العدد 1495 /12-1-2021

فيما يغرق اللبنانيون بهمومهم المعيشية والاقتصادية يغرق اهل السياسية في لبنان في هم الانتخابات النيابية القادمة والمقرر اجراؤها في 15 من شهر ايار القادم.

فلا ازمة الكهرباء ، ولا ازمات الماء والدواء وانتشار المخدرات والسرقات وارتفاع سعر صرف الدولار الى فوق الثلاثين الف ليرة لبنانية كان كافيا من اجل السماح بعقد جلسة لمجلس الوزراء ، ولكن دعوة الرئيس ميشال عون لعقد طاولة للحوار قبل اشهر قليلة من انتهاء ولايته الرئاسية كانت محل قبول وترحيب من قبل "حزب الله" وبعض القوى السياسية الموالية له ، انها الشيزوفانيا السياسية التي يعيشها اهل السياسة في لبنان في هذه الايام الصعبة على اللبنانيين ، الذين لايريدون حوارا عقيما لا يقدم ولا يؤخر في هذا الظرف بالذات بل يريدون حلولا سريعة لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي اوصلت لبنان واللبنانيين الى حافة الهاوية ان لم نقل الى الهاوية التي اصبحت قريبة من بيوت اغلبية الشعب اللبناني.

والاغرب من ذلك كله ان يبادر البعض الى تحميل غيره مسؤولية ما وصلت اليه الاوضاع في لبنان وكأنه كان خارج السلطة طوال السنوات الماضية ولا يتحمل مع غيره من القوى السياسية الكبرى في البلد مسؤولية الانهيار الذي يعيشه لبنان في هذه الايام ، فرئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» السيد هاشم صفي الدين يقول:«إنّ الذين يتهجمّون على المقاومة في لبنان ويحاولون تحميلها المصائب الاقتصادية، هم يعلمون أنّ الذي أوجد المصائب المالية والاقتصادية والمعيشية هم أسيادهم، الذين حكموا سياسيين يعملون وفق سياساتهم، وهم يعلمون أنّهم يخدمون مصالح أميركا ومن تهتم به أميركا وإسرائيل، ويفعلون هذا من أجل تحقيق مواقع سياسية لن يصلوا إليها حتماً».

وهنا نسأل من الذي اقام التحالفات طوال السنوات الماضية مع باقي القوى السياسية الذي يتهمها السيد هاشم صفي الدين بالمسؤولية عن " المصائب المالية والاقتصادية والمعيشية " ، اليس "حزب الله" وحلفاءه في السلطة ، ومن بيده القرار السياسي والامني في البلد ومن يملك الاكثرية النيابية منذ انتخابات العام 2018، اليس حزب الله وحلفاءه ، ومن عطل انتخابات رئاسة الجمهورية اكثر من سنة ونصف حتى يجري انتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية اليس "حزب الله" ؟

هذه الاسئلة وغيرها كثير يجب الاجابة عليها من قبل اللبنانيين في هذه الايام حتى لاتكون الانتخابات النيابية القادمة فرصة ضائعة من اجل انقاذ لبنان مما يعانيه بفعل سياسات اهل السلطة في لبنان من كل الطوائف والاحزاب وليس من طائفة اوفئة او حزب فقط ، فكل من كان في السلطة وكل من شارك في السلطة طوال الفترة الماضية ، مسؤول مسؤولية مباشرة عن المأساة التي يعيشها اللبنانيون في هذه الايام.

وبالعودة الى دعوة الرئيس عون للقوى السياسية الى الحوار في قصر بعبدا حول العناوين الثلاثة التي طرحها في رسالته الرئاسية بين عيدي الميلاد ورأس السنة، وهي خطة التعافي المالي التي يمهّد البتّ بها لاستئناف المفاوضات المتوقّعة مع صندوق النقد الدولي ، كما بالنسبة الى الاستراتيجية الدفاعية التي توفّر حلاً لكثير من الملاحظات الدولية والأممية في شأن السلاح غير الشرعي، وثالثها اللامركزية الإدارية والمالية الموسعّة، فان هذه الدعوة في هذا الوقت بالذات عليها عدة ملاحظات هامة وهي:

اولا: لماذا الدعوة لمناقشة هذه البنود الهامة عشية الانتخابات النيابية ، وقبيل انتهاء ولاية الرئيس عون بعد تسهة اشهر، وهل هي دعوة لانقاذ لبنان او لانقاذ ما تبقى من عمر العهد؟

ثانيا: كيف يتم الدعوة لطاولة حوار في قصر بعبدا مع باقي القوى السياسية ، فيما يتعذر انعقاد مجلس الوزراء الذي يغلب عليه فريق واحد بسبب الخلاف حول بقاء او عدم بقاء المحقق العدلي في قضية انفجار المرفأ القاضي طارق البيطار، اليس من الاولى ترتيب البيت الداخلي للحكومة اولا قبل الدعوة الى حوار في الوقت الضائع ، ولعل هذا ما قصده رئيس الحزب التقدمي وليد جنبلاط عندما قال تعليقا على دعوة الرئيس عون للحوار، «انّ العمل من اجل إحياء جلسات مجلس الوزراء يبقى هو الأهم وقبل القيام بأي عمل آخر».

ثالثا: هل يمكن اجراء حوار بمن حضر في ظل رفض هذه الدعوة من قبل تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية ، حيث أبلغ الحريري الرئيس عون اعتذاره عن المشاركة لأن أي حوار على هذا المستوى يجب أن يحصل بعد الانتخابات النيابية ، واعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في كلمة له بمناسبة اطلاق ماكينة القوات الانتخابية "أن هذه المعركة هي معركة إنقاذ لبنان من محاولة تغيير هويته وتاريخه، كما انها معركة اللبنانيين للتخلُّص من الواقع المذري الذي أوصلهم إليه تحالف حزب الله والتيار الوطني الحر ومن معهما".

رابعا: كيف يمكن اجراء حوار يرفضه رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي الذي نقلت مصادره انّ ميقاتي يعتبر "انّ الظرف غير ملائم راهناً لطاولة الحوار، سواء لناحية توقيتها او متطلبات نجاحها، وبالتالي فهو يفضّل ان لا يدعو عون اليها، لكن إذا أصرّ رئيس الجمهورية عليها فإنّه قد يتجّه للمشاركة فيها حتى يتفادى مشكلة مع رئيس الجمهورية"، ولكن اذا حضر فسيكون حضوره بصفته رئيساً للحكومة وليس رئيساً لكتلة «الوسط»، بسبب التزامه موقف نادي رؤساء الحكومات السابقين المقاطعين للطاولة، كما انتهت اليه مشاورات الحريري قبل اتصاله بعون لإبلاغه انّه لن يلبّي هذه الدعوة لعدم جدواها.

بالخلاصة يمكن القول دعوة الرئيس عون للحوار هي دعوة في الوقت الضائع ، فيما المطلوب التحرك سريعا من اجل انقاذ لبنان والعمل على معالجة القضايا التي تؤرق اللبنانيين مثل انهيار سعر صرف الليرة وغياب الخدمات الاساسية وانقطاع الكهرباء...ألخ، وذلك عبر تفعيل مجلس الوزراء المعطل منذ ثلاثة اشهر ، واما غير ذلك من الامور فهو مجرد لهو لا قيمة له تمارسه هذه الطبقة السياسية التي تعيش في ظل حالة من الشيزوفانيا السياسية بكل ما في الكلمة من معنى.

بسام غنوم