العدد 1657 /26-3-2025
محمد أمين
مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتوغلات
البرية في الجنوب السوري، تفتح تطورات الساعات الأخيرة وتحديداً تصدي مجموعة من
الشبان لقوة إسرائيلية حاولت التوغل في قرية كويا في منطقة حوض اليرموك في ريف
درعا الغربي، في أول اشتباك من نوعه، وما رافقه من قصف أدى إلى استشهاد سبعة
مواطنين، الباب أمام إمكان ظهور حركة مقاومة شعبية للاحتلال الإسرائيلي، في ظل عدم
قدرة الجيش السوري الجديد على المواجهة، بعدما استغلت تل أبيب الأوضاع التي تمرّ
بها سورية إثر سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي
لاحتلال مساحات إضافية من الأرض السورية، وتدمير جل المقدرات العسكرية للبلاد التي
بقيت بعد هروب الأسد وانفراط عقد جيشه وأجهزته، والسعي لتحويل الجنوب السوري إلى
منطقة منزوعة السلاح مع الإعلان عن أنها لن تسمح للجيش السوري بالانتشار جنوب
العاصمة دمشق.
اشتباك ريف درعا
وروى أحد المواطنين الذين شاركوا في صد العدوان
الإسرائيلي، وهو شاب يبلغ من العمر 25 عاماً من بلدة كويا، وطلب عدم الكشف عن اسمه
لأسباب أمنية، لـ"العربي الجديد" تفاصيل ما جرى في ريف درعا قائلاً إنه
"عندما شاهد أبناء البلدة الآليات الإسرائيلية تقترب من الوادي، خرجنا نحن
الشباب لنمنعهم من التقدم نحو بيوتنا. لم يكن معنا سوى أسلحة فردية وعصي وإرادتنا،
لكنهم فتحوا النار علينا دون رحمة. رأيتُ ابن بلدتي علي يسقط أمامي بعد أن أصابته
رصاصة في الصدر وحاولنا إنقاذه، لكن القصف اشتد، واضطررنا للانسحاب تحت وابل
النيران. الدورية انسحبت وتراجعت إلى ثكنة الجزيرة وتل الأحمر وأعطوا السكان مهلة
ساعتين لإخلاء البلدة وبدأوا بقصفها بالمدفعية". وتابع: "الناس فروا
خوفاً على أطفالهم. نحتاج إلى مساعدة طبية عاجلة، فالجرحى كثيرون، ولا يوجد أطباء
كافون".
كما قالت أم أحمد، وهي من أبناء بلدة كويا في ريف
درعا لـ"العربي الجديد"، إنه "بعد دقائق من بدء الاشتباكات، بدأت
القذائف تسقط على البلدة. هربنا إلى حقل قريب، لكن القصف لم يتوقف. حفيدي الصغير
أصيب بالرعب، وانهار وسقط أرضاً، ولم نستطع نقله إلى المستشفى لأن الطرق غير
آمنة". وناشدت الإدارة في دمشق كي ترسل مساعدات طبية، فالوضع كارثي.
من جهتها، ذكرت شبكة "درعا 24" أن قوة
من الجيش الإسرائيلي حاولت صباح أمس الثلاثاء التوغل في قرية كويا عبر الوادي في
ريف درعا ما أدى إلى اشتباكات عنيفة مع شبان من القرية تصدوا لها وأجبروها على
التراجع. وأفادت شبكات إخبارية محلية، منها "تجمع أحرار حوران"، بأن
سبعة مدنيين استشهدوا وأصيب آخرون جراء القصف المدفعي الإسرائيلي على قرية كويا،
مع حركة نزوح واسعة للأهالي إلى البلدات والقرى المجاورة. وبحسب الشبكة، فإن القصف
المدفعي الإسرائيلي انطلق من مواقع الجيش الإسرائيلي في ثكنة الجزيرة القريبة من
الحدود السورية مع هضبة الجولان المحتلة، بالتزامن مع تحليق طائرات استطلاع
وحوامات عسكرية. وتعد هذه الثكنة التي سيطرت عليها تل أبيب بعد يومين من سقوط
الأسد، نقطة انطلاق للقوات الإسرائيلية لتنفيذ عمليات توغل في الأراضي السورية.
وأكد محافظ درعا أنور طه الزعبي، وفق ما نقلت عنه
وكالة "سانا"، أن "انتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي واعتداءه
المتكرر على الأراضي السورية دفعت مجموعة من الأهالي إلى الاشتباك مع قوة عسكرية
حاولت التوغل في بلدة كويا في ريف درعا الأمر الذي أدى إلى تصعيد من قبل جيش
الاحتلال بالقصف المدفعي، والقصف بالطيران المسير، ما أسفر عن وقوع ضحايا في صفوف
المدنيين". كما قالت وزارة الخارجية السورية في بيان إن "قرية كويا
تعرضت خلال الساعات الماضية لقصف مدفعي وجوي إسرائيلي مكثف استهدف الأحياء السكنية
والمزارع، ما أسفر عن استشهاد ستة مدنيين، مع احتمال ارتفاع العدد نتيجة الإصابات
الخطيرة واستهداف المناطق الزراعية". ودعت إلى فتح تحقيق دولي حول الجرائم
المرتكبة بحق الأبرياء وحول الانتهاكات الإسرائيلية، موجهة أبناء الشعب السوري إلى
التمسك بأرضهم ورفض أي محاولات للتهجير أو فرض واقع جديد بالقوة، مؤكدة أن هذه
الاعتداءات لن تثني السوريين عن الدفاع عن حقوقهم وأرضهم.
في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته
"رصدت عدداً من الإرهابيين الذين أطلقوا النار في اتجاهها في جنوب سورية
وقامت القوات بالردّ على إطلاق النار، وقام سلاح الجو بضرب الإرهابيين"،
مشيراً إلى وقوع إصابات. وأضاف بيان الجيش الإسرائيلي أنه "في وقت سابق، ضرب الجيش
الإسرائيلي القدرات العسكرية التي كانت لا تزال في القواعد العسكرية السورية في
تدمر وتيفور"، والأخيرة تقع قرب مطار تيفور أكبر المطارات العسكرية في سورية.
وهذه المرة الأولى التي يستشهد فيها هذا العدد من المدنيين منذ بدء الاعتداءات
الإسرائيلية في جنوب سورية ولا سيما في محافظتي درعا والقنيطرة، ما يفتح الباب
أمام عدة سيناريوهات، منها ظهور حركة مقاومة شعبية في ظل عدم قدرة الجيش السوري
الوليد على المواجهة.
وشرح الناشط الإعلامي يوسف المصلح، في حديث مع
"العربي الجديد"، أن قرية كويا في ريف درعا تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن
خط وقف إطلاق النار وفق اتفاق "فك الاشتباك" المبرم عام 1974 وأطاحت به
إسرائيل أخيراً، مؤكداً أن هناك تخوفاً من توغل قوات إسرائيلية في القرية ومحيطها
خلال الأيام المقبلة.
أهداف إسرائيلية في سورية
وظلت الجبهة السورية مع إسرائيل ساكنة منذ عام
1974 على الرغم من الاعتداءات المتكررة التي كانت تطاول كل المنشآت العسكرية
السورية سواء قبل عام 2011 أو أثناء سنوات الثورة السورية ضد النظام المخلوع الذي
لم يكن يبدي أي رد فعل عسكري على هذه الاعتداءات. ومن الواضح أن إسرائيل تتخوف من
انتشار الجيش السوري الجديد في المواقع التي كانت تشغلها قوات النظام المخلوع، لذا
أعلنت أنها لن تسمح لهذا الجيش بالانتشار جنوب دمشق، في مسعى لتحويل هذا الجنوب
إلى منطقة منزوعة السلاح. وتحاول الإدارة السورية الجديدة تجنّب الانجرار نحو مواجهة
غير متكافئة عسكرياً مع الجانب الإسرائيلي، من شأنها زعزعة الاستقرار الهش في
البلاد، وهو ما يغري تل أبيب للاستمرار في الاعتداءات وتوسيع نطاقها الجغرافي، حيث
لا قوة ردع تقف في طريقها. ولا تنحصر الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري،
فلا يزال الطيران الإسرائيلي يواصل استهداف مقرات عسكرية كانت تتبع لقوات النظام
المخلوع خصوصاً في ريف حمص وسط البلاد.
ورأى المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي
خالد خليل، في حديث ، أن "تغييرات جذرية طرأت على طبيعة الاعتداءات
الإسرائيلية على سورية بعد سقوط نظام الأسد، لجهات الشدة والوتيرة والخسائر".
ولفت إلى أن سقوط نظام الأسد "فاجأ إسرائيل وقد كان حليفاً غير معلن
لها"، معرباً عن اعتقاده أن إسرائيل "تحاول استغلال ما جرى في سورية
لفرض واقع أمني جديد يوفر جبهة آمنة وهادئة كما كانت طيلة 50 عاما تحت ذريعة حماية
حدودها.
إلى ذلك دانت الخارجية الأردنية في بيان توغل
الجيش الإسرائيلي وقصفه بلدة كويا، معتبرة ذلك "خرقاً فاضحاً للقانون الدولي،
وانتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة سورية، وتصعيداً خطيراً لن يسهم إلا بمزيد من
الصراع والتوتر في المنطقة". وأكدت "رفض المملكة المطلق، واستنكارها
للاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على أراضي الجمهورية العربية السورية، في خرق
واضح لاتفاقية فك الاشتباك للعام 1974 بين إسرائيل وسورية". وحذرت من
"مغبة تفجر الأوضاع في المنطقة"، مجددة تأكيد "وقوف المملكة مع
سورية الشقيقة وأمنها واستقرارها وسيادتها". كما دانت حركة حماس في بيان
"بأشد العبارات العدوان الصهيوني الهمجي الذي استهدف أحياءً سكنية في قرية
كويا"، معتبرة هذا العدوان "تصعيداً خطيراً للانتهاكات الصهيونية بحق
سورية وشعبها، وجريمة حرب جديدة تضيفها حكومة الاحتلال الفاشي إلى سجلها الدموي،
وتكشف عن نياتها الإجرامية المبيّتة تجاه سورية والشعب السوري".