العدد 1657 /26-3-2025

فور سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ارتأت إدارة العمليات العسكرية في حينه تولي "حكومة الإنقاذ" في شمال غرب سورية، التي يرأسها محمد البشير، تسيير أعمال الوزارات والمؤسسات الحكومية حتى مطلع مارس/ آذار الحالي، لحين تشكيل حكومة تتولى إدارة المرحلة الانتقالية. لكن حتى اليوم، تواصل حكومة تسيير الأعمال السورية هذه المهمة، ولم تتشكل الحكومة الجديدة. وترددت أسماء عدة لمرشحين وطامحين لتولي منصب رئاسة الحكومة، وسط ترقب لتركيبتها. ونص الإعلان الدستوري الذي صدر يوم 13 مارس الحالي على أن يمارس رئيس الجمهورية والوزراء السلطة التنفيذية ضمن الحدود المنصوص عليها في هذا الإعلان الدستوري، مع ما حمله هذا البند من تغيير في آلية عمل الحكومة بغياب رئيس لها.

ترميم العمل الحكومي

عقب سقوط الأسد، انتقلت كوادر ووزراء "الإنقاذ" إلى دمشق للبدء في محاولات ترميم العمل الحكومي وسد الفراغ الذي تركه سقوط نظام ترك البلاد منهكة من النواحي كافة. فالعقوبات تكبّل الاقتصاد، والبنية التحتية متهالكة، وراتب الموظف لا يصل إلى 20 دولاراً شهرياً، فضلاً عن الشروخ العميقة التي خلقها النظام المخلوع بين مكونات الشعب السوري والتي كادت أن تعيد دورة العنف إلى ما كانت عليه أكثر من مرة بعد سقوطه. وكان واضحاً منذ البداية أن الأولويات التي حددتها الإدارة الجديدة لحكومة تسيير الأعمال السورية هي المحافظة على السلم الأهلي والاستقرار في البلاد، وضبط الأمن، والحيلولة دون تعرض الدولة للانهيار خلال المرحلة الانتقالية، وتقديم الخدمات للمواطنين. وقد بادرت وزارة الداخلية إلى نشر الأمن العام الذي كان يعمل في إدلب ومحيطها في كل البلاد، خصوصاً في العاصمة، لضبط الأمن والحيلولة دون قيام عمليات انتقام واسعة النطاق بحق الحاضنة الاجتماعية للنظام المخلوع.

لكن سرعان ما تعرض السلم الأهلي لأكثر من تهديد، خصوصاً في المناطق التي يقطنها علويون مثل حمص (وسط) والساحل (غرب)، وحتى على أطراف دمشق الغربية حيث يقطن بعض أبناء هذه الطائفة. كما حدث التهديد نفسه في بلدة جرمانا ذات الغالبية الدرزية في جنوب شرق العاصمة، إلا أن الحكومة احتوت هذه الأحداث من خلال الحوار مع الفعاليات الاجتماعية والدينية. فور تسلمه مهامه، شرع وزير الدفاع في حكومة تسيير الأعمال مرهف أبو قصرة في مهمة تبدو عسيرة وصعبة، وهي بناء جيش وطني على أنقاض عشرات الفصائل التي أسهمت في إسقاط النظام السابق. وواجهت هذه العملية صعوبات جمّة، لا سيما أن فصائل الجنوب السوري، وخصوصاً في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، لا تزال مترددة في الانخراط في الجيش الوطني بسبب مخاوف تحاول الحكومة تبديدها من خلال اجتماعات لم تنقطع مع قادة هذه الفصائل.

الاقتصاد والبنية التحية

كانت الإدارة الجديدة في البلاد أعلنت، في يناير/ كانون الثاني الماضي، حل جيش النظام وحل الفصائل تمهيداً لتشكيل جيش وطني من عناصر هذه الفصائل، فضلاً عن متطوعين فتحت الإدارة الباب لهم للانتساب إلى جيش محترف. وخلال 100 يوم، شهدت جوانب اقتصادية تحسناً بطيئاً، إذ استطاعت حكومة تسيير الأعمال السورية الإيفاء بوعدها بزيادة ساعات التغذية الكهربائية إلى نحو ثماني ساعات خلال شهر رمضان الحالي. وكشف وزير الكهرباء في حكومة تسيير الأعمال عمر شقروق، في مؤتمر صحافي الأربعاء الماضي، عن الحاجة إلى 23 مليون متر مكعب من الغاز وخمسة آلاف طن من مادة الفيول يومياً لتوفير التغذية الكهربائية على مدار الساعة. وأشار إلى أنه جرت صيانة بعض محطات توليد الكهرباء والعنفات (توربينات) ووضعها بالخدمة، ما أدى إلى زيادة ساعات التغذية. كذلك، أعلنت قطر، منتصف الشهر الحالي، عن مبادرة لتزويد سورية بالغاز الطبيعي عبر الأردن، للإسهام في توليد الطاقة الكهربائية إلى ما يصل إلى 400 ميغاواط من الكهرباء يومياً في المرحلة الأولى.

في موازاة ذلك، أعادت حكومة تسيير الأعمال السورية تأهيل مطار دمشق الدولي المتهالك، بمساعدة قطرية وتركية، خلال فترة زمنية قصيرة. وافتتحت الحكومة، الأسبوع الماضي، مطار حلب الدولي بعد عملية إصلاح وإعادة تأهيل استمرت عدة أشهر، بحيث أصبح جاهزاً لاستقبال الرحلات الجوية بعد استكمال جميع التجهيزات الفنية والإدارية. من جهة أخرى، أولت حكومة تسيير الأعمال السورية البعد الخارجي اهتماماً كبيراً، إذ نشط وزير الخارجية أسعد الشيباني في المحافل الإقليمية والدولية، وزار العديد من العواصم العربية والأجنبية. ساهم ذلك في تخفيف جانب من العقوبات المفروضة على سورية، وإعادة العديد من الدول افتتاح سفاراتها في دمشق، آخرها ألمانيا الخميس الماضي.

ولم تول حكومة تسيير الأعمال السورية اهتماماً بالجانب الثقافي في البلاد، إذ جرى تعطيل أعمال وزارة الثقافة التي لا تزال من دون وزير منذ الثامن من ديسمبر الماضي. وواجهت الحكومة صعوبات في مجال الإعلام بسبب تهالك البنية التحتية في هذا القطاع، خصوصاً في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ما دفعها للاستعانة بجهات خاصة من أجل توفير الإمكانيات الفنية لإطلاق قناة "الإخبارية" السورية قريباً.

ووُوجِهت الحكومة بانتقادات واسعة بعد إدخال تعديلات على مناهج دراسية بعد أقل من شهر من تسلمها مهام تسيير الأعمال، لا سيما أنها غير مخولة بالقيام بهذه الخطوة كون مهامها تقتصر على تسيير الأعمال لا أكثر. بيد أن وزير التربية والتعليم في الحكومة نذير القادري أوضح في بيان، خلال يناير الماضي، أن التعديل طاول "بعض المعلومات المغلوطة التي اعتمدها نظام الأسد البائد في منهاج مادة التربية الإسلامية، مثل شرح بعض الآيات القرآنية بطريقة مغلوطة، فاعتمدنا شرحها الصحيح كما ورد في كتب التفسير للمراحل الدراسية كافة". وفي السياق، واجهت حكومة تسيير الأعمال السورية احتجاجات واسعة نددت بقرار هذه الحكومة فصل الآلاف من الموظفين في القطاع العام، ومنح إجازات مدفوعة الأجر لمدة ثلاثة أشهر لموظفين آخرين. غير أن الحكومة قالت إنها اتخذت هذا القرار لوجود خلل واضح في عملية التوظيف خلال فترة حكم "النظام البائد"، الذي أدى بدوره إلى ترهل إداري وضعف في الأداء.

إنجازات وإخفاقات حكومة تسيير الأعمال السورية

رأى الباحث السياسي رضوان زيادة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن إنجازات حكومة تسيير الأعمال السورية "تتجلى في ثلاث نواح رئيسية"، إذ "حفظت الإدارة (الجديدة) الاستقرار والأمن، بعد نظام استبدادي طويل الأمد"، معتبراً أن "هذه مهمة ليست سهلة"، إلى جانب أنها استطاعت "بناء الثقة بين الأجهزة الأمنية الجديدة وبين الشعب خلال فترة قصيرة جداً". في المقابل، أشار زيادة إلى وجود "إخفاقات في المجال الاقتصادي خلال 100 يوم من تسلم الإدارة الجديدة للسلطة، موضحاً أن "الخطاب الاقتصادي ركّز على مسألة رفع العقوبات الدولية، بينما كان يجب تشكيل مجلس اقتصادي مهمته وضع تصور يسهم في تحسين الأحوال المعيشية". وبرأيه، فإن "الاقتصاد هو الملف الأهم في المرحلة الحالية"، مضيفاً أن "هناك خطوات جزئية في موضوع الكهرباء والمواصلات، ولكن يجب أن تكون الرؤية الاقتصادية للمرحلة المقبلة خاضعة للنقاش".

وفي السياق، بيّن الباحث السياسي وائل علوان، في حديث مع "العربي الجديد"، أن هذه الإدارة وضعت أمامها أهدافاً من أجل تحقيقها خلال 100 يوم، "منها تشكيل حكومة تقود المرحلة الانتقالية تحل محل حكومة تسيير الأعمال السورية"، مضيفاً أن هذا الهدف تأخر لأسباب تتعلق بتوسيع الاستشارات. وباعتقاده، فإن "هذه الحكومة ستعلَن خلال 140 إلى 150 يوماً من تسلم الإدارة للسلطة"، أي في حدود مايو/ أيار المقبل. وأوضح علوان أن "هذه الحكومة قطعت شوطاً كبيراً في مسألة حفظ الأمن والاستقرار من خلال إجراء تسويات مع مسؤولي النظام المخلوع، ومواجهة الفلول الذين رفضوا هذه التسوية، خصوصاً في الساحل".

وأشار إلى أن وزارة الداخلية في هذه الحكومة "خرّجت عدة دورات لعناصر الأمن العام لحفظ السلم الأهلي والأمن الداخلي"، لافتاً إلى أن "هناك حاجة للاستمرار في هذا المشروع لتحقيق ضبط أكبر للأمن". وباعتقاده، فإن "الحكومة واجهت صعوبات في مجال توفير الخدمات للمواطنين "بسبب انهيار البنية (الخدماتية) في البلاد"، معتبراً أن تحسين الاقتصاد "هو الهدف الأصعب الذي كان أمام هذه الحكومة".

لم تستطع الإدارة الجديدة، وفق علوان، إحداث "خرق في هذا الجانب، لكنها بدأت خطوات جادة في قطاع الكهرباء بسبب الدعم الخارجي من دولة قطر والتفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)" في شمال شرق البلاد، حيث حقول النفط (توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، يوم 10 مارس الحالي في دمشق، اتفاقاً يقضي بإدماج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة، ورفض التقسيم). ورأى علوان أن حكومة تسيير الأعمال السورية "خطت خطوات مهمة خلال 100 يوم"، لكنها "بحاجة إلى ضعف هذه المدة ليبدأ الشارع في تلمّس نتائج هذه الخطوات"، عازياً ذلك إلى "الظروف الداخلية والخارجية التي تفرض الكثير من الوقت والجهد".

بالمقابل، فضّل الأكاديمي السوري يحيى العريضي، في حديث مع "العربي الجديد"، التحذير والتنبيه "حرصاً على وطن ليس لنا غيره"، بدل الغوص في إنجازات وإخفاقات حكومة تسيير الأعمال. وبرأيه، فإن هناك "مَن لا يشعر بالقلق هذه الأيام؛ وقد يكون ذلك نتيجة للقدرة على التلوُّن والتكويع، والتقية والكذب؛ وربما يُعزى ذلك لضياع القيم والأخلاق والثوابت". واعتبر أنه "لا يمكن اللعب برصيد الثورة الأخلاقي"، لأن هناك من يريد إيصال "أهل الثورة" إلى حال "ما حدا أحسن من حدا"، مقارنة مع "منظومة الاستبداد الأسدية، وهناك مَن يسحب البلد بذاك الاتجاه". وحذّر العريضي "من الذهاب بذاك الاتجاه"، إذ "لا رجعة إلى الخلف بالثورة، ولا يمكن قبول أي اقتراب أو تشابه لها مع مسلك أو نهج منظومة الاستبداد، مَن يقبل أو ييسّر أو يسهم بذلك سيكون بحكمها حتماً".