العدد 1697 /7-1-2026
يسجّل لبنان ارتفاعاً
لافتاً في إصابات السرطان والوفيات المرتبطة به، وفقاً لدراسات علمية دولية، وكذلك
لبيانات رسمية. يأتي ذلك وسط تدهور بيئي متواصل وأزمة صحية وكذلك اقتصادية تضغط
على قدرات الدولة في مواجهة هذا المرض. وكانت دراسة أجرتها مجلة "ذا
لانسيت" الطبية حول مرض السرطان على الصعيد العالمي، نُشرت في سبتمبر/ أيلول
الماضي، قد بيّنت أنّ لبنان سجّل نسبة الزيادة الكبرى على الإطلاق بين الدول في
المعدّلات المعيارية للإصابة بالسرطان والوفيات الناجمة عنه لكلا الجنسَين، خلال
33 عاماً.
وبيّنت دراسة "ذا
لانسيت"، التي لاقت تشكيكاً، أنّ لبنان سجّل ارتفاعاً بنسبة 162% في إصابات
السرطان، فيما سجّل زيادة بنسبة 80% في الوفيات بين عامَي 1990 و2023، علماً أنّ
معدّل الإصابات المسجّلة في عام 2023 بلغ نحو 2.335 إصابة بالسرطان لكلّ 100 ألف
شخص. وتوقّعت الدراسة أن يكون لبنان في المرتبة الأعلى عالمياً لجهة زيادة الوفيات
الناجمة عن السرطان بنسبة نحو 80% بحلول عام 2050.
وإذ وصفت جهات لبنانية
معنية بالصحة البيانات التي خلصت إليها دراسة "ذا لانسيت"
بـ"المقلقة"، لم تتردّد في التشكيك بها. في هذا الإطار، علّق وزير الصحة
العامة في لبنان ركان ناصر الدين على نتائج الدراسة، مشيراً إلى أنّ توقّع احتمال
أن يتصدّر لبنان وفيات السرطان يعتمد على افتراضات إحصائية، في غياب قاعدة بيانات
وطنية دقيقة عن حالات الوفاة بالمرض. وقال ناصر الدين، بحسب ما نقل عنه بيان صادر
في سبتمبر الماضي، إنّ وزارة الصحة العامة رفعت التغطية المالية المخصّصة لأدوية
السرطان من مليونَي دولار أميركي إلى 10 ملايين دولار شهرياً. وأضاف أنّ نسبة رفض
طلبات العلاج لا تتجاوز 6%، شارحاً أنّها تقتصر على الحالات التي لا تستوفي الشروط
الطبية.
في سياق متصل، حذّر وزير
الصحة العامة، في تصريح صحافي سابق، من الارتفاع المتسارع في معدّلات لبنان الخاصة
بالإصابة بالسرطان، في ظلّ عوامل بيئية وسلوكية، أبرزها التدخين والتلوّث وانتشار
المولدات الكهربائية الخاصة (التي من شأنها تعويض الانقطاع في التيار الذي توفّره
مؤسسة كهرباء لبنان)، وضعف الإدارة والتنظيم الصحيَّين. وأفاد ناصر الدين بأنّ 230
شخصاً من بين كلّ 100 ألف في لبنان يُصابون بالسرطان، وذلك استناداً إلى بيانات
وزارة الصحة العامة لعام 2022. ولفت إلى تسجيل نحو 14 ألف إصابة بالسرطان سنوياً،
موزّعة بين ثمانية آلاف إصابة بين النساء وستّة آلاف بين الرجال.
تلوّث هواء لبنان...
وبيروت
ويربط خبراء بيئيون
الارتفاع المسجّل بتدهور جودة الهواء في لبنان أخيراً، ولا سيّما في العاصمة
بيروت. وفي هذا الإطار، قال الصحافي المتخصّص في القضايا البيئية مصطفى رعد لوكالة
الأناضول إنّ قطاع النقل والمولدات الكهربائية الخاصة يمثّلان المصدرَين
الأساسيَّين لتلوّث الهواء في لبنان.
وأوضح رعد أنّ بيروت
تستقبل يومياً نحو 200 ألف مركبة، في حين يُقدَّر عدد المولدات الكهربائية الخاصة
بنحو 450 ألف مولد في مختلف المناطق اللبنانية، الأمر الذي يؤدّي إلى انبعاثات
كثيفة من الغازات والجسيمات الدقيقة الملوّثة للهواء. وحذّر من خطورة هذه
الجسيمات، لأنّها قادرة على اختراق الجهاز التنفسي والدخول إلى مجرى الدم، شارحاً
أنّها قد تؤدّي إلى زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان على المدى الطويل، وفقاً لدراسات
علمية.
ومنذ عام 2019، مع تفاقم
أزمة الكهرباء في لبنان، برزت في أجواء بيروت ظاهرة تُعرف باسم "الغيمة
البنية"، وهي ناجمة عن انبعاثات المولدات الكهربائية واحتراق الوقود، وتحتوي
غازات مصنّفة بأنّها مسرطِنة، من بينها أوّل أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين، بالإضافة
إلى مركّبات الديوكسين والفوران.
الحدّ من التلوّث
وفي ما يتعلق بالحلول،
رأى الصحافي اللبناني المتخصّص في القضايا البيئية أنّ معالجة التلوّث ليست
مستحيلة، لكنّها تتطلّب قراراً سياسياً وتنفيذاً جدياً. وبيّن رعد أنّ من أبرز
الإجراءات المقترحة تركيب فلاتر للمولدات الكهربائية الخاصة، تختلف بحسب قدرة كلّ
مولد (أقلّ أو أكثر من 200 كيلوفولت أمبير)، الأمر الذي من شانه أن يحدّ بصورة
كبيرة من انتشار الجسيمات الدقيقة في الهواء. كذلك شدّد رعد على أهمية تشجيع
استخدام المركبات الكهربائية، في ظلّ انخفاض الضرائب المفروضة عليها، وتفعيل مبدأ
المشاركة في استخدام المركبات، للحدّ من عدد تلك التي تتّجه يومياً إلى بيروت.
وأكد رعد أنّ لبنان
يمتلك بالفعل استراتيجية للحدّ من تلوّث هوائه لكنّها لا تُطبَّق. كذلك ثمّة مراصد
رسمية لقياس جودة الهواء أنشأتها وزارة البيئة اللبنانية تعطّلت منذ عام 2019،
وأخيراً بدأ العمل على إعادة تشغيلها. ورأى أنّ الحلّ الجذري يبقى في إقرار خطة
نقل عام واضحة وفعّالة، تتيح للمواطنين الاستغناء تدريجياً عن السيارات الخاصة
وتخفّف من العبء البيئي كما الصحي المتفاقمَين عن العاصمة وسكّانها.
تزايد إصابات شباب لبنان
من جهتها، علّقت النائب
في البرلمان اللبناني وعضو لجنة البيئة فيه نجاة عون صليبا على دراسة "ذا
لانسيت"، قائلةً لوكالة الأناضول إنّها تعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية في
تقديراتها؛ السلوكيات الفردية مثل التدخين، ومستويات التلوّث البيئي، والعوامل
الجينية والتمثيل الغذائي.
وأشارت صليبا، المتخصّصة
في الشأن البيئي، إلى أنّ لبنان سجّل أحد أعلى معدّلات الارتفاع في الإصابة
بالسرطان في العقود الماضية. وحذّرت من تزايد السرطان بين فئات عمرية شابة، علماً
أنّ هذا أمر رصدته دراسات أجرتها جامعات لبنانية عدّة، من بينها الجامعة الأميركية
في بيروت. وأضافت أنّ إصابة أشخاص في سنّ مبكرة تنعكس سلباً على الواقعَين
الاجتماعي والاقتصادي، في بلد يواجه تحديات متزايدة في تأمين الرعاية الصحية
لسكانه.
وعن الإجراءات الرسمية
في هذا السياق، أشارت عضو لجنة البيئة النيابية إلى أنّ مجلس الوزراء اللبناني
أقرّ قراراً يُلزم أصحاب المولدات الكهربائية الخاصة بتركيب فلاتر للحدّ من
انبعاثاتها. ووصفت صليبا القرار بأنّه "خطوة إيجابية"، لكنّها شدّدت على
ضرورة تطبيقه ومراقبته، إلى جانب وضع خطة وطنية شاملة للكهرباء.
توعية ووقاية
من جهة أخرى، دعت صليبا
إلى تعزيز الطب الوقائي وبرامج التوعية، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة المرض بعد
الإصابة. وبالنسبة إلى مرضى السرطان، سلّطت صليبا الضوء على أزمة نقص الأدوية،
لافتةً إلى أنّها تتلقّى يومياً شكاوى من مرضى غير قادرين على الحصول على أدويتهم،
سواء لعدم توفّرها لدى وزارة الصحة العامة أو بسبب ارتفاع أسعارها.
وحذّرت صليبا من انتشار
تهريب الأدوية من الخارج، مبيّنةً أنّها أدوية غير خاضعة للرقابة وقد تكون بالتالي
مغشوشة أو محفوظة بطرق غير سليمة، الأمر الذي يمثّل خطراً إضافياً على حياة
المرضى. ودعت وزارة الصحة العامة إلى تعزيز التخطيط والإحصاءات الدقيقة لتقدير
الكميات المطلوبة وضمان توفير الأدوية الآمنة لجميع محتاجيها.