العدد 1528 /14-9-2022

حذّر عضو مجلس إدارة فيدرالية مسلمي فرنسا (اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا سابقا)، رئيس الفيدرالية الفرنسية للمدارس الإسلامية الخاصة، مخلوف مامش، من التوسع في سياسة طرد بعض الأئمة من فرنسا.

وقال: "هذه السياسة كانت موجودة سابقا، إلا أن وزير الداخلية الحالي، جيرالد دارمانان، سرّع من وتيرة الحديث عن تلك السياسة التي بثت الخوف في الأوساط الإسلامية بفرنسا، خاصة أن الأمور تمضي بسرعة فائقة خلال الأشهر الأخيرة".

وأوضح، أن قانون "مكافحة الانفصالية"، الذي تم إقراره منذ نحو عام، "يعطي السلطات الحق في اتخاذ قرارات إدارية كإغلاق المساجد أو طرد بعض الأشخاص، إذا ثبت عنهم قول شيء ما يُخالف ما يسمى قيم الجمهورية، دون الوقوف أمام العدالة".

وتابع مامش، وهو مؤسس أول مدرسة ثانوية إسلامية في فرنسا (ثانوية ابن رشد): "قانون النزعة الانفصالية يحتاج إلى مراجعة، وأي قرار يُتخذ لا بد أن يمر عن طريق القضاء، فأي قانون هذا الذي يسمح بترحيل الأشخاص وفصلهم عن عائلاتهم بعد أن قضوا حياتهم في فرنسا؟".

ولفت مامش إلى أن قانون مكافحة الانفصالية "يشمل أكثر من 50 مادة تمس كل ما هو إسلامي؛ سواء مساجد أو مدارس أو جمعيات أو أشخاص، ونحن المسلمين نشعر الآن وكأننا نعيش غير الحقبة التي كنّا نعيشها سابقا".

وأشار إلى أن "هناك إجراءات رقابية (ضد المسلمين) بشكل أكبر، بل نعتقد أن كل شيء بات يخضع للرقابة، وكأن مكافحة الانفصالية مخصصة للإسلام والمسلمين فقط دون غيرهم".

وذكر أن "ماكرون ترك لوزير داخليته كل الحرية المطلقة في إدارة شؤون الإسلام والمسلمين في فرنسا. وفي الحقيقة، هذا الوزير زاد الطين بلة بسياسته المنتهجة التي أصبحت الآن سياسة غير مرحب بها بين الأوساط الإسلامية وأوساط المسلمين في فرنسا عموما، وأتمنى أن يستدرك الأمر ويتراجع عن هذه السياسة المنتهجة".

يشار إلى أنه في 30 آب الماضي، نقض مجلس الدولة، أعلى محكمة إدارية فرنسية، قرارا صادرا عن المحكمة الإدارية في باريس يعلق طلب ترحيل إيقيوسن إلى المغرب. هذا القرار وصفه وزير الداخلية الفرنسي بأنه "نصر عظيم للجمهورية"، مؤكدا أنه يعطي "الضوء الأخضر" لترحيل إيقيوسن.

وفي 28 تموز الماضي، نشر دارمانين عبر حسابه على "تويتر"، خبرا لمجلة "لا بوينت" اليمينية تحت عنوان: "الإمام الإخواني مهدد بالترحيل"، وعلق عليه بالقول: "هذا الداعية يتبنى خطاب كراهية ضد قيم فرنسا، ويتنافى مع مبادئ العلمانية والمساواة بين الرجال والنساء، وسيتم طرده من الأراضي الفرنسية".

أما بالنسبة للأشخاص المُشار إليهم، فكلهم ذوو جنسيات أجنبية، ولم يتم تجديد إقاماتهم. وكذلك هناك جمعيات ثقافية تدافع عن حقوق الإنسان، وأخرى تهتم بالمساعدات الإنسانية سواء لفلسطين أو لدول أخرى، تم تجميدها وتجميد أرصدتها وغلقها، وهذا قبل سنة ونصف تقريبا.

بحسب ما تم نشره، سيكون من بين الأئمة الذين سيتم طردهم الرئيس الأسبق لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، أحمد جاب الله، وهو الحليف التاريخي لوزارة الداخلية، ما دلالة ذلك؟

في الحقيقة هذا كلام سابق لأوانه، وهي تخمينات صحفية جاءت عقب حديث موقع "ميديا بارت" مع محامي الدكتور أحمد جاب الله؛ إذ اعتبروا أن عدم تجديد الإقامة له يُمهد لطرده من التراب الفرنسي. وهذه الوضعية التي يعيشها الدكتور جاب الله بدأت منذ ثلاث سنوات، وليست وليدة الأمس. أضف إلى ذلك، أن الدكتور جاب الله شخصية علمية تحظى بالاحترام والتقدير من كل مكونات المجتمع الفرنسي، خاصة أن خطابه "خطاب مسؤول"، وقد أسّس معهدا لتخريج الأئمة في منطقة شاتو شينون ومعهد آخر في باريس، وله نشاط كبير في الحوار بين الأديان، ويقيم في فرنسا منذ أكثر من 40 سنة.

بالنسبة للإمام حسن إيقيوسن، فقد صدر في حقه قرار من مجلس الدولة (أعلى محكمة إدارية فرنسية)، يقضي بترحيله وطرده من فرنسا تماما.

الآن يبدو أن حسن إيقيوسن -حسب تصريحات المحامية- خرج بنفسه من فرنسا، ولا نعلم أين هو موجود حاليا، ومن ثم فهذا القرار يسري عليه تماما الآن، لأنه قرار محكمة، ولا ينسخ إلا بقرار آخر من العدالة.

وهل سينجح وزير الداخلية في طرد بعض رجال الدين الآخرين؟

أظن أن الوزير قبل أن يتخذ أي قرار له آليات ينبغي عليه اتباعها؛ فهناك آليات للترحيل والطرد قبل إصدار القرار. والقرارات هذه تخص بالدرجة الأولى الأشخاص والأئمة الذين لا يحملون الجنسية الفرنسية، وإنما عندهم جنسيات أجنبية، فهذا يُسهّل على السلطات الفرنسية طردهم.

وسياسة طرد بعض الأئمة الذين يطلقون تصريحات مثيرة للجدل وتتعارض مع قيم الجمهورية -كما يقول وزير الداخلية-، كانت موجودة قبل مجيء الوزير الحالي، إلا أن هذا الوزير سرّع من وتيرة الحديث عن طرد بعض "الأئمة المتطرفين"، بحسب قوله.

هل السلطات الفرنسية تسعى بحق إلى "خلق إسلام فرنسي من خلال تكوين أئمة على التراب الفرنسي، وتهيئتهم لأخذ دورهم بدل الأئمة القادمين من الخارج"؟

ليس من حق السلطات الفرنسية أن تسعى إلى خلق "إسلام فرنسي" من خلال تكوين أئمة على التراب الفرنسي. هذا مُخالف لقانون الجمهورية ولمبادئ العلمانية في فرنسا. فمن المفترض ألا تتدخل السلطات في تكوين الأئمة، وإنما يحدث ذلك من خلال جمعيات ومؤسسات دينية إسلامية، تهتم بتكوين الأئمة على التراب الفرنسي، ولديهم علم بالمجتمع والقوانين الفرنسية، وهذا أمر مهم جدا.

لكن المسلمين في فرنسا الآن، هم الذين يهتمون بتكوين الأئمة، وهناك مراكز ومعاهد تهتم بتكوين وتخريج الأئمة الذين لهم أصول فرنسية، ويتكلمون باللغة الفرنسية، ويحسنون الأداء، ولديهم تكوين شرعي وعلمي لا بأس به، وهذا هو الذي نريده ونصبو إليه.

أما الأئمة الذين يأتون من الخارج، فالرئيس ماكرون أكد في أحد خطاباته، أنه ابتداء من السنة المقبلة لن يُسمح لأي إمام من خارج البلاد أن يدخل إلى فرنسا، ونحن نشاطره الرأي؛ لأن الأئمة لا بد أن يجيدوا اللغة الفرنسية، وأن يحسنوا معرفة المجتمع الفرنسي وتاريخ وقوانين البلاد، وهذا أمر مهم للغاية. ولكن ليست هناك إرادة سياسية من أجل تفعيل ذلك، فيبقى إلى حد الآن مجرد كلام نتغنى به ولم نر له أثرا على الواقع.