إسقاط النظام، وتارة عن إسقاط الرموز الأساسية التي ما تزال تناصب أميركا العداء، وتارة عن تهذيب أداء النظام ودفعه إلى الخضوع للإملاءات والتوجهات الأمريكية، وهكذا دواليك. وفي سياق الحديث عن كلّ ذلك يأتي الحديث أيضاً عن قلق أمريكي من أيّ إخفاق لا يحقّق أيّاً من هذه الأهداف، لأنّه سيكون انتكاسة كبيرة لأميركا ونقطة قوّة إيران يمكن أن تعيد لها من جديد قوّة الردع التي كانت تتمتّع بها قبل حرب حزيران 2025، وعندها سيكون مستقبل المنطقة وتأثير أيران فيه وعلى مجرياته ليس بسيطاً كما هو عليه الآن، ولكلّ ذلك تدرس أميركا خيارات الضربة واحتمالات النتائج بشكل دقيق ومتأنٍّ قبل أن تقدم على عمل غير مضمون النتائج.

لقد وضعت أميركا إيران في زاوية حرجة جدّاً وللغاية؛ فالنسبة لإيران أيّ حرب أو ضربة أمريكية لها ستنظر إليها على أنّها وجودية، ويمكن أن تدفعها لاستعمال كلّ إمكانياتها وقدراتها وأسلحتها للنجاة منها حتى لو كانت الخسائر كبيرة وكارثية. كما وضعت أميركا نفسها بهذا الحشد العسكري الكبير والهائل في زاوية محرجة لها؛ فهي إمّا أن توجّه الضربة حتى لو لم تكن النتائج مضمونة مع ما في هذه الحالة من مخاطرة ومجازفة كبيرة، وإمّا أن تتراجع عنها تحت أيّ حجّة أو ذريعة وعندها ستعتبر إيران نفسها قد ربحت الجولة وسيعطها مزيداً من الفرص لممارسة المزيد من هذه السياسة التي تستعيد فيها قوّة الردع ليس لنفسها فحسب، بل لكلّ المحور الذي كانت تتزعمه، وإذا ما حصل ذلك فإنّه سكيون بمثابة إعادة عقارب الساعة أو الخلف فيما خصّ نتائج الحرب الأخيرة التي اندلعت بعد معركة "طوفان الأقصى". وبهذا المعنى فإنّ صاحب القرار في أميركا سيكون أكثر ميلاً إلى تحديد ساعة الصفر والشروع بالضرب واتخاذ خيار المجازفة والمخاطرة. كما يمكن أن تشكّل هذه الحالة المتأرجحة فرصة لكلا الطرفين اللذين بات كلّ منهما محشور بخياراته لاتخاذ خطوة بالاتجاه المعاكس وتحويل هذه المشهدية إلى مصلحة مشتركة لكليهما، وهذا وارد في لعبة المصالح السياسية وعند الذين يحترفون هذا الفن.

أمّا إذا ما ذهبت الأمور إلى اندلاع حرب بين أميركا وإيران وبغض النظر عن البادئ بها منهما، فإنّ تداعيات تلك الحرب قد تصيب المنطقة كلّها، وقد تدفع شعوب وحكومات المنطقة بدءاً من إيران إلى غيرها من الدول ثمن هذه الحرب ونتائجها الكارثية، كما يمكن أن تدفع أميركا ثمناً كبيراً فيها. ولذلك رأينا كيف تحرّكت أكثر من دولة من دول المنطقة وأبرزها تركيا والسعودية وقطر للقيام بوساطة لتجنيب المنطقة وإيران هذه الكأس عبر الدبلوماسية النشطة التي تعمل بشكل فاعل على إرساء الاستقرار.

د. وائل نجم