العدد 1526 /31-8-2022
ديمة ونوس
عشر سنوات مرّت، ولم تلتئم
جراح أهالي داريا، كما هو حال أهالي حي التضامن والغوطة ومخيّم اليرموك، وغيرها من
المناطق التي اقتحمتها قوات النظام السوري.
وفي كل مرة تُنشر فيها أحداث
توثيقية جديدة لمجزرة، على غرار التقرير الذي أطلقه الخميس المجلس السوري البريطاني
بعنوان: "داريا بعد عقد من الزمن: توثيق مجزرة"، يشعر السوريون وكأن مجزرة
جديدة قد حدثت للتو. وتكفي صورة لإشعال تلك الذاكرة السوداء من جديد، وإحياء رائحة
الموت فيها، وذلك الشعور بعدم الجدوى، وبالتوق إلى العدالة والمحاسبة والمساءلة.
ويوثق التقرير مجزرة داريا
التي ارتكبها النظام السوري والقوات الموالية له خلال الفترة بين 20 و26 آب 2012. ويكشف
التقرير، المكون من 47 صفحة، أن "حكومة الأسد، بمن في ذلك الفرقة الرابعة والحرس
الجمهوري والمخابرات الجوية والشبيحة، وبدعم من حزب الله والمليشيات الإيرانية، شاركت
في هجوم ممنهج ضد السكان المدنيين في داريا في الفترة بين 20 و26 اب 2012".
ويوثق التقرير، الذي أعدّه
سوريّون فقط، مقتل أكثر من 700 شخص، 514 منهم تمّ التعرف إلى هوياتهم، بينهم ما لا
يقل عن 36 امرأة و63 طفلاً.
الشاهد والمغيث والناجي
بالتواصل مع أحد الناجين من
المجزرة قبل 10 سنوات، والذي اكتفى بالتعريف عن نفسه باسم محمد، ويتواجد منذ سنوات
خارج سورية.
ويقول إنه نجا من الموت لكن
ذاكرته لم تنج بعد، وربما لن تنجو. 3650 ليلة من الكوابيس. ينام ست ساعات، يستيقظ خلالها
ست مرات هارباً من مشاهد الموت والتعذيب الذي تعرّض له خلال اعتقاله في فرع المخابرات
الجوية.
محمد: عائلات بأكملها أعدمت
بالرصاص أو قطّعت بالسواطير
محمد كان ناشطاً في الهلال
الأحمر، وتهمته توزيع المعدّات الطبية والمواد الغذائية وإغاثة "الإرهابيين"،
وخرج من المعتقل فيل المجزرة بنحو شهر ليكون شاهداً عليها.
ويروي وقائع المجزرة كأنها
تحدث للتو، فهو الشاهد والمغيث والناجي، ولا تزال آثار الأشلاء عالقة على يديه، إذ
كان مع آخرين مسؤولاً عن نقل الجثث من موقع المجزرة إلى مقبرة جماعية حفروها خلف مسجد
أبو سليمان.
يقول: "لم ننم ولا لحظة
لأربعة أيام. حفرنا بالبلدوزر قطعة أرض تابعة للأوقاف بعد أن سمح لنا رئيس البلدية
رحم الله سيف الدين جعنينة باستخدامها. كانت الأعضاء تتناثر من الجثث التي انتشلتها،
يسقط منها المخ أو العين أو اليد والساق. حفرنا أربعة قبور بعرض 3 أمتار وطول 20 متراً.
فصلنا بين الرجال والنساء بشرشف زيّناه بالورود".
يحكي محمد كيف جمّعوا الجثث
في مسجد أبو سليمان، والتقطوا لها صوراً ليتعرّف إليها لاحقاً أهل داريا ممن فقدوا
عزيزاً خلال تلك الأيام الأربعة.
ويقول: "ما إن بدأ جيش
النظام والشبّيحة بالانسحاب صباح أول أيام العيد (25 أغسطس 2012)، حتى انسحبنا وراءهم
بحثاً عن الجثث. عثرنا على المئات منها في الشوارع وأقبية العمارات والشقق السكنية
والأزقة، كلّهم قضوا في إعدامات ميدانية أو مجازر جماعية، عائلات بأكملها أعدمت بالرصاص
أو قطّعت بالسواطير. شاهدنا آثار القتل بشتى الآلات، من السيف إلى البلطة والساطور
والأحجار والقنابل والرشاشات".
يروي محمد تلك التفاصيل كأن
المجزرة حدثت للتو. يقول إن استعادة هذه الوقائع تنقذه من الموت. كأنه إن نجا، بات
الحديث عن تلك الأيام الأربعة هو المهمة الوحيدة المتبقية له، والدافع الوحيد للبقاء.
يقول إنه بلغ سن التقاعد لكنه رفض أن يتقاعد لأنه يخاف من الصمت والسكون. يعيش اليوم
بمساعدة 16 دواء بدأ بتناولها تباعاً منذ أن نجا قبل عشر سنوات.
يقول: "عائلة شهاب قتلت
كلّها أثناء عملها في إحدى الأراضي الزراعية. كانوا يحرثون الأرض، فماتوا قصفاً. كفّناهم
وأقمنا الصلاة على أرواحهم فرداً فرداً في المقبرة. لكن طائرات النظام لمحت تجمّعاً
فقصفت الأكفان وتبعثروا. لكننا دفنّاهم بعد أن قتلوا مرتين".
ثم يحكي قصة عائلة موسى السقا
التي اختبأت في قبو مبنى مهجور، فاقتحم عناصر جيش النظام القبو وأعدموهم بالرصاص. شاب
واحد من العائلة في العشرين من عمره نجا. أصابته رصاصة في يده وساقه لكنه تمدّد تحت
جثة أخيه فظنّوه ميّتاً. حفيد لم يبلغ بعد يومه العاشر، نجا وعلا بكاؤه. فقتله الضابط
دعساً بقدمه كي لا "يعيش يتيماً".
محل الدجاج كان على بعد خطوات
من مدخل داريا حيث نصب جيش النظام حاجزاً، عند مفرق طرق يصل مناطق المعضّمية وصحنايا
والفصول الأربعة ودمشق بداريا. قام الجيش بتوقيف كل العابرين ذلك الصباح، وبعضهم أتى
من مناطق أخرى محاصرة بغرض شراء خبز من فرن داريا.
جمّعهم الجيش، وقد بلغ عددهم
52 شخصاً، بينهم نساء، وفلسطيني وأردني ومصري. أمرهم بداية بالتجمهر ثم بالهتاف تأييداً
للقائد "بالروح بالدم نفديك يا بشار". ثم تم إدخالهم إلى محل الفرّوج وحشروهم
هناك لبضع دقائق. ثم أعدموهم كلّهم ضرباً بالرصاص.
لا تختلف رواية الممرضة سماح
عن رواية محمد إلا بهوية القتلى. تحكي، لـ"العربي الجديد"، كيف استقبلت في
بيتها هي وزوجها مصاباً مدنياً قبل المجزرة بأسابيع. لفظ أنفاسه في بيتهم ولم يستطيعا
إسعافه. قرّرت حينها أن تتعلّم التمريض والإسعافات الأولية. تطوّعت في مستشفى داريا
الوطني (الحكومي) وتدرّبت على التمريض متغلّبة على خوفها من مشاهد الحروق والدم والأطراف
المبتورة.
"لم يكن المستشفى مجهّزا
لكارثة كهذه. والشهداء كانوا أرتالاً في الممرات، والناجون من بينهم ينازعون ولم نستطع
إنقاذهم كلهم". تبكي سماح إذ تستعيد تلك المشاهد عندما راحت تعبر بين الجثث وتحاول
التعرّف إلى هويات أصحابها، خوفاً من أن تعثر على أحد أفراد عائلتها. ثم اضطروا إلى
إخلاء المستشفى بسبب الغارات، فلجأوا إلى مستشفى ميداني بصحبة الأحياء من المدنيين.
أكثر ما يوجع ذاكرة سماح هو
ضياء المقاتل في "الجيش الحرّ" الذي تعرّفت إليه في المستشفى الميداني، عندما
أتى مهرولاً في محاولة لإنقاذ رجل مسنّ أصيب بالقصف. لكنه في المرة الثانية عاد إلى
المستشفى مبتور الساقين، وقد تعرّض للقصف أثناء محاولته إنقاذ المدنيين.
تبكي سماح بحرقة، إذ تروي
كيف جاءتهم تحذيرات من أن جيش النظام والشبّيحة باتوا على بعد شارعين من مكان تواجدهم،
فاضطروا لإخلاء المكان حاملين معهم ما استطاعوا من أجساد المصابين. إلا أن ضياء لم
تسعفه قدماه المبتورتان على الهرب، فظلّ هناك عندما دخل الجيش المكان. تقول:
"أتمنى فعلاً أن يكون ضياء قد قتل في المستشفى، ولم يقتادوه إلى فرع أمني حيث
سيتعرّض للمزيد من التعذيب".
ما لن تنساه سماح هو رائحة
داريا خلال المجزرة وبعدها: "رائحة موت وتعفّن ودم". لن تنسى أيضاً أن عدد
المدنيين الذين حاولت إسعافهم كان يبلغ أضعاف عدد العسكريين. لن تنسى أن ابنها الذي
كان في السابعة من عمره لم ينجُ من الخوف حتى هذه اللحظة وقد بلغ السابعة عشرة.
وتقول القانونية والمختصة
بالقانون الدولي ياسمين نحلاوي، وهي محققة أساسية في مشروع المجلس السوري البريطاني
الذي تطلّب العثور على أكبر عدد ممكن من الشهود الناجين، لـ"العربي الجديد"
إنهم "اختاروا داريا كنقطة انطلاق لمشروعهم التوثيقي لأنها عُرفت كمنطقة بمعارضتها
السلمية لنظام الأسد".