العدد 1698 /14-1-2026
عائشة البصري
موجة الغضب التي
اجتاحت الديمقراطيات الأوروبية تجاه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن العدوان
على فنزويلا، وتهديده بغزو غرينلاند، توحي بأن إدارة ترامب قد تجاوزت خطّاً أحمرَ
في السياسة الخارجية الأميركية، في حين أن الرئيس الأميركي يسير فقط في خطى الآباء
المؤسّسين لبلده ومن سبقه من رؤسائها الستّة والأربعين. ولعلّ حلفاءه الأوروبيين،
وهم يحذّرون من النزعة الإمبريالية لترامب ويتهمونه بهدم النظام الدولي الليبرالي،
قد نسوا أن الأخير قد وُلد ميتاً من رحم الإمبريالية الغربية. فكما يحاجّ العديد
من علماء السياسة، هذا النظام القائم على القوّة المغلّفة بالقيم والقانون الدولي
لم يكن ليبرالياً في جوهره، بل سلطوياً ونخبوياً وانتقائياً، وُجد لخدمة مصالح
القوى الغربية بزعامة واشنطن التي وضعت معاييره وبلورت قيمه وهيمنت على أهم
مؤسّساته، ثم طبّقت مبادئه وقواعده وقوانينه بصورة انتقائية، فانتهكتها متى تعارضت
مع مصالحها ومصالح حلفائها، على حساب غالبية أصبحت تُعرف اليوم بدول الجنوب
العالمي.
أميركا، زعيمة
هذا النظام، الدولة التي قامت على إبادة الهنود الحمر وتوسّعت على حساب جيرانها،
لم تكن يوماً حمامة سلام عبر العالم. ويكفي التذكير بأنها نفّذت أكثر من 500 تدخّل
عسكري خارج أراضيها منذ استقلالها عام 1776، وكان 60% منها بين عامي 1950 و2017،
بحسب مركز فليتشر للدراسات الاستراتيجية. بعبارة أخرى، جرت معظم الحروب وأعمال
العدوان الأميركية تحت مظلّة النظام الليبرالي العالمي الذي يقوم على الانفتاح
الاقتصادي، والمؤسّسات المتعدّدة الأطراف، والأمن الجماعي، والتضامن الديمقراطي.
وتزعم الفكرة الأساسية لهذا النظام أنه يمكن كبح سياسات القوة عبر الدبلوماسية
المتعدّدة الأطراف ومؤسّساتها، إلا أن أميركا وجلّ الدول الأوروبية أفشلت مشروع
نظامٍ وُلد ميتاً.
وفق قواعد هذا
النظام الليبرالي، عملت واشنطن وحلفاؤها على إضفاء طابع شرعي على الحروب التي خاضتها
سعياً وراء الموارد الطبيعية والسيطرة على الأسواق وإحكام النفوذ على المواقع
الاستراتيجية. وحرصت، قدر الإمكان، على أن تتم هذه الحروب بشراكة غربية وبتفويض
أممي، وبذريعة حماية السلم والأمن الدوليَّين، أو الدفاع عن سيادة الدول، أو حماية
المدنيين وتحقيق مهمة إنسانية، أو حتى نشر قيم الديمقراطية. وكلما كانت جرائمها
غير قابلة للتسويق، كقلب الأنظمة أو الإطاحة بقادة الدول، لجأت إلى عمليات سرّية
حفاظاً على صورتها راعيةً للحريات والحقوق والديمقراطية.
على مدى عقود،
ظلّت الهيمنة الأميركية تحترم نصيحة "اليد القذرة والقفّاز النظيف" التي
أسداها الدبلوماسي الإيطالي نيكولو مكيافيلي في كتابه "الأمير"، إلى أن
جاء ترامب ليضرب بها عُرْضَ الحائط. ما صدم حلفاء أميركا الأوروبيين ليس العدوان
الأميركي على سيادة فنزويلا (لم يدينوه، باستثناء إسبانيا وهولندا والنرويج)، بل
الأسلوب الفظّ الذي تم به، مفتقداً الحدّ الأدنى من التلطيف اللغوي والثوب
الأخلاقي. ورغم طرح إدارته مكافحة تهريب المخدّرات، جهر ترامب، في المؤتمر الصحافي
الذي تلا عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي، بأن الدافع الحقيقي كان السيطرة على نفط
البلاد. صدمهم الرجل بصراحته الفجّة، وبكشفه وتبجّحه بما جرت العادة على إخفائه
وتجميله.
ما أزعج القادة
الأوروبيين أيضاً أن ترامب غير معني بالبحث عن إضفاء مشروعيةٍ على عملية عدوان على
دولة أخرى، سواء من الأمم المتحدة أو حتى من الكونغرس، بحسب قواعد الديمقراطية
الأميركية المتآكلة. ويتهمونه أيضاً بتدمير الأسس والمؤسّسات التي قامت عليها
الدبلوماسية المتعدّدة الأطراف، خصوصاً أن إدارته سحبت جزءاً كبيراً من تمويلها
للمنظومة الأممية، وأعلنت انسحابها من نحو 70 منظمة دولية، بينها نحو 35 هيئة
واتفاقية ومعاهدة أممية، بدعوى أنها مُكلِفة، غير فعّالة، أو مُضرّة بالمصالح
الأميركية.
في الواقع، ما
تنتهجه إدارة ترامب سياسة جديدة يمكن وصفها بالتعدّدية الانتقائية؛ إذ لم تنسحب
أميركا من كل وكالات الأمم المتحدة وغيرها من منظّمات دولية، بل احتفظت بعضويتها
ودعمها تلك التي تعتبرها تخدم سياسة "أميركا أولاً"، بما في ذلك الوكالة
الدولية للطاقة الذرية والاتحاد الدولي للاتصالات ومنظمة الطيران المدني الدولي
وغيرها من الوكالات التقنية. وبدلاً من الانسحاب من البنك الدولي وصندوق النقد
اللذَين تنتقد أداءهما، تضغط واشنطن لإجراء "إصلاحاتٍ" تعيد المؤسّستَين
إلى روح نظام بريتون وودز الذي سهّل الهيمنة المالية الأميركية على النظام المالي
الدولي. وقد لخّص وزير المالية سكوت بيسنت موقف بلاده بقوله: "أميركا أولاً
لا تعني أميركا وحدها… الولايات المتحدة هنا لتفوز في البنك الدولي وصندوق النقد".
ما لن يغفره
الأوروبيون لترامب انقلابه على أوروبا التي تجسّد ذلك الغرب الأبيض المسيحي الذي
ولدت من رحمه أميركا ومشروعها الليبرالي. ما تغيّر اليوم هو تحديداً تلك الشراكة
التي عاشوا في ظلّها منذ خطة مارشال الأميركية التي أنعشت اقتصاد أوروبا الغربية
جراء الحرب العالمية الثانية، والحماية الأمنية التي تقدّمها لـ27 دولة عضو في حلف
شمال الأطلسي (ناتو) الذي يرفض ترامب أن تتحمّل واشنطن جلّ أعبائه، وعديد من
الامتيازات والمكاسب التي حصدتها القارّة العجوز على مدى عقود مقابل قبولها
الهيمنة الأميركية باسم الغرب.
وبدلاً من شراكة
حتى التواطؤ، أصبحت واشنطن تفرض على حلفائها السابقين رسوماً جمركية مؤلمة، وتشنّ
عليها حرباً تجاريةً مفتوحة، وتهدّدها بالانسحاب من "ناتو". انقلاب
أميركي بكل ما في الكلمة من معنى. وقد أصبحت طموحات ترامب الإمبريالية تجري في
حيّز جغرافي يتجاوز فنزويلا وباقي الدول الموجودة في الحديقة الخلفية لواشنطن،
ليمتدّ إلى أوروبا الغربية، إلى جزيرة غرينلاند تحديداً التابعة للدنمارك والتي
يرغب في ضمها بالقوة إن استدعى الأمر ذلك. وصدقت رئيسة وزراء الدنمارك ميتي
فريدريكسن، حين قالت إنه إذا اختارت أميركا شنّ هجوم عسكري على دولة أخرى عضو في
"ناتو"، فسينتهي كل شيء.
بالفعل، غرينلاند
هي آخر الحصون؛ إن سقطت سينهار رسمياً النظام الليبرالي الدولي، وستدخل العلاقات
الدولية حقبة أخرى يتهافت علماء السياسة على تحديد معالمها. ويقدّم بعضهم (ستايسي
غودارد وأبراهام نيومان تحديداً) فرضية مفادها بأن ترامب قد يسرّع الانتقال من
النظام الدولي الليبرالي القائم على النظام الوستفالي إلى نظام ملكي جديد، يتلاءم
مع طبيعة أسلوب حكم عديدين من القادة السلطويين عبر العالم مثل رجب طيّب أردوغان
في تركيا، وناريندرا مودي في الهند، وفيكتور أوربان في هنغاريا، وشي جين بينغ في
الصين، وفلاديمير بوتين في روسيا. كثيرة هي التكهّنات بما سيؤول إليه وضع نظام
العلاقات الدولية، لكن الأكيد أن ترامب جزء من مشهد عالمي إمبريالي جديد يقوم على
القوّة بعيداً من مزاعم المهمّة الحضارية.