حرب فلسطين حرب كلّ المنطقة
العدد 1602 /21-2-2024 د. وائل نجم

قرابة خمسة أشهر من العدوان الصهيوني المستمر والهمجي استهدف كلّ شيء في غزة فألحق بها دماراً كبيراً، ناهيك عن أعداد الشهداء من الأطفال والنساء والمدنيين. وقرابة خمسة أشهر أيضاً من الاعتداءات والممارسات الصهيونية المجرمة والمستبدّة بحقّ أهالي الضفة الغربية والقدس لا تماثل ما كان يجري سابقاً من ممارسات واعتداءات بل فاقتها حجماً وبشاعة وإجراماً. ومثل ذلك من إجراءات وقوانين تعسّفية اتخذتها سلطات الاحتلال الصهيوني بحقّ الفلسطينيين من أهالي أراضي 48 على الرغم من أنّ أغلبهم يحمل الجنسية الإسرائيلية. وعدوان واضح ومستمر أيضاً على لبنان بالتزامن مع العدوان على غزّة والضفة والقدس. ونوايا خبيثة وباتت واضحة في خطط الصهاينة لتهجير الفلسطينيين من غزة نحو سيناء والشتات، ومن الضفة والقدس نحو الأردن، ومن أراضي 48 نحو لبنان. باختصار الحرب التي تجري على الأراضي الفلسطينية هي حرب كلّ المنطقة وليست حرب فلسطين فحسب. لقد بات واضحاً أنّ الصهاينة يعملون بدعم غربي واسع ومفتوح على تغيير معالم المنطقة برمتها. يعملون على إعادة رسم خريطة دول المنطقة تقسيماً وعبثاً بها وإعادة تشكليها من جديد بحيث تنسجم مع تطلعاتهم وتخدم أهدافهم وتضمن سيطرتهم على المنطقة وثرواتها لعقود جديدة إن لم نقل لقرون. لم يعد هناك ما هو خفي، كلّ شيء بات على المكشوف، والمشروع الصهيوني الغربي يريد ضمان السيطرة والتحكّم بالمنطقة ودولها. أمام ذلك لم يعد هناك مكان للحياد، لأنّ المخطط يطال الجميع، وما هو غير واضح اليوم سيكون واضحاً وبارزاً بشكل جلّي غداً، ولذلك لم يعد هناك مكان للحياد، ولا للتبرير وإقناع الذات أنّ "إسرائيل" لا تعتدي عليها لا تعتدي عليك، وهي بالأساس كيان قام على العدوان والاغتصاب والهيمنة! في لبنان حيث تدور الحرب على الجبهة الجنوبية منذ الثامن من تشرين الأول / أكتوبر الماضي ضمن ما يُعرف بقواعد الاشتباك بدأت الأمور تتحوّل إلى منطق مختلف تماماً. فالعدو الإسرائيلي بدأ يوسّع من دائرته اعتداءاته خارج هذه القواعد وم المتوقّع أن يصعّد في هذا الاتجاه أكثر من قبل، وأن يجرّ المنطقة إلى حرب ومواجهة أكبر وأعمق وأوسع وهذا في سياق تحقيق مشروعه للمنطقة. في مقابل ذلك فإنّ المقاومة في لبنان ما تزال تعمل ضمن قواعد الاشتباك وتفضّل عدم الذهاب إلى الحرب المفتوحة والواسعة مراعية بذلك قلق وخوف جزء من اللبنانيين الذين يطرحون فكرة الحياد والابتعاد عن الحرب المندلعة في فلسطيين والاكتفاء وبالتأييد والدعم الإعلامي من دون أيّة ترجمة عملية لذلك، بينما أطماع "إسرائيل" في لبنان كما ذكرت آنفاً في المنطقة لم يعد خافية وبات الحديث فيها يجري على المكشوف، ولذلك فإنّه من الخطأ الفادح الإصرار على التفكير الذي ساد خلال الفترة السابقة لناحية الحياد وعدم الانخراط في المواجهة، لأنّنا حتى لو قرّرنا – نحن في لبنان ذلك – فإنّ الطرف الآخر (العدو) قرّر شيئاً مختلفاً ومغايراً؛ قرّر إخطاع كلّ المنطقة لسيطرته وسطوته ومشروعه، ولن يرحم أحداً إلا بمقدار تحوّله إلى "عبد" لدى الصهاينة. آن لنا في لبنان، وفي المنطقة أن ندرك ونعي أنّ حرب فلسطين هي حرب كلّ المنطقة وستطال إمّا بأدواتها وإمّا بمفاعيلها ونتائجها كلّ المنطقة وسيدفع الجميع ثمن ذلك إذا بقي كلّ فريق في المنطقة يتعاطى ويتعامل وكأنّ النار في دار جاره ولا علاقة له بها، في حين أنّ النار التي بدار جراك ستنتقل عاجلاً أم آجلاً إلى دارك، وبالتالي من الخطأ تجاهل هذه الحقيقة لأنّ تجاهلها وعدم رؤيتها لا يلغيها ولا يلغي خطرها. آن لنا أن ندرك أنّ الانخراط في هذه الحرب اليوم ربما تكون كلفته علينا وعلى مستقبل الأجيال المقبلة أقلّ كلفة من تجاهل ذلك لأنّه في حال تمكّن الإسرائيلي من فرض معادلاته في فلسطين سينتقل إلى فرضها في كلّ المنطقة وبالتالي سيكرّس هيمنته عليها بعد أن يكون قد سرق خيراتها وثرواتها واستبدّ بشعوبها وأجيالها المقبلة.

الجبهة الجنوبية .. وردع توسّع الحرب
العدد 1601 /14-2-2024 د. وائل نجم

الأخبار التي ترد من جبهة جنوب لبنان توحي أنّ احتمالات توسّع الحرب نحو لبنان تتصاعد بشكل يومي ومثير. فحزب الله الذي دخل الحرب والمواجهة منذ اليوم الثاني لمعركة "طوفان الأقصى" على قاعدة المشاغلة وإرباك الجيش الإسرائيلي، وصرّح عن ذلك في مناسبات كثيرة، انه بات اليوم أكثر حذراً من توسّع الحرب نحو لبنان. فقد تصاعدت المواجهات على الجبهة الجنوبية اعتباراً من الثامن من أكتوبر الماضي وهذا ما دفع ساكني المستوطنات شمال فلسطين المحتلة إلى النزوح نحو الداخل، وهو ما شكّل ضغطاً إضافياً على الحكومة الإسرائيلية أضيف إلى ضغط المستوطنين الذين نزحوا من غلاف غزّة نحو الداخل أيضاً. كما أجبرت المواجهات على الجبهة الجنوبية إسرائيل على استنفار قسم كبير من الجيش الإسرائيلي على الحدود مع لبنان، واستنزافه يومياً في هذه الجبهة، وهو ما جعل قيادة الاحتلال الإسرائيلي تتوعّد بالانتقام لذلك، وتوجيه ضربات إلى لبنان وإلى المقاومة فيه، وقد تجاوزت قيادة الاحتلال الخطوط الحمر وما يُعرف بـ "قواعد الاشتباك" أكثر من مرّة كان آخرها محاولة اغتيال قيادات في مدينة النبطية جنوب لبنان، وفي ساحل الشوف في بلدة جدرا الساحلية شمال مدينة صيدا. اليوم، تصاعدت التهديدات الإسرائيلية للبنان ودخل على هذا الخط وساطات أوروبية وغيرها نقلت مطالبات إسرائيلية بضرورة تراجع المقاومة إلى شمال نهر الليطاني، وفي حال لم يتمّ ذلك عن طريق الدبلوماسية فإنّ الاحتلال سيعمد إلى التصعيد عسكرياً، وفي هذا الجو بدأت الجبهة الجنوبية تتحوّل من المشاغلة إلى ردع الحرب. لقد بدأت المقاومة وفي طليعتها حزب الله تستخدم قوة الردع حتى لا يلجأ الإسرائيلي بعد وقف العدوان على غزة إلى فتح الجبهة الجنوبية وحتى لا يشنّ عدواناً آخر على لبنان. لقد لجأ حزب الله إلى استخدام أسلحة نوعية من الصواريخ الدقيقة ونشر ذلك عبر وسائل الإعلام في رسالة تحذير وردع للإسرائيلي تهدف إلى منعه من التفكير بشنّ عدوان على لبنان أكثر مما تهدف إلى أي شيء آخر، وقد نشر الحزب صوراً لكيفية عمل هذه الصواريخ الدقيقة التي لا تخطىء هدفها، وكيف يستطيع أن يوجّهها إلى الهدف بكل سهولة ويُسر وهو ما يعني أنّه يستطيع أن ينسف أيّ هدف إسرائيلي، علّ ذلك يشكّل تهديداً وتحذيراً للإسرائيلي من الإقدام على شنّ عدوان على لبنان لأنّ كلفة أي عدوان على لبنان ستكون عالية جدّاً. كما أكّد الحزب من خلال هذا الاستخدام على أنّ حديثه عن امتلاك صواريخ دقيقة ليس ترفاً بل حقيقة واقعة وواضحة، وبالتالي على الإسرائيلي أن يفكّر ألف مرّة قبل أن يُقدم على أيّة مغامرة غير محسوبة، وبهذا المعنى فإنّ المواجهات في جبهة جنوب لبنان مع فلسطين المحتلة تحوّلت حالياً من المشاغلة إلى ردع الحرب ولكنّها لا تضمن وقف الجنون الإسرائيلي الذي ليس له حدود بعد فشله في تحقيق أيّ إنجاز حقيقي في غزةّ.

إسلاميو لبنان .. إعتدال وانفتاح والتزام
العدد 1600 /7-2-2024 د. وائل نجم

تصاعدت في الفترة الأخيرة هجمة بعض القوى والمؤسسات الإعلامية المرتبطة بها وراحت تعمل على التخويف من تحوّل المسلمين السنّة في لبنان نحو التطرّف والعنف، أو نحو استغلال بعض القوى الإقليمية لهم تحت عناوين شتى كما لو أنّهم سذّج أو لا خبرة ولا سابقة تجربة لهم لا في ميادين العمل السياسي ولا في ميادين الحقل العام، ولا في معرفة المشاريع التي تتصارع في المنطقة ولا في مصلحة بلدهم وهم الذين قدّموا أثمن ما لديهم وعندهم في سبيل الصالح العام. لقد جرى تصوير كما لو أنّ "إسلاميي" لبنان آتون من كوكب آخر ويريدون أن يختطفوا هذه البيئة الحاضنة ويذهبوا بها إلى كوكبهم الخاص، بينما غيرهم ممّن فرّط عن قصد أو عن غير قصد أكثر حرصاً منهم على الوطن والبيئة والشركاء. وهذا التصوير فيه الكثير من التجنّي، بل كلّه تجنّ وافتئات على "الإسلاميين" وعلى مشروعهم الهادف إلى الشراكة الحقيقية وإنقاذ الوطن. إنّ "إسلاميي" لبنان وكما بات معروفاً محكومون وعن قناعة ورضا كامل منهم بعناوين طالما أكّدوا عليها وعملوا على تثبيتها في عقول الأتباع الأصدقاء والشركاء في الوطن. العنوان الأول وهو الاعتدال والوسطية. فهم يؤمنون بالفهم الإسلامي القائم على اليسر لا العسر، وعلى العدل لا الظلم، وعلى الاعتدال لا التفريط ولا الإفراط وبالتالي التعنّت والتطرّف والتشدّد، وقد أصدروا وثيقة في العام 2007 شجبوا فيها العنف والتطرّف وأكدّوا على ضرورة قيام الدولة ومؤسساتها العادلة والشفافة، وثبّتوا ذلك في وثائقهم السياسية الأخرى التي صدرت في العام 2010 وفي العام 2017 تحت عنوان "رؤية وطن". العنوان الثاني وهو الانفتاح على الشركاء في الوطن دونما استثناء والتعاون مع أيّ منهم على القاعدة التي يرفعونها :" نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه". بمعنى آخر هم يؤكّدون على أنّه ليس لهم عداوات في الداخل اللبناني لا على المستوى السياسي ولا على المستوى العقدي، إنّما اختلاف وجهات نظر وحوار بين الجميع من الوصول إلى ما فيه مصلحة الوطن والمجتمع. وفي هذا السياق فإنّ الواقع يثبت أنّهم لم ينضووا طيلة فترة الانقسام اللبناني العامودي إلى أيّ من طرفي الانقسام إنّما شكّلوا على الدوام نقطة وصل وتقاطع بينهما لأنّهم حافظوا على علاقة طيّبة ومتوازنة مع الجميع. كما أنّهم حرصوا على الحوار مع مختلف البيئات اللبنانية ومع أغلب القوى السياسية واستضافوا في مراكزهم وفي لقاءات مع كوادرهم وقياداتهم نخبة من القيادات السياسية والفكرية التي تختلف معهم وشهدت تلك الاستضافات نقاشات وحوارات حرّة وشفّافة وصريحة، وشهد بذلك بعض تلك القيادات من خلال مقالات وكتابات نُشرت في أعرق الصحف اللبنانية في حينه. واليوم يدير "الإسلاميون" حواراً صريحاً وواضحاً مع كثير من الشركاء في البيئات الأخرى على قاعدة البحث عن كلّ ما من شأنه أن يصبّ في مصلحة الوطن والمجتمع، ومن دون قيود وتعقيدات أو أوهام وتصوّرات مسبقة، وبعض هذه الحوارات واللقاءات بلغت مستويات مهمّة، وبضعها الآخر متواصل وعزّز القناعة لدى الشركاء أنّ "الإسلاميين" ليسوا كما جرى ويجري تصوريهم. وأمّا العنوان الثالث فهو الإلتزام بالقضايا الوطنية والقومية (العربية) وبقضايا الإنسان بشكل عام انطلاقاً من فهم خاص لديهم يعبّرون عنه بكل صراحة ووضوح. وفي هذا السياق لم يخفِ "الإسلاميون" مشاركتهم في الدفاع عن قرى وبلدات الجنوب وأهله خلال العدوان الأخير على لبنان وعلى غزّة، وأعلنوا أنّهم انخرطوا في مواجهة، ولو محدودة بحجم إمكاناتهم وقدرتهم، مع قوات الاحتلال انطلاقاً من واجب الدفاع عن الأرض والأهل في ظل غياب استراتيجية دفاعية واضحة ومكتملة، بمقدار إعلانهم تمسّكهم بالدولة وقواتها العسكرية والأمنية كحامي أساسي للبلد. كما أكّدوا مراراً أنّهم يعون مخاطر الصراع ولا يعملون لجرّ لبنان إلى صراع غير متكافىء أو في سبيل خدمة أجندات أخرى. وأمّا عن التزامهم بالقضايا القومية والانسانية بشكل عام فهم لا يخفون ذلك لا على المستوى الإعلامي ولا على مستوى علاقاتهم وحواراتهم مع غيرهم، مؤكّدين على أنّ ذلك من قناعاتهم الراسخة من دون أن يجري ذلك على حساب الوطن. بهذه العناوين والمعاني فإنّ "إسلاميي" لبنان عنوان للاعتدال والانفتاح والالتزام بالقضايا الوطنية والعربية والإنسانية، وإنّ أيّ اتهام لهم بغير ذلك هو تجنّ صريح عليهم وعلى مكوّن أساسي هو البيئة المسلمة في لبنان، لأهداف وغايات لم تعد تخفى على أحد، ومطلقوها هم المتطرّفون الحقيقيون، وهم الخطر الحقيفي على لبنان وأهله.

لبنان إلى أين؟
العدد 1599 /31-1-2024 د. وائل نجم

تزداد الأسئلة التي تُطرح كلّ يوم في لبنان عن المستقبل الذي ينتظر هذا البلد في ضوء انسداد الأفق السياسي أمام إعادة إطلاق الدورة السياسية في البلد، وفي ضوء الأزمة الاقتصادية الحادّة التي تعصف باللبنانيين، وفي ضوء المخاطر المحدقة التي تهدد الأمن والأستقرار الهشّ القائم، لا سيّما وأنّ التهديدات الإسرائيلية على الجبهة الجنوبية تزداد وترتفع مطالبة بإخراج حزب الله والمقاومة من جنوب نهر الليطاني إلى شماله بالدبلوماسية أو بالحرب. على المستوى السياسي نشهد جموداً قاتلاً في مسار انتخاب رئيس جديد للجمهورية كما لو أنّ البلد يمكنه أن يستمرّ ويعيش بلا رئيس! فالمجلس النيابي جمّد عقد الجلسات الانتخابية بعد فشله في انتخاب رئيس على الرغم من عقده اثنتي عشرة جلسة انتخاب، وبالتالي فهو ينتظر الاتفاق بين القوى السياسية والكتل النيابية على مرشح معيّن قبل عقد الجلسة، وينتظر أيضاً المبادرات والوساطات الدولية والعربية التي تقول إنّها تساعد على إيجاد المخارج، ولكن للأسف حتى اللحظة لم تتمكن لا القوى السياسية والكتل النيابية، ولا المبادرات العربية والدولية من فتح كوّة في المسار السياسي تشكّل أملاً لانتخاب رئيس جديد وبالتالي إطلاق المسار السياسي من جديد في لبنان. على الصعيد الاقتصادي أيضاً يسود جمود قاتل. فالأزمة الاقتصادية على حالها على الرغم من استقرار سعر صرف الليرة على حدود معيّنة، غير أنّ الأزمة على حالها، والضرائب في ازدياد، والملفات الاقتصادية عالقة، والدخل والنمو والانهيار وكل هذه المفردات الاقتصادية في حالة تردّي عن الحالة التي هي فيها، وهو ما يؤشّر إلى استمرار الأزمة الاقتصادية وتفاقمها. أمّا على المستوى الأمني والاستقرار العام فإنّ حالة قلق وتوتر تسود البلد بسبب التوتر القائم على الحدود الجنوبية والذي ينذر بإمكانية توسّع الحرب على كلّ لبنان في وقت يعيش البلد أزمتين سياسية واقتصادية. المؤشرات الميدانية في جبهة جنوب لبنان توحي أنّ احتمالات توسّع الحرب نحو لبنان تتصاعد بشكل يومي ومثير. وحزب الله الذي دخل الحرب والمواجهة على قاعدة المشاغلة وصرّح عن ذلك في مناسبات كثيرة، بات اليوم يخشى توسّع الحرب نحو لبنان وهو الذي أراد منذ اليوم الأول أن يُجنّب لبنان الحرب. اليوم، وفي ضوء التهديدات الإسرائيلية ومطالبة قيادة الاحتلال بإعادة حزب الله إلى شمال نهر الليطاني والتهديد بالقيام بعملية عسكرية لتحقيق ذلك إذا لم يتم عبر الدبلوماسية والضغوط الدولية، فإنّ المواجهات على الجبهة الجنوبية بدأت تتحوّل من حالة المشاغلة إلى حالة الردع من أجل منع الحرب. لبنان أمام هذه الأزمات أو الملفات بات في وضع حرج لا يُعرف على وجه الدقّة أين سيستقر، وهو ما يتطلّب من المسؤولين اللبنانيين استشعار هذا الظرف وهذه الأزمات والعمل سريعاً لإنقاذ البلد وتوجيهه نحو البوصلة الصحيحة التي تجعله يخرج من الوضع القائم، ولكن للأسف لا يبدو أنّ الطبقة القائمة على الأمر إمّا أنّها لا تملك الأهلية للقيام بهذا الواجب والمسؤولية وإمّا أنّها متواطئة غير آبهة بما تصل إليه الأمور وكلٌّ منها يغنّي على ليلاه ويعمل على مصالحه الخاصة والضيّقة حتى لو كان ذلك على حساب الوطن!

حول احتمالات توسّع الحرب إلى لبنان
العدد 1598 /24-1-2024 د. وائل نجم

المؤشرات التي برزت خلال الأسابيع الأخيرة تشير بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ التوتر قد تصاعد على جبهة جنوب لبنان مع فلسطين المحتلة بموازاة تصاعد المواجهات وتجاوزها لكلّ الخطوط الحمر وقواعد الاشتباك وقد اتخذت هذه المرّة صفة الحرب الأمنية أكثر منها الحرب العسكرية خاصة من طرف العدو الإسرائيلي إذ أنّه شنّ مجموعة ضربات أمنية بدأها باغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السابق الشيخ صالح العاروري في الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم استكملها في غارات بالطائرات على قياديين ميدانيين لحزب الله على امتداد الساحة الجنوبية وليس في المنطقة الحدودية التي تشهد المواجهات، كما تجاوز بها لبنان ليشنّ غارات استهدفت قيادات رئيسية وأساسية في الحرس الثوري الإيراني في سوريا وقد أعلنت إيران عن اغتيال العميد المسؤول عن الاستخبارات في فرقة القدس في الحرس المعروف بـ "الحاج صادق" ونائبه مع مجموعة ضباط آخرين. هذا وقد ردّت إيران على ذلك بقصف مواقع في المنطقة بصواريخ بالستية من بينها مراكز في أربيل بكردستان العراق قال إنّها لـ "الموساد الإسرائيلي"، فيما صعّد حزب الله من مواجهاته في جبهة الجنوب متوعداً بالردّ على تجاوزات الاحتلال. هذه المواجهات وطبيعتها والتي ترافقت مع تهديدات إسرائيلية متوالية عن ضرورة انسحاب حزب الله والمقاومة من منطقة الحدود إلى شمال نهر الليطاني عبر الدبلوماسية أو عبر عملية عسكرية؛ والتي تزامنت أيضاً بفشل عسكري إسرائيلي في غزة حيث أخفقت قوات الاحتلال في تحقيق أي هدف عسكري من الأهداف التي وضعتها لنفسها؛ إضافة إلى الضغط المتصاعد داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي على الحكومة ورئيسها وعلى قيادة الجيش وعلى بقية الطبقة المسؤولة عمّا آلت إليه الأوضاع، ربما يدفع هؤلاء إلى التفكير بالهروب إلى الأمام وفتح جبهة جديدة ظنّاً أنّ ذلك يمكن أن يغيّر المعادلات لصالحهم، أو قد يجرّ أطرافاً آخرين إلى الانخراط بالحرب إلى جانبهم وهو ما يمكن أن يمثّل فرصة بالنسبة لهم للتخلّص من العقاب والملاحقة، ومن هنا تأتي الخطورة عن الحديث عن احتمالات انزلاق المنطقة إلى الحرب المجنونة الواسعة؛ ومن هنا تأتي الخطورة في توسّع الحرب لأنّها ستكون خارج كل القيود والقواعد وبالتالي فإنّ قد تتحوّل إلى حرب مدمّرة ينخرط فيها أطراف إقليميون ودوليون. في الطرف المقابل يصرّ حزب الله وقوى المقاومة الأخرى على الاستمرار بالضغط على قوات الاحتلال من خلال الجبهة الجنوبية أو غيرها خارج لبنان لاعتبارات كثيرة وعديدة من بينها شعورها بالمسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني وتحالفاتها مع قوى المقاومة الفلسطينية وخوفها من أن تكون هي الهدف التالي في قائمة أهداف الاحتلال الإسرائيلي فيما لو أنجز مهمّته في غزة، ولذلك فإنّ قوى المقاومة أكّدت على أنّها مستمرة في مقاومتها وتوجيهها الضربات لقوات الاحتلال حيث تسنح الظروف والإمكانات، غير أنّها في الوقت ذاته تؤكّد على حرصها على عدم جرّ لبنان أو المنطقة إلى حرب مفتوحة وواسعة لأنّها تعلم تماماً أنّ ذلك سيتيح الفرصة لإسرائيلي للتهرّب من هزيمتها المدوّية في غزة أولاً، ولأنّها تدرك ايضاً أنّ قوى أخرى ستنخرط في هذه المعركة وهي قوى كبرى ودولية وتملك من المقدرات العسكرية وغير العسكرية الكثير مما يجعلها قادرة على تدمير المنطقة على رؤوس أبنائها. ولذلك فإنّ هذه القوى لا تريد أن تعطي أيّة فرصة للعدو لتوسيع نطاق الحرب من دون أن يعني ذلك أنّها ستكون قادرة على ذلك خاصة إذا تجاوز العدو المزيد من قواعد الاشتباك والخطوط الحمر ضمن الحرب الأمنية التي يخوضها في لبنان والمنطقة. المنطقة والقوى المؤثّرة فيها تعيش مرحلة حبس الأنفاس بانتظار كلّ جديد، وهي تجري تطويراً وتحديثاً لموقفها مع كلّ ساعة أو كلّ موقف من دون أن يحسم أيّ طرف موقفه النهائي حتى الساعة.

الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين.. بقعة ضوء في ظلمة الأمة
العدد 1597 /17-1-2024 د. وائل نجم

احتضنت الدوحة الأسبوع الثاني من يناير / كانون الثاني الجاري الجمعية العمومية للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حيث شارك في هذه الجمعية قرابة ألف عالم وناشط من أنحاء العالم الإسلامي، بل من أبعد بقعة من العالم، تداولوا على مدى خمسة أيام قضايا تهمّ المسلمين في أنحاء العالم، واستعرضوا التحدّيات وسبل المعالجة وكيفية تحصين المجتمعات الإسلامية أمام الغزو الثقافي والفكري والعقدي، كما نقل كلّ منهم معاناة المنطقة التي يعيش فيها، فضلاً عن الدور الذي يقوم به العلماء في هذه المنطقة أو تلك، في جوّ من الأريحية والأخوّة. وأفرد العلماء نهاراً كاملاً لغزّة حيث يسطّر الشعب الفلسطيني أروع أنواع البطولة والصمود، واستمعوا إلى قادة المقاومة الفلسطينية أبو العبد هنيّة، وأبو الوليد مشعل قدّما أمام العلماء عرضاً وشرحاً وافياً لما يجري في غزة من عدوان، وما يقوم به الشعب الفلسطيني ومقاومته لإسقاط المشروع الصهيوني الذي يستهدف هدم المسجد الأقصى المبارك وإقامة الهيكل المزعوم، وقد تفاعل العلماء مع قضية غزة وفلسطين بشكل كبير وأبدوا كل استعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل نصرة الشعب الفلسطيني، وأكّدوا على أنّها قضية الأمة جمعاء. كما خصّص العلماء وقتاً كافياً لبحث كيفية مواجهة موجات الإلحاد والتطرّف، فضلاً عن الاهتمام بالمرأة والطفل وهما محل استهداف من مؤسسات ومخططات غربية على مستوى الأمة الإسلامية. لقد حمل كل وفد من وفود العلماء الذين قدموا من أوروبا وأستراليا وأميركا وشرق آسيا وأفريقيا فضلاً عن البلاد العربية وغرب آسيا وآسيا الوسطى الأناضول. حمل كلّ وفد إلى إخوانه في الاتحاد هموم وقضايا البلدان التي يعيشون فيها، والدور الذي يقومون به في هذه البلدان من أجل تعزيز حضور الإسلام ونشره بين الناس، والتحدّيات التي تواجههم في تلك البلدان. لقد كان لافتاً عندما يستمع المرء إلى كلمات الوفود كيف أنّها تتحدّث كجزء من أمّة ممتدة ومنشرة على مستوى العالم، وتتطلّع إلى أمّتها من أجل أن تقف معها وإلى جانبها. كما كان لافتاً كيف أنّ كلّ الوفود تعتبر فلسطين قضية تتقدّم على قضاياها المحلية، وفي هذا الإطار أكّدت وفود مينمار وتركستان الشرقية وكشمير وغيرها على أنّ القدس والمسجد الأقصى هما قضيتهم الأولى على الرغم من المعاناة التي يعيشونها في بلدانهم. وقد استمعت رئاسة الاتحاد ومجلس الأمناء المنتخب إلى كلمات الوفود وأكّدوا على أنّ الاتحاد سيعمل من أجل النهوض بالعالم الإسلامي تحت شعار "نقيم ديننا، وننهض بأمتنا، وننصر مقدساتنا"، وهو شعار يعدّ بمثابة خارطة طريق ستعمل عليها قيادة الاتحاد الجديدة المتخبة برئاسة الأمين العام السابق الشيخ الدكتور علي القرا داغي، والأمين العام الجديد المنتخب الدكتور علي الصلاّبي. والحقيقة أنّ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يشكّل بقعة ضوء في ظلمة هذه الأمة حيث تسود حالة من القهر والاستبداد والتشتت والضياع والفرقة فيما يمثّل الاتحاد محاولة جادّة وجدّية لجمع الأمة من جديد وتنسيق جهودها وإطلاق قدراتها انطلاقاً من عمل العلماء الذين يمثّلون العامود الفقري لهذه الأمّة على امتداد تاريخها. والحقيقة الثانية أن الجمعية العمومية لهذا الاتحاد كشفت أنّ الأمّة الإسلامية ما تزال بخير وتتمتّع بمقدرات كبيرة وعالية، وكفاءات في الكثير من الميادين، وهي بحاجة فقط لتفعيل هذه المقدرات وإطلاقها، وتنسيق جهودها، والتأصيل لعملها. كما وأنّ تجعل كلّ مسلم يشعر أنّه جزء من أمّة كبيرة وتزخر بالمؤهلات التي تجعلها تنهض من جديد وتتبوّأ موقع الصدارة والقيادة من جديد، وهو ما جسّده اجتماع الأمة في هذه الجمعية، وما ستثبته الأيام القادمة في السنوات المقبلة. الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يمثّل اليوم بقعة ضوء كبيرة في ظلمة هذه الأمة، وهذا الضوء سيكبر ويضيء ما حوله شيئاً فشيئاً حتى ينتشر نور الرسالة في كلّ مكان.

هل تتطور المواجهات بين حزب الله والعدو الاسرائيلي في الايام القادمة الى حرب مفتوحة ؟
العدد 1596 /10-1-2024 بسام غنوم

تصاعدت حدة المواجهات في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة بين حزب الله والمقاومة من جهة والعدو الاسرائيلي من جهة اخرى ، وشكل قيام حزب الله بقصف قاعدة المراقبة الجوية ميرون ب62 صاروخا في شمال فلسطين

عن اغتيال الشيخ صالح العاروري
العدد 1595 /3-1-2024

لجأت حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى تنفيذ تهديدها باغتيال القيادي في حماس الشيخ صالح العاروري عبر غارة من طائرة لم تُعرف إذا ما كانت حربية أم مسيّرة، وفي عمق الضاحية الجنوبية لبيروت حيث استشهد مع عدد من إخوانه بشكل مباشر. عملية الاغتيال لم تعترف بها حكومة الاحتلال بشكل صريح وواضح. ففي حين هنّأ سفير كيان الاحتلال في الأمم المتحدة الأجهزة الأمنية والعسكرية على ما وصفوه بالإنجاز، طلب رئيس حكومة الاحتلال من وزرائه عدم التعليق على الجريمة وتركها يتيمة، وهو ما فعله الشيء ذاته الناطق باسم الاحتلال في إيجازه الصحفي اليومي وفضّل الحديث عن العدوان على غزة. وهذا يعكس حجم الخوف والقلق الإسرائيلي من ردّة الفعل المنتظرة من المقاومة. في لبنان اعتبر رئيس حكومة تصريف الأعمال الجريمة بأنّها انتهاك صارخ لسيادة لبنان، ووصف ما جرى بأنّه محاولة من القادة الإسرائيليين لتصدير فشلهم في غزة وتوريط لبنان في الحرب، محمّلاً كيان الاحتلال المسؤولية. وكذلك فعلت معظم القوى اللبنانية الرسمية وغير الرسمية. وبالعودة إلى الشيخ صالح العاروري فهو من القيادات الفلسطينية الوطنية التي آمنت بالتحرير وعملت له منذ وقت مبكر. فهو قد اعتقل وسجن في معتقلات وسجون الاحتلال فترات متعددة بلغت تقريباً ما مجموعه ثمانية عشر عاماً، وقد خرج في إحدى صفقات تبادل الأسرى وأبعد إلى خارج فلسطين حيث يعيش في المنفى منذ أكثر من عقد من الزمن. والشيخ صالح العاروري من القيادات البارزة في حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس ومن مؤسسي كتائب القسّام في الضفة الغربية حيث يعود مسقط رأس العاروري إلى هناك إلى محافظة الخليل. وهو رئيس حركة حماس في الضفة الغربية، ونائب رئيس المكتب السياسي لها أيضاً. وتتهمه حكومة كيان الاحتلال بالمسؤولية عن أعمال الانتفاضة والمقاومة في الضفة الغربية. لقد أرادت قيادة الاحتلال من خلال تنفيذ جريمة الاغتيال بحق العاروري أن تخلط الأوراق، وتنتقم من حماس والمقاومة الفلسطينية، وتنتقل بعدوانها على غزة، بل على الشعب الفلسطيني إلى مربع آخر، وما ذلك إلاّ لفشلها في عدوانها على غزة، وتكبّدها الخسائر الفادحة في مواجهة المقاومة الفلسطينية، وهزيمتها هزيمة نكراء باتت واضحة للعالم أجمع، وعدمم تحقيقها أيّ إنجاز عسكري يُذكر في غزة. لكل ذك أرادت قيادة الاحتلال أن تحقّق صورة نصر تتباهى به أمام مستوطنيها ويعيد إلى جيشها وقواتها بعض البريق والأمل. هي الحرب يتمكن فيها أطراف المواجهة من تحقيق ضربات مؤلمة لبعضهم البعض، وقد تمكّنت قوات الاحتلال من تسديد ضربة مؤلمة للمقاومة الفلسطينية، ولكنّها ليست ضربة قاضية، ولن تكون. المقاومة الفلسطينية تلقّت على مدى تاريخ الصراع مع الاحتلال ضربات موجعة أكثر من مرّة وكانت كلّة مرّة تخرج أكثر صلابة وقوّة من قبل، والشيخ صالح العاروري ربّى جيلاً من القادة والمقاومين الذين سيكملون الطريق ويمضون حتى تحرير فلسطين من دنس الاحتلال.

عام من المراوحة والجمود .. لبنان إلى أين؟
العدد 1594 /27-12-2023 د. وائل نجم

نودّع بعد أيام قليلة العام 2023 الذي طُبع للأسف بالمراوحة والجمود والتراجع على المستويات كافة، وفي كلّ يوم من المراوحة والجمود مزيد من الانهيار والتفكّك والتراجع، ومزيد من التعقيدات التي لا تنتهي فصولها، ومزيد من النكبات على المواطنين. على المستوى السياسي ما يزال الجمود يطبع هذا المسار. أكثر من عام مرّ على الفراغ والشغور في سدّة الرئاسة الأولى ولم يجد المجلس النيابي ولا النوّاب ولا القوى السياسية التي تقود البلد سبيلاً للخروج من هذا الشغور وانتخاب رئيس جديد للبلاد وكأنّ الشخصيات السياسية الصالحة والقادرة على إدارة هذا الموقع قد انعدمت، والحقيقية مسؤولية أولئك المعطّلون لهذا الموقع الأساسي هي التي انعدمت. فإلى متى يستمر الشغور ويستمر معه التصلّب بالمواقف والتمسّك بالمصالح الخاصة والفئوية والضيّقة وتعطيل الحياة السياسية في لبنان، بل الدفع بالبلد نحو الانهيار الكلّي؟! وعلى المستوى الاقتصادي الوضع الكارثي يواصل تقدّمه في كلّ المرافق والمفاصل. فمستوى سعر صرف الليرة اللبنانية لم يشهد أيّ تحسّن وإن كان قد راوح على مستوى سعره أمام العملات الأجنبية الأخرى، غير أنّ الحياة الاقتصادية لم تزل متعثّرة ومستوى معيشة المواطنين بالحضيض، والخدمات الأساسية المطلوبة من تعليم وطبابة وغيرها صارت بمثابة الكارثة على الناس، وهكذا ظلّ الوضع الاقتصادي في العام 2023 في حالة تراجع وانهيار مستمر. وعلى المستوى الاجتماعي فإنّ الوضعين السياسي والاقتصادي كانا كفيلين بزيادة حجم وضغط الوضع الاجتماعي على الناس. نلمس في ذلك في العلاقات الاجتماعية التي تراجعت إلى حدود كبيرة، وفي نسب الطلاق المرتفعة، وفي نسب الزواج المتراجعة، وفي تراجع منسوب القيم في المجتمع اللبناني ومن ذلك مسألة التكافل والتضامن وغيرها من الأمور الاجتماعية. وعلى المستوى الأمني فإنّ الأمور وإن كانت ما تزال مضبوطة إلى حدّ كبير، غير أنّ السرقات قد زادت، والتهديد بالسلاح قد زاد أيضاً، والتشليح بقوة السلاح قد زادت بشكل مخيف، والفوضى الأمنية في بعض المناطق واضحة وهكذا فإنّ الأمن ليس في أحسن حالاته. وأمّا الإدارة فهي في خبر كان. الكثير من مرافق الدولة الإدارية لا تعمل بشكلها الطبيعي لأسباب عديدة، وبالتالي فإنّ ذلك ينعكس بشكل كبير على حياة المواطنين ومصالحهم ويضطرّون في العديد من الأحيان إلى اللجوء إلى الرشوة من أجل تسيير أمورهم وهو ما يرفع من نسب الفساد في إدارات الدولة، في حين أنّ المطلوب هو مكافحة ومحاربة الفساد كجزء من عملية الإصلاح المطلوبة للخروج من الأزمة. على كلّ حال القائمة قد تطول وتطول في توصيف حالة المراوحة والجمود على هذه المستويات والمسارات في العام 2023 من دون أي طرح للخروج من الأزمات كما لو أنّ اللبنانيين قد استسلموا للأمر الواقع. فماذا عن العام المقبل 2024؟ هل يمكن أن يحمل بشائر الفرج ؟ من الواضح حتى الآن أنّ لبنان قد انخرط أكثر من ذي قبل في دوّامة وأزمات المنطقة، بإرادة منه أو بإرادة القوى الإقليمية والدولية الفاعلة والمؤثّرة في المشهد المحلي، وبالتالي بات محكوماً أكثر من ذي قبل بحالة الانتظار. لبنان اليوم ينتظر ما سيتقرّر في غزة، وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على مجمل مشهد المنطقة، وما هو الوضع الذي سيكون عليه لبنان في هذه الحالة. مشكلة اللبنانيين أنّهم دائماً ينتظرون الحلول والمن والسلوى من الخارج كما لو أنّ لهم "دالّة" على الخارج، أو لنقل على غيرهم. ينتظرون من غيرهم أن يصنعوا لهم الحلول فيما الحقيقة أنّ غيرهم يبحث عن مصالحه والنجاة لنفسه، ومن هنا فإنّ اللبنانيين يجب أن يقتنعوا أنّ وجودهم في صلب المعادلات التي تدور في المنطقة هو الكفيل بصناعة مستقبل بلدهم، لأنّهم هم الذي يشاركون في هذه الحالة بصناعة هذا المستقبل، أمّا الانتظار فإنّه سيجعلهم لقمة على مائدة أصحاب المصالح الإقليميين والدوليين، وبالتالي لا ينفع معها سياسة الانتظار. اللبنانيون مدعوون للتفيكير بشكل جدّي خارج الصندوق في العام 2024 ليس لصناعة مستقبل بلدهم فحسب، بل حتى للمشاركة في صناعة مستقبل المنطقة. فهل يفعلونها؟! أم أنّ الفرقة كفيلة بإبقائهم ضمن مربعات الانعزال التي يعيشون فيها؟!

متى يحين موعد انتخاب الرئيس؟!
العدد 1593 /20-12-2023 د. وائل نجم

يوم الجمعة الفائت وتحت عنوان تشريع الضرورة انعقد المجلس النيابي على مدى يومي الخميس والجمعة وأقرّ عدداً من مشاريع واقتراحات القوانين تحت عنوان الضرورة ومن بين ذلك إقرار اقتراح قانون تأجيل تسريح قائد الجيش ومدير عام قوى الأمن الداخلي إلى سنة كاملة، وهو قانون مهدّد بالطعن لأسباب كثيرة وعديدة، وقد كشف بعض نوّاب تكتل لبنان القوي أنّ التكتّل يتجه نحو الطعن بالقانون أمام المجلس الدستوري، ولكن ذلك لا يعني أبداً أنّ الطعن سيبطل القانون أو سيعيده إلى المجلس النيابي، فالمجلس الدستوري له آلياته الحاكمة، فضلاً عن أنّ بعض أعضائه لهم مرجعياتهم السياسية التي يتلقون منها التعليمات ويعملون بمقتضاها، وبالتالي فإنّ عمل المجلس محكوم بهذه الاعتبارات وليس من السهولة أن يصل إلى قرار بخصوص قانون بهذه الخصوصية فضلاً عن شبه الاجماع النيابي حوله نظراً للظروف المحيطة به، فباستنثاء تكتّل لبنان القوي الذي قاطع الجلسة، ونوّاب كتلة الوفاء للمقاومة الذين خرجوا منها قبيل بدء التصويت على اقتراح القانون فدخل بدلاً عنهم نوّاب الكتائب والمعارضة الذين عملوا على تأمين نصاب الجلسة لإقرار قانون تأجيل تسريح قائد الجيش ومدير عام قوى الأمن الداخلي، فإنّ معظم النوّاب حضروا تحت عنوان الضرورة وأقرّوا اقتراحات القوانين. ولكنّ السؤال الجوهري الذي يعود ويطلّ برأسه ويطرح نفسه في ظلّ قيام المجلس بالتشريع تحت عنوان الضرورة، متى يمكن أن يحين موعد انتخاب رئيس للجمهورية؟! أليس انتخاب الرئيس من أوكد وأكثر الضرورات الملحّة التي يحتاجها لبنان في ظلّ هذه الظروف والأوقات؟! لاحظنا ولاحظ معظم اللبنانيين أنّ ملف انتخاب الرئيس بات في ثلاّجة كبيرة وكثيرة البرودة. فلم نعد نسمع عن أي حراك لا لبناني محلي ولا عربي أو دولي على هذا الخط، حتى أنّ مبعوث الرئيس الفرنسي الرئاسي، جان إيف لودريان، وهو مكلّف من الرئيس الفرنسي حصراً بوساطة في مسألة انتخاب الرئيس، وخلال زيارته الأخيرة قبل نحو أسبوعين إلى بيروت تحدّث في القرار 1701 والمنطقة العازلة في الجنوب وحمل تهديدات إسرائيلية للبنان ولم يتحدّث عن انتخاب الرئيس ولا بحث في أيّة صيغة ولا أي مقترح له علاقة بالموضوع. فضلاً عن أنّ مسألة انتخاب الرئيس غابت حتى عن تصريحات المسؤولين اللبنانيين تماماً كما لو أنّه ليس هناك أزمة ولا هناك شغور في موقع الرئاسية، ولا أي شيء من هذا القبيل. ربما الجميع ينتظر نتائج معركة طوفان الأقصى في فلسطين، بل الأصح ربما الجميع يراهن على نتائج معركة طوفان الأقصى ليمضي في مرشحه في ضوء نتائجها. لبنان بحاجة في ظلّ هذه الأوضاع أكثر من أي وقت مضى إلى رئيس للجمهورية، والمجلس النيابي الذي استطاع عن يجتمع تحت عنوان الضرورة ويقرّ اقتراح قانون لتمديد ولاية قائد الجيش ومدير عام قوى الأمن الداخلي، يستطيع أن يجتمع وينتخب رئيس جديد لو صدقت النوايا عن الكتل النيابية والقوى السياسية. أمّا بالنسبة للوسطاء فإنّ اللبنانيين، وأعني بهم الشعب، يأملون من هؤلاء الوسطاء وفي طليعتهم الأشقاء القطريين إعادة تحريك وساطتهم لإنجاز هذا الملف وهم الذين نجحوا في تحريك وساطات عديدة على مستوى المنطقة ونجحوا فيها. اللبنانيون يأملون أن تنتهي معاناتهم وتنتظم مؤسساتهم وتعود إلى العمل كالمعتاد حتى تعود الحياة وتدبّ في لبنان من جديد. د. وائل نجم

12345678910...