العدد 1696 /31-12-2025

تعيش العاصمة السودانية الخرطوم أسوأ أيامها، إذ تحولت مبانيها إلى أطلال تحتمي فيها الطيور والكلاب والقطط، وتتكدس فيها النفايات، كما صارت ساحاتها مقابر وسط انعدام الخدمات.

حوّلت الحرب الدائرة في السودان منذ أكثر من 32 شهراً أجزاءً مهمة وأحياءً عريقة في العاصمة الخرطوم إلى أنقاضٍ غارقة في الفوضى والظلام والخراب، فضلاً عن حالة اليأس التي سيطرت على المدينة بعد أن كانت نابضة بالحياة والحركة والزحام في أحد أكبر الأقطار الأفريقية مساحة.

وأحدثت الحرب خسائر هائلة في العاصمة المثلثة المؤلفة من ثلاثة مدن، هي الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، بدءاً من مقتل آلاف السكان الذين تحوّلوا إلى ضحايا في معارك دارت فوق رؤوسهم وبين أزقة الأحياء، مروراً بتسوية أحياء بأكملها بالأرض من خلال قصفها بالأسلحة الثقيلة والطائرات الحربية، وتحويل المستشفيات والمدارس والجامعات وغيرها من المرافق المدنية إلى ثكنات للجنود، وصولاً إلى تدمير البنى التحتية، وهدم ثلاثة جسور أساسية هي شمبات، والحلفايا، وجبل أولياء، مع تشريد أكثر من أربعة ملايين سوداني، بحسب إحصائيات غير رسمية.

أما سكان الخرطوم الذين لم يغادروها، فهم بالكاد يحصلون على مياه الشرب وينقلونها باستخدام الدواب، كما يطهون الطعام على الحطب، بعد أن كانت أسواق عاصمتهم في السنوات الماضية تعجّ بالسلع والبضائع الواردة من كل أنحاء العالم، وتستقبل مطاراتها الخطوط الجوية العالمية، وتغصّ لياليها بالكازينوهات ودُور السينما وأماكن الترفيه التي تحمل أسماء أجنبية، وتحتضن مسابقات الرقص وملكات الجمال، وتزورها أشهر الفرق الموسيقية العربية والأجنبية، وتقيم فيها جاليات عربية وأجنبية.

ومن بين 13 محطة مياه في العاصمة الخرطوم، تعرّضت 12 محطة للتدمير والتخريب بصورة متعمّدة أثناء الحرب، ونجت محطة واحدة بأقل الخسائر، ويقول مدير عام هيئة مياه الشرب والصرف الصحي بوزارة الري والموارد المائية، هشام الأمير، لـ"العربي الجديد" إن معظم محطات المياه باتت تتطلب جهداً كبيراً من أجل صيانتها وتأهيلها.

وعلى الرغم من محاولة السلطات المحلية في ولاية الخرطوم تصليح الأعطال التي لحقت بمحطات المياه والخطوط الناقلة، غير أن بعض أقدم الأحياء ما زالت تعاني العطش، وينقل سكانها المياه بالبراميل المحمّلة على الدواب، والتي يستخرجونها من الآبار الجوفية.

من جنوب الخرطوم، يقول إبراهيم جابر لـ"العربي الجديد": "بعد تدمير محطة المياه التي كانت تغذّي المنطقة، صرنا نحصل على مياه الشرب بمشقة، ونشتريها بالبرميل لأنّ المواسير توقفت منذ بدء الحرب. وبعد توقف العمليات العسكرية في العاصمة، لم تتمكّن السلطات من تجهيز كل المحطات، ما حرم آلاف الأسر من الحصول على المياه"، ويضيف: "المؤسف أن سكان الطبقات العليا لا يمكنهم حمل المياه بالبراميل، وهو ما دفع كثيرين إلى ترك شققهم واللجوء لمنازل أرضية".

كما خسر قطاع الكهرباء في ولاية الخرطوم نحو 90% من المنشآت والشبكات الأساسية بسبب التدمير الممنهج والسرقات التي طاولت المحطات التحويلية والكوابل، وحتّى التوصيلات داخل المنازل جرى تفكيكها وبيعها. ويقول مصدر في الهيئة القومية للكهرباء، طلب عدم الكشف عن هويته: "تضرّرت معظم محطات الإنتاج والتوزيع بصورة بالغة نتيجة قصفها، وكذلك تفكيكها بواسطة اللصوص الذين نشطوا في بيع الخردة والنحاس بمساعدة طرفَي الحرب".

ومؤخراً، أعلن والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن منطقة وسط العاصمة التي تضم المرافق الحكومية والجامعات وأقدم الأحياء وأكبر الأسواق لن تعود إليها الخدمات الحيوية، مثل الكهرباء والمياه، في الوقت الحالي، مُبيّناً أن الوضع يتطلب خطة شاملة تنفّذها شركات عالمية، من غير المتوقع حضورها في القريب العاجل. ورهن عودة الخدمات إلى وسط العاصمة بتحمّل المواطنين كلفتها الباهظة.

وتفكّكت إمكانيات وسائل النقل بالعاصمة، نتيجة السرقات التي طاولت مركبات النقل العام. فمن جملة أكثر من 750 خط نقل عام يعمل حالياً أقل من 100 خط بمعدل تشغيل لا يتجاوز النصف. ويقول أحد أعضاء هيئة إدارة النقل والمواصلات بولاية الخرطوم"يمرّ قطاع المواصلات بحالة سيئة من التفكّك والتدمير بعد التخريب الذي طاول المركبات الحكومية والخاصة. كما تضاعفت معاناة السكان مع المواصلات منذ بدء عودتهم من مناطق النزوح وبلدان اللجوء، وساهمت ندرة الوقود في ارتفاع أسعار النقل العام. ".

ويواجه آلاف السودانيين العائدين فضلاً عن النازحين المقيمين في ولاية الخرطوم صعوبات بالغة وسط شحّ الخدمات.

وأثناء القتال، توقفت معظم المستشفيات المهمة في العاصمة عن العمل، وعاد عدد قليل منها بسعة ضيقة، ما يفاقم الصعوبات أمام المرضى، إن لجهة عدم توافر الأطباء في المستشفيات الحكومية التي تُعدّ على أصابع اليد أو لجهة ارتفاع كلفة الدواء.