العدد 1698 /14-1-2026

سمر يزبك

الخطر في السوابق التاريخية للجريمة ليس في فظاعتها الأولى بقدر ما هو في قابليتها للتقليد والتكرار. والعالم اليوم، كما كان على مدار التاريخ (كي لا نخدع أنفسنا)، لم يعش على قواعد أخلاقية مطلقة بقدر عيشه على ذاكرة كسر هذه القواعد والقوانين. ولكن ما يحدُث حالياً من احتفالٍ أميركي بالبلطجة والاعتراف بها، بدل البحث عن مبرّرات ومسوّغات كما كان يحصل تاريخياً، هو الأمر الجديد. الحقيقة اليوم عاريةٌ بالكامل.

منذ كارل شميت ونحن نعرف أن السيادة لا تُقاس بمدى الخضوع للقانون، بل بالقدرة على تعليقه: "السيّد (الإمبراطور) هو من يقرّر حالة الاستثناء". لكن الحداثة الليبرالية حاولت، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أن تُخفي هذه الحقيقة خلف شبكة مؤسّسات وقواعد: مجلس أمن، محاكم دولية، معاهدات. ما نشهده اليوم هو عودة صريحة إلى منطق شميت، ولكن من دون أيّ صيغة لغوية تحاول أن تُقلِّل فظاعته. ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الثانية منع جميع الأعضاء من التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضدّ سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأيّ دولة. لم يكن هذا النص أخلاقياً بقدر ما كان وقائياً: في محاولة لوضع سقفٍ لغريزة الإمبراطورية.

لكن اليوم يتجاوز خطاب "خطف الرئيس الفنزويلي" وإحالته إلى محكمة داخلية تاجر مخدّرات، وخطاب "ضمّ جزيرة غرينلاند" طوعاً أو قسراًَ، المبادئ المعيارية التي وسمتْ سلوك الدول وضبطتْ نوعاً ما التوحّش البشري في عالم الأسلحة النووية، مع استثناءات نعرفها جيداً نحن سكّان المنطقة العربية. وفي خلفية ذلك تعمل اللغة آلةً لشرعنة التهديد، فقط لأنه يستند إلى قوة لا يملكها أحد؛ ويصبح التهديد عارياً تماماً عبر إنذارات تُوجَّه إلى رؤساء دول بأن الدور عليهم في الخطف، وأن النفط هو أساس كل ما سنقوم به من تصرفات إجرامية بحقكم، وعبارات مثل: "نحن نريد حقنا في نفطكم". السياسة العالمية انتقلت من مرحلة النفاق المنضبط، حيث تُرتكب المخالفات في الظلّ مع اعتذارٍ شكلي، إلى مرحلة الوقاحة العلنية والتهديد للجميع؛ فالتهديد وحده صار كافياً ليكون أداة ردع.

والنتيجة النفسية لهذا كلّه خوفٌ يُنتج لامبالاة عالمية. حين يرى العالم أن القانون يُطبَّق على الضعيف ويُعلَّق للأقوى، يصبح الاستنتاج العقلاني واضحاً: لنقف في صفّ الأقوى ونطبّع معه حتى ولو كان سيسلبنا أرضنا. وهكذا ننتقل من عالم القانون الدولي إلى عالم القلق المطلق. كان الإنسان العادي في ما مضى يستطيع أن يتوقّع حداً أدنى من السلوك الدولي. في عالم القلق، كل شيء يصبح ممكناً: حروب تندلع هنا وهناك بلا إعلان، موجات من الهجرات المتتالية، أسواق واقتصادات تنهار فجأة، بحار تغصّ بسفن اللاجئين والغرقى، وحتى العلاقات الخاصة بين البشر تتلوّث لأن الإطار العام صار عدوانياً وغير متوقّع. ما تفعله الولايات المتحدة اليوم يزرع في وعي البشر شعوراً بأن لا سقف يحمي أحداً. في نهاية هذا المسار، يدخل العالم منطقةً رماديةً يُدار فيها الخوف بدلاً من السياسة. والخوف، بخلاف القوة، لا يبني نظاماً؛ إنه يراكم هشاشته فقط. إن ما نشهده ليس انهيار معاهدات أو خرق مواثيق فحسب، وإنما انكسار الفكرة التي جعلت البشر يتظاهرون، ولو شكلياً، بأنهم يخضعون لقانونٍ أعلى من نزواتهم. وحين يسقط هذا القناع، لا يعود العنف حدثاً طارئاً بقدر ما يصبح لغة النظام نفسه.

وفي عالم كهذا، لا يكون الخطر الأكبر على الضحايا المباشرين وحدهم، وإنما على المعنى ذاته: معنى العدالة، معنى المسؤولية، معنى أن يكون للقانون وجود يتجاوز إرادة الأقوى. وحين يُمحى هذا المعنى لا يبقى لنا سوى خيارَين: إما أن نتواطأ مع منطق الغابة، أو أن ندرك (متأخّرين) أن الحضارة برمّتها لم تكن يوماً إلا محاولة هشّة فاشلة لإبقاء الوحش داخل القفص. الخطر الحقيقي ليس في أن إدارة ترامب تكسر القواعد، بل في أنها تفعل ذلك وهي تعيد تعريف معنى القاعدة نفسها. وفي عالمٍ بلا قواعد مشتركة لا يبقى سوى الغابة، لكن هذه المرّة بأسلحة نووية وخطاب فخرٍ بالبلطجة.