حول قرار مجلس الأمن وقف النار في غزّة!
كلمة الأمان العدد 1617 /12-6-2024

وأخيراً وبعد دخول العدوان على غزة شهره التاسع، وبعد أن أيقنت الولايات المتحدة أنّ قوات الاحتلال فشلت في إحراز أي هدف من أهدافها في غزة، وبعد هذا الكمّ الهائل من المجازر بحقّ الأطفال والنساء والشيوخ، وبعد تدمير البنية التحتية والفوقية لمدينة غزّة وبقية القطاع، تقدّمت الولايات المتحدة هي نفسها بمشروع قرار أمام مجلس الأمن لوقف النار في غزة، فيما كانت قد أفشلت عشرات المحاولات التي بذلتها دول عربية وصديقة لوقف النار في غزّة وتجنيب المدنيين وأهالي القطاع هذا الدمار والخراب الذي ألحقته بهم آلة القتل الإسرائيلية وكان آخر هذا الفصول المجزرة التي ارتكبتها هذه القوات في مخيم النصيرات وذهب فيها أكثر من مئتي شهيد ومئات الجرحى تحت عنوان تحرير أربعة أسرى من أسرى قوات الاحتلال والمستوطنين الذين سقطوا بأيدي المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر من العام 2023. لكن، هل فعلاً أقتنعت الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار؟! أم ترى أنّها تريد أن ترخج بوجه أبيض بعد هذا الكمّ الهائل من المجازر وأعداد الضحايا والشهداء؟! هل فعلاً تريد أن تضع حدّاً للحرب والعدوان أم ترى تريد أن تلجأ إلى طرق ووسائل وأساليب أخرى من أجل خداع المقاومة الفلسطينية وإلحاق الهزيمة بها والأذى بالشعب الفلسطيني؟! وهل فعلاً تريد الولايات المتحدة و ضع حدّ لأوزار الحرب أم ترى تريد إدارتها كسب ثقة الناخبين الأمريكيين في معركة الرئاسة القادمة إذ أنّ المشهد الحالي بات يشكّل كابوساً على هذه الإدارة لناحية النتائج المرجوّة والمتوقعة لتلك الانتخابات؟! لا يبدو أنّ الولايات المتحدة تتحرك في ملف إنهاء الحرب والعدوان على غزة من منطلق أخلاقي ينسجم على أقلّ تقدير مع المبادىء التي تحملها، ولكنّها تتحرك بدافع مصلحي بعدما تبيّن لها عجز وفشل الاحتلال في سحق المقاومة الفلسطينية وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية والتمدّد على حسابها في المنطقة. فعلى الرغم من المجازر التي ارتبكتها وما تزال قوات الاحتلال، وعلى الرغم من إفشال حكومة هذا الكيان لكل المبادرات التي قدّمتها الولايات المتحدة نفسها لوقف النار في غزة في وقت سابق وإطلاق سراح الأسرى، وعلى الرغم من الزيارات المتكرّرة لمسوؤليين كثر في الإدارة الأمريكية إلى المنطقة واستعطافهم نتنياهو لقبول وقف النار وقبول المبادرة الأمريكية، وبعد رفض دائم لكل الصيع التي قدّمها الوسطاء، يأتي وزير الخارجية الأمريكي ليحمّل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مسؤولية أي فشل لتطبيق قرار مجلس الأمن القاضي بوقف إطلاق النار، فيما يعفي "إسرائيل" من أيّة مسؤولية مع أنّها كانت هي التي تعطّل دائماً أي مسعى لإنهاء الحرب وإطلاق سراح الأسرى. لذا يبدو أنّ الولايات المتحدة وحتى من خلال قرار مجلس الأمن الذي قدّمته ورعته وأمّنت له سبل الوصول إلى قرار أممي، بعدما كانت أفشلت بالفيتو كل المساعي والمشاريع السابقة بهذا الاتجاه، تريد الولايات المتحدة أن تنجز تحت عنوان قرار مجلس الأمن ما لم تستطع قوات الاحتلال الإسرائيلي إنجازه في ميدان القتال، ولذلك يهدّد ويحمّل مسؤولية الإخفاق لحماس مسبقاً. قرار مجلس الأمن الخاص بغزّة والداعي إلى وقف لإطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى وانسحاب قوات الاحتلال وإعادة الإعمار جاء بصيغ مبهمة وحمّالة أوجه ومعاني، وبالتالي فإنّ من حقّ الشعب الفلسطيني ومقاومته أن يطلب إيضاحات، بل وضمانات بخصوص هذه العناوين قبل الشروع في أي عمل تنفيذي، وإلاّ فإنّ الركون إلى هذا القرار باعتباره أممياً لا يحمل أيّة ضمانة حقيقة لأيّ عنوان من العناوين المدرجة في متنه. صحيح أنّ الشعب الفلسطيني وغزة دفعت الكثير من الأثمان، ولكن هذا ربع الشوط الأخير الذي يحتاج إلى القليل من الصبر حتى يخضع الطرف الآخر بشكل كامل، فلولا أنّ الاحتلال بات يعيش العقدة والأزمة الفعلية في حربه على غزّة لما تبرّع الأمريكي بإصدار قرار من مجلس الأمن. إنّ هذا وحده يعكس حجم الحاجة عند هذا الطرف لوقف النار، ولكن لا بدّ أن يدفع الثمن والتعويض أيضاً قبل أن يهدأ له بال.

حول فرص انتخاب رئيس للجمهورية
كلمة الأمان العدد 1616 /5-6-2024

الأسبوع الماضي زار المبعوث الفرنسي، جان إيف لودريان، بيروت والتقى عدداً كبيراً من المعنيين بشأن انتخاب رئيس جديد للجمهورية ولكنّه - وكما أوحى - كان مستمعاً أكثر منه مقترحاً لأفكار تساعد على الخروج من الأزمة سوى ما تسرّب من حديث عن مقاربته لطرح خيار ثالث غير الخيارين المطروحين وهما : سليمان فرنجية أو جهاد أزعور. وخلال اليومين الأخيرين زار وزير الخارجية الإيرانية بالوكالة علي باقر كنّي لبنان والتقى أيضاً عدداً من المسؤولين اللبنانيين، وليس من عادة الدبلوماسيين الإيرانيين الحديث عن شأن أو أمر داخلي لبناني وإن كانوا يقاربون الملفات الداخلية اللبنانية بحكم اهتمامهم بما يجري في المنطقة. لقد أكّد كنّي على وقوف إيران إلى جانب لبنان، وكأنّه أراد أن يقول في ظلّ الوضع المتطوّر على جبهة جنوب لبنان إنّ إيران ما زالت على موقفها الداعم للمقاومة والمدافع عنها، وإنّ أيّ توسيع للحرب تجاه لبنان يعني إيران بشكل أساسي. وبالعودة إلى فرص انتخاب رئيس للجمهورية في المرحلة المقبلة فإنّه من الواضح تماماً أنّ الأفق لا يبشّر بالخير في هذا المجال. فالأمور ما تزال معقّدة، ومترابطة بإرادة من الفاعلين أو من غير إرادة منهم، والجميع بات ينتظر نتائج ما ستؤول إليه الأمور والأوضاع في فلسطين، بل ربما في المنطقة. الأولوية الآن لدى الأطراف الأساسية الفاعلة هي في فلسطين وما سيتقرّر بعد الحرب والعدوان، وأمّا انتخابات الرئاسة في لبنان فهي بالنسبة لتلك القوى الفاعلة، محلية أم إقليمية أم دولية ليس لها أولوية، خاصة وأنّ الأمور تسير في لبنان بالحدّ الأدنى المقبول والمتعارف عليه. وبالتالي لا حاجة بنظر أولئك إلى أي تغيير في الشكل الحالي سوى إذا كان جزءاً من تغيير شامل في قواعد وأشكال كثيرة، وهذا حتى اللحظة غير مطروح لدى أيّ فريق أو طرف. هل يمكن أنّ يؤثّر هذا المشهد بهذه الكيفية على لبنان. بالطبع يمكن أن يؤثّر غير أنّ تأثيره لن يكون كبيراً بحيث يغيّر مشهد لبنان كلّياً. أمّا الحديث عن تغيير في الهيكل والنظام والكيان فهذا لا يمكن أن يحدث إلاّ نتيجة تغييرات كبرى على مسرح المنطقة بشكل عام بل ربما على المسرح الدولي، وهذا إلى الآن غير قائم أو مطروح حالياً، وبالتالي إن حصل أيّتغيير فهو سيكون نتيجة التغييرات الكبرى التي ستشمل المنطقة بغض النظر عن المشهد الذي سيكون قائماً في أيّ مكان منها. مشكلة لبنان الأساسية ليست في انتخاب رئيس من عدمها على أهمية ملء هذا الموقع الأول الشاغر. مشكلة لبنان أنّه ارتضى أن يكون جزءاً من الأدوات الفاعلة بأيدي اللاعبين الإقليميين والدوليين فيما رفض أبناؤه أن يكون لهم رؤيتهم الخاصة التي تجعلهم نظراء لكلّ الفاعلين من المنطقة، وهم يملكون الأدوات لذلك لكنّهم لا يريدون.

ما بعد إسرائيل!
كلمة الأمان العدد 1615 /29-5-2024

ربما يستغرب البعض العنوان، "ما بعد إسرائيل". نعم يسغرب البعض ذلك لأنّه لم تدر في خُلْد البعض منّا فكرة انتهاء وزوال "إسرائيل" على اعتبار أنّها دولة تملك من جبروت الآلة العسكرية والدعم الغربي المفتوح ما يحفظ بقاءها واستمرارها على حساب العرب وفي مقدمهم الفلسطينيين. غير أنّ الفلسطينيين قلبوا المعادلة، وغيّروا مسار الأحداث، وما لم يكن متوقعاً يوماً بات في حكم الواقع حالياً، وما لم يكن يصدّقه عقل بات واضحاً أمام أعيننا وليس عقولنا فحسب. في معركة "طوفان الأقصى" سدّدت المقاومة الفلسطينية ضربة قاضية لكيان الاحتلال الإسرائيلي في أبرز مفصلين له. الهجرة اليهودية إلى فلسطين حيث صارت معاكسة لأنّ فلسطين لم تعد بيئة آمنة لهم. والقلعة العسكرية القوية التي كانت تحمي مصالح الغربيين إجمالاً باتت بحاجة إلى حمايتهم وتواجدهم المباشر في المنطقة. إذاً فقدت "إسرائيل" الدور الوظيفي الذي أُنشئت من أجله وهو استيعاب اليهود واستخدامهم، وكقاعدة وقلعة عسكرية للغرب تكون بمثابة العصا الغليظة التي تؤدّب بها أيّ نظام أو دولة أو قوّة في المنطقة تخرج عن الطوع الغربي الذي تمثّله أميركاً حالياً. وعندما تفقد "إسرائيل" الدور الوظيفي لها، فإنّ راعيها أو مُنشئها سيعمل على إعادة هذا الدور لها، وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكي خلال زيارته للمنطقة بعد معركة طوفان الأقصى إذ قال يومها " لو لم تكن إسرائيل موجودة لأوجدناها". بمعنى آخر سنعمل على إعادة دورها الذي تصدّع بضربة "طوفان الأقصى". وقد حاولت "إسرائيل" وبغض نظر، بل بدعم غربي وأمريكي مفتوح، استعادة هذا الدور من خلال العدوان الهمجي على قطاع غزة، ومن خلال حرب الإبادة الجماعية الواضحة بحق الشعب الفلسطيني، ولكنّها على الرغم من قسوتها وجبروتها وارتكابها لأبشع أنواع المجازر لم تتمكّن من استعادة هذا الدور بفضل بطولات المقاومة الفلسطينية من ناحية، وصمود الشعب الفلسطيني واحتضانه لمقاومته ومجاهديه من ناحية ثانية على مدى قرابة ثمانية أشهر من العدوان المفتوح الذي لم يوفّر حجراً ولا بشراً ولا شجراً في غزة. بهذا المعنى نعم يحقّ لنا أن نطرح "ما بعد إسرائيل"!. عندما انتهى دور "إسرائيل" الوظيفي؛ وعندما فشلت هي ورعاتها في استعادة هذا الدور، فإنّ النقاش والبحث بدأ يدور في أروقة عواصم العالم المؤثّرة في مشهد المنطقة، "ماذا بعد إسرائيل؟". أو بمعنى آخر، كيف يكون شكل المنطقة بعد "إسرائيل"؟. ولعلّ الغرب عموماً قد شرع في النقاش والبحث عن إجابة لهذا السؤال، بل ربما يكون قد شرع في تنفيذ برامج وخطط كانت مجهّزة لديه لهذه اللحظة لأنّه بخبرته بالمنطقة كان يدركها ويحضّر نفسه لها. على مقلبنا نحن في المنطقة، سيّما القوى التي ساهمت في صناعة نتائج "طوفان الأقصى" أن تبدأ أيضاً النقاش والبحث عن إجابة للسؤال ذاته، حتى لو بدا للبعض أنّ هذا الأمر سابق لأوانه، فتداعيات ونتائج معركة "طوفان الأقصى" قد تكون أسرع مما نتخيّل، وأكبر مما نتوقّع، والمستقبل لمن يستقرئه لا لمن ينتظره.

حول مسألة اللاجئين السوريين إلى لبنان
كلمة الأمان العدد 1613 /15-5-2024

تبرز بين الفينة والأخرى مسألة اللاجئين السوريين إلى لبنان على خلفيات متعدّدة ومختلفة، وكان آخرها هذه المرّة تورّط عدد من السوريين بجريمة اختطاف ومقتل الناشط في حزب القوات اللبنانية، باسكان سليمان، حيث انطلقت دعوات تحريضية استهدفت اللاجئين رافقها اعتداءات على بعضهم في بعض المناطق، وإجراءات بلدية في بعض البلديات استهدفت التضييق عليهم، فضلاً عن إطلاق دعوات لترحيلهم وإبعادهم وتحميلهم مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وربما حتى السياسية التي يعيشها لبنان وفي ذلك بكلّ تأكيد تجنّ عليهم وإن كانت بعض الأمور تحتاج إلى معالجة جدّية وحقيقية لوضع حدّ للاستغلال الرخيص في هذا الملف. ليس هناك رقم دقيق لعدد اللاجئين السوريين في لبنان. فهناك المسجّلون كلاجئين لدى وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وهناك الذين دخلوا إلى لبنان بصورة قانونية، وهناك الذين دخلوا بشكل غير قانوني ولم يتسجّلوا لدى وكالة اللاجئين، وربما هؤلاء هم أغلبية السوريين في لبنان. ويذهب البعض إلى القول إن عدد السوريين في لبنان من هذه الفئات يتخطّى مليون ونصف مليون سوري، فيما يعتبر البعض أن عدد اللاجئين المسجّلين منهم لا يتجاوز ثمانمئة ألف تقريباً. إلى ذلك يتوزّع الوجود السوري في لبنان على اختلافه بين مخيمات مضبوطة، ومخيمات عشوائية، وانتشار واسع في الأرياف والمدن اللبنانية في كل لبنان تقريباً. ويتلقى اللاجئون مساعدات مباشرة من جمعيات مختصة، ومساعدات غير مباشرة من خلال الحكومة ومؤسساتها كما في حالات التعليم الصحّة، فيما يعمل أغلبهم في أعمال تتنوّع ما بين الأعمال الحرّة والزراعية والخدمات وحتى التجارة، وبعض هذه الأعمال مرخّص من قبل الحكومة اللبنانية، وبعضها غير مرخصّ ويجري خارج القانون. ويتخلّف العديد من السوريين عن دفع الضرائب المتوجبة عليهم تجاه الدولة، بينما يقوم بعضهم بالأعمال المختلفة ومن ثمّ يقوم بترحيل جزء كبير من الأموال التي يتقاضاها إلى الداخل السوري، في حين ينتقل بعضهم ما بين لبنان وسوريا بكل أريحية وحريّة، وهذا يشكّل ضغطاً في مكان ما على الداخل اللبناني، خاصة أولئك الذين يعملون خارج القانون ويحوّلون أموالهم إلى سوريا، أو أولئك الذين لا يعملون ولكنّهم يستهلكون مقدرات لبنان من دون أن يكونوا مسجّلين لدى مفوضة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وبالتالي فالحكومة لا تتقاضى عنهم أيّة مساعدات. إنّ كل ذلك لا يستدعي إطلاق حملات تشويه وشيطنة وترهيب، وتحميل اللاجىء السوري مسؤولية ما آلت إليه الأمور في لبنان، بل يستدعي تحمّل المسؤولية تجاه ذلك من خلال اعتماد خطة واضحة وشفّافة بعيداً عن منطق التشفّي أو الانتقام أو العنصرية، وهذا ما يستدعي فرز الملف على أساس اللاجىء الحقيقي الذي له الحقّ الانساني في الحماية والرعاية. والعامل الذي يجب أن يحصل على الموافقات القانونية للقيام بأي عمل يجيزيه القانون. والقسم الثالث الذي دخل بشكل غير قانوني، ويعمل بشكل غير قانوني، ويتنقّل بين لبنان وسوريا بشكل قانون أو بشكل غير قانوني، وهذا القسم يإمكانه أن ينتقل إلى سوريا إلى المناطق التي يديرها النظام أو تلك التي تديرها المعارضة، وهذا يحتاج ربما إلى تنسيق يجب أن تقوم به الحكومة بأيّة طريقة مشروعة لا تضرّ بمصلحة لبنان، والشروع بخطوات تنفيذية لإعادة هؤلاء، وتظيم عمل الداخلين قانونياً، وحماية ورعاية الخائفين فعلياً من الانتقام في حال إعادتهم. وأمّا الحديث عن فتح البحر أمام مغادرة السوريين لبنان إلى أوروبا فإنّه ليس حلّاً لأنّ ذلك قد يعني موت هؤلاء في البحر أو ربما إعادتهم من الأماكن التي يمكن أن يصلوا إليها، أو حتى تشتيت العائلات وفصل الأبناء عن عائلاتها بهدف اسغلالهم وتغريبهم، وبالتالي فإنّ هذا الحلّ لا يراعي لا المسألة القانونية ولا الإنسانية. كما وأنّ سياسة الضغط والتضييق على السوريين في لبنان ليس حلّاً أيضاً إذ أن الضغط والتضييق قد يولّد في أيّة لحظة انفجاراً كبيراً لا يمكن تداركه. وعليه فإنّ الحلّ الأمثل والأهم هو المشار إليه آنفاً في فرزهم والتعامل معهم على الأسس التي دخلوا بسببها. ملف اللاجئين السوريين في لبنان يجب أن يتمّ إخراجه من الاستغلال السياسي وإبقاؤه ضمن التعامل القانوني الانساني وصولاً إلى حلول تكون في مصلحة لبنان من ناحية ومصلحة اللاجئين من ناحية ثانية. د. وائل نجم

اتفاق التهدئة .. الاحتلال يُحشر في الزاوية
كلمة الأمان العدد 1612 /8-5-2024

مساء الإثنين (6/5/2024) فاجأت حركة حماس قيادة كيان الاحتلال الإسرائيلي بإعلانها عن قبول العرض التي تضمّنه المقترح المصري بخصوص التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة وتبادل الأسرى، وهو ما شكّل ضربة قوية لرئيس حكومة الاحتلال الذي كان يراهن على رفض حماس وبالتالي التذرّع بذلك لاقتحام مدينة رفح عند الحدود المصرية، وهو الذي أعلن مراراً رفضه لوقف العدوان على غزة لأنّه يدرك أنّ اللحظة التي سيقف فيها العدوان سيُفتح النقاش في مصيره سواء إنهاء حياته السياسية أو الذهاب به إلى السجن. راهن نتنياهو مراراً على استمرار العدوان على الرغم من قناعة أغلب قيادة الاحتلال أنّ الحرب على غزة فشلت فشلاً ذريعاً، ولكنّه مع ذلك ظلّ متمسّكاً باستمرار الحرب. حماس بقبولها المقترح الذي أخذ بأغلب مطالبها بما في ذلك الهدنة المستدامة طيلة فترة تنفيذ الاتفاق وهو على ثلاث مراحل فترة كلّ مرحلة منها 42 يوماً، وهو ما يعني عملياً وقف الحرب، لأنّ استئناف الحرب بعد قرابة 4 أشهر ليس أمراً سهلاً على قيادة الاحتلال لأنّ أموراً وظروفاً كثيرة ستتغير بكل تأكيد خلال هذه الفترة. لقد ظهر نتنياهو على حقيقته أمام العالم، أمام حلفائه ولا سيّما في أميركا التي تعيش إدارتها أزمة أمام تراجع شعبية الرئيس في الوسط الأمريكي؛ أمام الرأي العام الإسرائيلي سيّما أهالي الأسرى الذين تأكّدوا أنّ نتنياهو لا يريد إعادة أبنائهم بقدر ما يريد النجاة بنفسه؛ وأمام الدول الإقليمية التي ترتبط بكيانه بعلاقات تطبيع أو تلك التي تقود وساطة لإنهاء الحرب. لقد بات كيان الاحتلال محشوراً في زاوية بعد قبول حماس الاتفاق المعروض عليها على الرغم من أنّه قد لا يلبّي كلّ مطالبها، ولكّنه يكشف حقيقة هذا الكيان الفاشي. لقد خسر الاحتلال معركته الميدانية أمام المقاومة الفلسطينية عندما فشل في تحقيق أي هدف من أهدافه، كما خسر معركته الدبلوماسية في المفاوضات عندما فاجأته حماس بقبولها العرض المقدّم، وخسر أيضاً روايته أمام العالم عندما تحوّل العالم من داعم له إلى معراض لعملياته في رفح، ولعلّ مشهد طلاب الجامعات الأمريكية الغاضب والرافض للجريمة الإسرائيلية أوضح مشهد لخسارة الرواية الإسرائيلية لمكانتها. لكنّ قبول حماس للاتفاق المعروض عليها لا يعني نهاية الحرب، فنتنياهو الذي بات محاصراً ومحشوراً في الميدان وفي الداخل الإسرائيلي وعلى مستوى العالم، والعارف أنّ نهاية الحرب تعني نهاية حياته السياسية ولذلك فهو مستعد للمغامرة بأيّ شيء بل بكلّ شيء في سبيل البقاء والاستمرار، ولذلك فهو قد يجازف سواء بمحاولة دخول مدينة رفح الفلسطينية، أو بالتحوّل إلى الجبهة الشمالية مع لبنان لفتح ملف جديد وجبهة جديدة يلوذ بها من المساءلة والمحاكمة. ولكنّه في كلا الحالين سيكون في مواجهة المقاومة من ناحية وحلفائه من ناحية ثانية والرأي العام الإسرائيلي من ناحية ثالثة، وفي مواجهة قوى إقليمية لا تريد إغضاب أمريكا من ناحية أخرى. الاحتلال بات محشوراً في الزاوية، والحرب التي بدأها قبل سبعة أشهر وهو مدعوم من العالم بات اليوم فيها مكشوفاً من الجميع وليس أمامه سوى النزول على شروط الشعب الفلسطيني وفي مقدمها حق إقامة دولته المستقلة ولو على جزء من أرض فلسطين التاريخية. د. وائل نجم

حول تشييع شهداء عكار والتفاعل الوطني
كلمة الأمان العدد 1611 /1-5-2024

شيّعت محافظة عكار وشمال لبنان وبلدة ببنين يوم الأحد الماضي (28/4/2024) قائدين من قوات الفجر (الجناح العسكري المقاوم للجماعة الإسلامية) استشهدا بغارة صهيونية غادرة في البقاع الغربي عند أطراف الجنوب حيث تجري المواجهات بين قوات المقاومة من ناحية وبين قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تعتدي على القرى والبلدات الحدودية من ناحية ثانية، وقد شهد التشييع في ببنين إلتفافاً شعبياً كبيراً وضخماً حيث قُدّرت أعداد المشاركين بالتشييع من أبناء عكار والشمال عموماً بعشرات الآلاف التي لامست المئة ألف مشارك وفدوا من كلّ قرى وبلدات عكّار ساحلاً وجبلاً وعمقاً فضلاً عن بلدات الضنّية وطرابلس، وحضر التشييع أيضاً مراجع وشخصيات سياسية ودينية وحزبية واجتماعية وبلدية تقدّمها ممثل مفتي الجمهورية اللبنانية، وقد دلّ هذا المشهد في إحدى دلالاته على تفاعل عكار مع القضية التي استُشهد الشهيدان من آل خلف من أجلها وهي قضية الدفاع عن أهل الجنوب بوجه الاعتداءات الإسرائيلية الهمجية، ونصرة أهل فلسطين وغزة على وجه التحديد الذين يتعرّضون لأبشع جرائم الإبادة الإنسانية على أيدي الصهاينة الغزاة وعلى مرأى ومسمع من العالم؛ وقد جسّد المعنى الأول روح التضامن الوطنية بحيث يستشهد ابن الشمال وعكار على أرض الجنوب دفاعاً عن أهله وبلداته بملء إرادته وعن قناعة تامّة منه ومن دون إكراه أو إجبار من أحد. وجسّد المعنى الثاني روح التضامن والانتصار للمظلومين المقهورين بقوّة القمع الإسرائيلي الذي ترعاه إرادة القوّة الدولية التي لا تعرف العدل ولا منطق الرحمة. وأرادت عكار وأهلها أن يقولوا من خلال المشاركة الكثيفة بالتشييع إنّنا على نهج ابْنينا هذين القائدين الشهيدين. غير أنّه أيضاً لا بدّ من تسجيل بعض الأمور التي رافقت التشييع وتلته وهي : أولاً: الظهور المسلّح الكثيف وإطلاق النار الغزير الذي حصل خلال التشييع، وهنا لا بدّ من الاعتراف أنّ ظاهرة انتشار السلاح وإطلاق الرصاص في المناسبات على اختلافها ظاهرة قائمة وحاضرة في عكار بل وفي معظم المناطق اللبنانية خاصة البعيدة عن المدن الرئيسية وفي أغلب المناسبات، وهي ظاهرة سيئة ومستنكرة من أغلب المرجعيات الاجتماعية والدينية والسياسية والحزبية وغيرها، وقد عمدت الجماعة الإسلامية صاحبة العزاء إلى القيام بمروحة اتصالات كثيفة قبل التشييع مع مرجيعات أمنية واجتماعية ودينية في المنطقة لتفادي هذه الظاهرة، كما أعلنت مراراً وتكراراً في مواقف وبيانات لمسؤوليها المحلّيين والمركزيين على رفض ظاهرة العسكرة وإطلاق الرصاص في التشييع، لكنّها لم تُوفّق مع كل مرجعيات عكار إلى ضبط هذا الموضوع خاصة وأنّ الأجواء التي رافقت التشييع ربما سمحت بذلك في ظلّ غياب أيّ إجراءات ميدانية رادعة. ثانياً : أُطلقت حملة كبيرة من إعلاميين ووسائل إعلام وسياسيين استهدفت الجماعة الإسلامية بشكل أساسي ومنطقة عكار والبيئة الإسلامية السنّية بشكل آخر على خلفية الظهور المسلح الكثيف وإطلاق الرصاص، علماً أنّ الجماعة أصدرت بياناً قبل أن ينتهي التشييع أسفت فيه لإطلاق الرصاص وانتشار المسلحين واستنكرت ذلك كما أكّدت على الأمن والاستقرار وأنّ ذلك من مسؤولية الدولة بأجهزتها الرسمية القائمة، ومع ذلك أُطلقت الحملة عليها كما لو أنّ غرفة عملية أطلقت صافرة انطلاق هذه الحملة تحت عنوان الميليشيات وتهديد السلم والاستقرار وفوضى السلاح وانتهاك سيادة الدولة وما إلى ذلك. وهنا يُسجّل أيضاً أنّ أغلب هؤلاء تجاهلوا عن عمد أو عن جهل إدانة جريمة اغتيال الشهيدين التي قامت بها قوات الاحتلال، فلم يتطرّق إليها أحد من المدافعين والحريصين على السيادة مع أنّ أكبر وأخطر انتهاك للسيادة واعتداء عليها هو جريمة اغتيال لبنانيَين في سيارة مدنية لبنانية على أرض لبنانية، وركّزوا فقط على المظاهر المسلّحة وتمّ تصوير منطقة عكار كما لو أنّها خارجة عن الدولة والقانون علماً أنّها أكثر المناطق اللبنانية قناعة بالدولة وانخراطاً فيها. كما يُسجّل أنّ أصحاب هذه الحملة صبّوا كل تركيزهم على منطقة عكار وعلى الجماعة الإسلامية متناسين أو متجاهلين ظاهرة مشابهة كانت قد حصلت قبل أيام قليلة من تشييع الشهيدين في عكار عندما شيّعت "القوات اللبنانية" المغدور "باسكال سليمان" وقد رأى الشعب اللبناني إطلاق الرصاص الكثيف في البلدات التي كان يمرّ فيها موكب الجثمان في طريقه إلى مثواه الأخير، ويومها لم نسمع هذه الحملة الحريصة على الدولة والسيادة! فبرز الموضوع كما لو أنّ المطلوب شيطنة محافظة عكار والجماعة الإسلامية والأهم شيطنة البيئة الإسلامية السنّية في لبنان لثنيها عن القيام بواجبها في الدفاع عن البلد من ناحية، وعن نصرة أهل فلسطين من ناحية ثانية، وعن النهوض الوطني من ناحية ثالثة. ثالثاً : يُسجّل أيضاً إضافة إلى التفاعل العكاري الوطني التعامل بحكمة مع الحدث من المرجعيات العكارية والمركزية للمسلمين السنّة والجماعة الإسلامية والقوى الأمنية والعسكرية. فالمرجعيات العكارية الدينية والسياسية رفضت الانسياق وراء هذه الحملة التضليلية كما رفضت اتهام عكار بالخروج عن منطق الدولة بموازاة رفضها التعرّض لأبنائها مع استنكارها لظاهرة انتشار السلاح وإطلاق الرصاص، وهي بذلك رسمت سقفاً وحدوداً للتعامل مع الحدث. والمرجعيات المركزية السياسية والدينية للمسلمين السنّة في لبنان رفضت أيضاً شيطنة هذا الطوفان البشري العكاري والشمالي الوطني الهائل والمحتضن للخيار الوطني بالدفاع عن الجنوب وعن فلسطين، ورفضت أيضاً الانخراط في الحملة التي استهدفته، وقد نال هذه المرجعيات بعض هذه الحملة، لإدراكها أنّ هذا الطوفان لا يمكن أن يكون في مواجهة قيام الدولة أو مضرّاً بها. والجماعة الإسلامية صاحبة العزاء تعاملت أيضاً بحكمة مع الحملة عندما رفضت الانسياق إلى أيّ سجال مع مطلقي الحملة ومروّجيها واكتفت ببيان واضح أكّدت فيه على مواقفها المتكرّرة من مسألة الدولة والسيادة والاستقرار والانفتاح على الجميع، كما أكّدت على تواصلها مع المعنيين في الأجهزة الرسمية قبل التشييع وبعده بهدف وضع حدّ لأي اسغلال من أيّ طرف كان، وهو ما كشفه وصرّح به مسؤولها السياسي في عكار رئيس بلدية ببنين الدكتور كفاح الكسّار. وكذلك فإنّ الأجهزة العسكرية والأمنية تعامل بحكمة مع الحدث ولم تخضع للضغوط التي مارستها حملة التضليل لأنّ قيادة هذه الأجهزة الحريصة على أمن واستقرار البلد تدرك وتعلم جيداً المتربصين بالبلد من المضحّين في سبيله ولذلك تعاملت بحكمة حتى لا تتحقّق رغبة الذين يطلقون العنان لحملاتهم من دون النظر إلى مآلاتها ونتائجها. لبنان بحاجة في هذه المرحلة لتضافر الجهود من الجميع الدفاع عنه وتجنيبه النوايا الإسرائيلية الشريرة والخبيثة التي باتت مكشوفة ومعروفة للجميع، وما من أحد يهوى الحرب أو يريد الذهاب إليها، ولكنّ منطق الأمور قد يفرض أحياناً الذهاب إليها نسبياً من أجل تجنّبها. د. وائل نجم

جبهة الجنوب .. معادلة ردع وقواعد جديدة
كلمة الأمان العدد 1610 /24-4-2024

للمرّة الأولى منذ السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023 ـتاريخ انطلاق معركة "طوفان الأقصى" يضرب حزب الله ويستهدف مراكز قيادات الاحتلال في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث استهدف بطائرات مسيّرة يوم الثلاثاء (23/4/2024) قيادة لواء غولاني قرب مدينة عكا على الساحل الفلسطيني، ومواقع أخرى قرب مدينة حيفا، وبغض النظر إذا ما كانت هذه المسيّرات أصابت أهدافها أم لم تصب، أو إذا ما تمكّن الاحتلال من إسقاطها، غير أنّها فرضت معادلة ردع جديدة وأدخلت الرعب إلى قلوب المستوطنين المحتلين الذين رأينا من خلال الفيديوهات التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي كيف كانوا يفرّون من على الشاطىء وسط حالة من الذعر الشديد. لقد شكّلت جبهة جنوب لبنان جبهة إسناد لجبهة غزة وبغض النظر عن حجم التأثير على تلك الجبهة سواء لناحية ردع الإسرائيلي ودفعه إلى التراجع في غزة من عدم ذلك. كما شكّلت جبهة الجنوب جبهة إشغال لقوات الاحتلال كان له تأثير واضح من خلال استنزاف جزء من قوات الاحتلال والمستوطنين في شمال فلسطين المحتلة. غير أنّ الاحتلال راح يطوّر من مواجهته ويحاول أن يفرض معادلات وقواعد اشتباك جديدة مع لبنان من خلال توسيع دائرة اعتداءاته وعدوانه إلى مناطق بعيدة في العمق اللبناني في البقاع والجنوب وحتى في الضاحية الجنوبية لبيروت، ومن خلال استهداف قطاعات مدنية كما في استهداف الصحفيين والمسعفين الصحيّين والأبنية المدنية. وقد احتاج هذا التطوّر العدواني في أداء العدو إلى ردّ يعيد الاعتبار للردع الذي كان قائماً ولقواعد الاشتاك التي كانت تحفظ الاستقرار النسبي وتمنع الأمور من الانزلاق نحو المواجهة المفتوحة والشاملة. ولعلّ في استهداف حزب الله لمراكز قيادات الاحتلال في العمق الفلسطيني كما حصل في استهداف مركز قيادة لواء "غولاني" قرب عكا رسالة واضحة وجليّة برسم قواعد الاشتباك من جديد، وتكريس قوة الردع مرّة أخرى بحيث تصبح المعادلة بعد اليوم كما يلي: كلّما استهدف الاحتلال سيارات أو أهدافاً خارج منطقة المواجهة المعروفة (المنطقة الحدودية) فإنّ الرد سيكون أيضاً خارج المنطقة الحدودية (من جهة شمال فلسطين المحتلة) في العمق حيث قيادات ومراكز الاحتلال. ولكن السؤال الأساسي بعد رسالة الثلاثاء هل سيمتثل الاحتلال لهذه القواعد الجديدة؟ وهل سيرتدع عن توجيه ضربات معيّنة داخل العمق اللبناني؟ أم ترى سيستمر في نهجه الجديد وسياسته القائمة على "الإرهاب" وترويع المدنيين؟ يحاول الاحتلال دائماً أن التحلّل من أيّة التزامات مكتوبة أو مفروضة ويتطلّع دائماً إلى ممارسة سلوك غير منضبط ولا مقيّد بشيء، ولذلك سيحاول تجاوز محاولة فرض قواعد جديدة في المواجهة حتى تبقى له حريّة الحركة وتوجيه الضربات في أيّ مكان من لبنان، غير أنّ ذلك يتوقف أيضاً على قدرة حزب الله على توسيع دائرة ردّه على اعتداءات الاحتلال، وعلى نوعية هذا الردّ. إنّ الردّ الذي قام به حزب الله على استهداف سيارة قرب عدلون بين صيدا وصور يدخل في إطار استعادة الردع وقواعد الاشتباك، غير أنّ ذلك أيضاً قد يدخل في حسابات الإسرائيلي ضمن التفكير بضرورة وضع حدّ لما يعتبره ويُعدّه خطراً محدقاً على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، وبالتالي فإنّ ذلك قد يدفع البعض في قيادة الاحتلال إلى التفكير في مغامرة جديدة في لبنان تضاف إلى المغامرة الفاشلة في غزة خاصة وأنّ هذا البعض الإسرائيلي لم يعد لديه ما يحافظ عليه وبالتالي فقد يقوده الجنون إلى ضرب الجنوب علّ ذلك يخلط الأوراق ويفرض قواعد جديدة تخلّصه من الورطة التي أقحم نفسه بها في غزة.

إيران تستعيد قوة الردع وتفرض قواعد جديدة
كلمة الأمان العدد 1609 /17-4-2024

نهاية الأسبوع الماضي ردّت إيران على الغارة الإسرائيلية التي استهدفت قنصلية إيران في دمشق خلال شهر رمضان المبارك، وقد وجّهت قوات الحرس الثوري الإيراني مئات المسيّرات والصواريخ البالستية والمجنّحة من داخل الأراضي الإيرانية صوب أهداف إسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فتمّ إسقاط عدد من المسيّرات والصوايخ، وهذا كان معروفاً وموضوعاً على خطة الحرس، فيما تمكّنت مسيّرات وصواريخ أخرى من بلوغ أهدافها داخل الأراضي المحتلة مسجّلة تطوّراً بالغ الأهمية والدّقة حيث أصابت هذه الصواريخ والمسيّرات تلك الأهداف وألحقت بها أضراراً بالغة بغض النظر عمّا إذا كانت الأضرار مادية أو بشريّة، وهذا باعتراف كيان الاحتلال الإسرائيلي. كثر رأوا في الردّ الإيراني مسرحية مكشوفة هدفها خروج إيران ببياض الوجه بعد قصف القنصلية في دمشق، خاصة وأنّ إيران أعلنت عن إطلاق المسيّرات والصواريخ، وأعلنت عن سرعتها وساة وصولها إلى أهدافها ما مكّن الكيان الإسرائيلي وحلفاءه من إسقاط معظمها وفقاً للرواية الإسرائيلية. وكثر أيضاً رأوا أنّ الردّ الإيراني ألحق بكيان الاحتلال وقواعده العسكرية التي استهدفت أضراراً كبيرة مادية وبشرية لم يفصح عنها الكيان بعد. وتغنّى هؤلاء بمستوى وحجم هذا الردّ، وبلغوا مبلغاً وصفوه بالردّ الاستراتيجي. والحقيقة تقع بين الموقفين. لا يمكن الحديث عن ردّ مسرحي استخدمت فيه مئات المسيّرات والصواريخ، ونشر حالة كبيرة من الهلع والخوف والقلق في صفوف المستوطنين الإسرائيليين، وأكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ هذه الصواريخ والمسيّرات قادرة على بلوغ أهدافها في داخل الأراضي المحتلة، على الرغم من تولّي عملية إسقاطها من دول عديدة في المنطقة ومن خارجها. كما لا يمكن الحديث عن أنّ هذا الردّ بلغ مبلغاً استرايجياً كبيراً وواسعاً بحيث جعل كيان الاحتلال ينزل على شروط إيران ويخضع لها. الحقيقة أنّ الردّ أعاد الاعتبار لإيران وللحرس الثوري في المنطقة، وأكّد أنّها دولة قادرة على الدفاع عن حدودها ومصالحها، وتملك إمكانية الرد على المخاطر التي تتهدّدها وأن ما تقوله وتهدّد به ليس وهماً إنّما واقع تملك كلّ معطياته. والحقيقة الأخرى أنّ إيران أعادت الاعتبار لقوّة الردع في المنطقة، والدليل على ذلك أنّ كيان الاحتلال الإسرائيلي الذي توعّد بالردّ على الردّ الإيراني، غير أنّه يخضع هذا الرد المنتظر لمزيد من النقاش والبحث والتنقيب على مستوى مجلس الحرب لأنّه يدرك أنّ أيّ ردّ أو خطوة لم تعد دون حسابات وضوابط كما لو أنّ إيران لم تردّ. بهذا المعنى يتأكّد لنا أنّ الردّ الإيراني أعاد الاعتبار لقوّة الردع التي كان وما زال يملكها، بل أكثر من ذلك فقد فرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة قد يذهب الإيراني بها إلى حدود حماية حلفائه من الغطرسة والجنون الإسرائيلي. العالم ينتظر الآن الموقف الإسرائيلي الجديد، والذي يتوعّد بردّ على الردّ الإيراني، وحجم ذلك ومكانه ووقته وظروفه، وبناءّ عليه يمكن أن ترسو المنطقة على قواعد جديدة كما يمكن أن تنزلق إلى حرب واسعة ومفتوحة يريدها البعض في كيان الاحتلال الإسرائيلي، وبانتظار ذلك ستظلّ قوة الردع الإيرانية قائمة وحاضرة وبغض النظر عمّا ألحقته الهجمة الإيرانية الأخيرة، فنتائج الحروب لا تتوقف على حجم الخسائر بل على كميّة ونوعيّة الأهداف المتحقّقة والواقع الذي ينشأ عن أيّ تحرك ميداني.

بأيّ حال عُدْتَّ يا عيد؟
كلمة الأمان العدد 1608 /3-4-2024

أيّام قليلة ويهلّ علينا هلال عيد الفطر المبارك. يهلّ علينا وأحوال أمّتنا صعبة، معقدّة، مستهدفة، تحت الضغط والنار، تنزف في أكثر من مكان، ولكن غير ميؤوس منها على الإطلاق. في فلسطين حيث القضية الأساسية والمركزية للأمة، للمسلمين على امتداد العالم، بل لكلّ إنسان حرّ، يقع الشعب الفلسطيني تحت ضغط الاحتلال الذي يرتكب بحقّ الفلسطينيين أبشع وأفضع أنواع المجازر والإبادة الجماعية على مرأى من هذا العالم الذي يُسمّي نفسه حرّاً وينادي بحفظ حقوق الإنسان، ثمّ لا يحرّك ساكناً لوقف تلك المجازر لأنّها بحقّ شعب مسلم مسالم لا يريد سوى أن يعيش بأرضه بكرامة وحريّة. ولكن على الرغم من مجازر الاحتلال وصمت العالم فإنّ هذا الشعب بصموده وانتصاراته وصبره وإلحاقه الهزيمة بالاحتلال ومنْعه من تحقيق أهدافه يعيد الأمل إلى الأمّة كلّها، يؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ النهوض ممكن، والنصر موعود فلا يأس ولا إحباط ولا تراجع. في بقية الأقطار العربية التي شهدت انتفاضات للخروج من حالة الرِقّ والعبودية، من حالة الفساد والاستبداد، من حالة العجز والتخلّف، وعلى الرغم من إعادة الشعوب إلى مربع العزل بشكل نسبي، وإلى حالة الخوف والقلق، وإلى حالة الإفقار والتخلّف، وإلى كلّ هذه المعاني التي أرادت أن تعود بالشعوب إلى مربع الانقياد والإخضاع والسيطرة والتحكّم، غير أنّ الجمر ما يزال تحت الرماد، وإرادة هذه الشعوب تظهر بين الفينة والأخرى معبّرة عن رغبتها بالانعتاق من حالة الجمود والتقوقع والانغلاق، من حالة العجز والتخلّف وانعدام الإرادة إلى ذاك الفضاء المفتوح الذي يتيح للشعوب تحقيق تطلعاتها في بناء دولة المواطنة والأخاء والمسؤولية، دولة العدالة والشفافية والتداول السلمي على السلطة، وبالتالي فلا يأس ولا إحباط ولا تراجع. في عالمنا الإسلامي المترامي الأطراف حيث نجد أنّ العالم الآخر الذي يتغنّى بالحريّة ومنظومة الحقوق يعمل جاهداً لتمزيق عالمنا الإسلامي وتشتيته بهدف سرقة خيراته وثرواته والسيطرة على مقدراته ومنْعه من النهوض والقيام بواجب إنقاذ البشرية، نجد أنّ عالمنا الإسلامي وعلى الرغم من التدخلات والضربات التي يتلقّاها، وعلى الرغم من محاولات عرقلة مسيرة نهوضه عبر صنوف شتى من الخطط والبرامج التي لا تخطر على بال، على الرغم من كلّ ذلك فإنّ هذا العالم الإسلامي يخطو خطوات وإن كانت ثقيلة نحو الاستقرار والقيام بواجب إنقاذ البشرية، فلا يأس ولا إحباط ولا تراجع. عيد بأيّ حال عدت يا عيد؟! على الرغم من الألم، والمأساة، والمعاناة، والمجازر وكل شيء، هذه أمّة لا تموت. هذه أمّة تنهض من تحت الركام. هذه أمّة تجترح الحلول من المآسي وتنهض من جديد للقيام بواجب الإنقاذ. ليس من صفاتها وشيمها الثأر والاعتداء وإن كان ردّ الصاع بالصاع مشروع، إنّما من مزاياها عن غيرها أنّها أمّة تريد الإصلاح والأنقاذ من أجل الإنسان. ولن تتخلّى عن هذه الميزة التي حباها الله بها. هذه أمّة كلّما تعرّضت للضغط اشتدّ عودها، وزادت عزيمتها على المضي في الطريق الذي ارتضاه الله لها حتى تبقى وتظلّ أمّة الخير التي تحمل كلّ الخير لكلّ الناس.

المجزرة مستمرّة والصمود مستمر
كلمة الأمان العدد 1607 /27-3-2024

كأنّ كيان الاحتلال الإسرائيلي ردّ على قرار مجلس الأمن القاضي بوقف إطلاق النار الفوري في قطاع غزة بمزيد من المجازر سواء في أنحاء القطاع أو حتى هذه المرّة في جنوب لبنان. فقد استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي في الساعات الأولى من فجر يوم الأربعاء مركزاً صحيّاً يقدّم الخدمات الصحيّة والإنسانية في بلدة الهبارية في الجنوب ما أدّى إلى سقوط سبعة شهداء من المسعفين المناوبين في المركز، فضلاً عن الذعر والخوف الذي خلّفته الغارة في أوساط الأهالي. من الواضح أنّ حكومة الاحتلال لا تأبه لقرارات الشرعية الدولية ولا إلى قرارات مجلس الأمن ولا تقيم اعتباراً سوى لمصالحها، ولا تفهم سوى منطق القوّة أيضاً. كم وأنّه من الواضح أنّ هذه الحكومة أمنت العقاب فأسأت الأدب وارتكبت المزيد من المجازر لأنّها تدرك أنّ أحداً من هذا العالم أو ما يُسمّى المجتمع الدولي لن يسألها أو يعاقبها على جرائمها، فهي قد اقترفت عشرات المجازر في فلسطين وفي جنوب لبنان منذ بداية عدوانها على غزة، والمجزرة ما زالت مستمرة ومتواصلة وهي في مأمن من العقاب لأنّ الفيتو الأمريكي حاضر في مجلس الأمن، وإن كان في الجلسة الأخيرة هرب إلى مربع الامتناع عن التصويت لصالح وقف إطلاق النار من دون أن يدين المجازر. حكومة كيان الاحتلال الإسرائيلي لجأت إلى ارتكاب هذه المجزرة في جنوب لبنان بحقّ مسعفين لأنّها باتت محشورة بشكل كبير في غزة وفي جنوب لبنان، وهي تدرك أنّ فشلها في حربها على غزة وعلى الجنوب لن يوفّر لها الأمن فضلاً عن البقاء، فلجأت إلى سياسة الأرض المحروقة والمجازر المروّعة علّ ذلك يخيف الشعبين الفلسطيني واللبناني ويعيد عقارب الزمن إلى الوراء. إنّ لجوء الاحتلال إلى ارتكاب المجازر يعكس حجم المأزق الذي يعيشه وحجم الإرباك الذي يسيطر عليه، وهو الذي لم يحصد حتى الآن سوى الخيبات والفشل من كلّ حركته وعدوانه، وهو الذي م يبرع سوى في ارتكاب المجازر وحروب الترويع والتجويع والتركيع. المجزرة مستمرة والصمود والعطاء مستمران أيضاً. الشعب الفلسطيني يسطر أروع أنواع البطولة بصموده وتضحيته وعطائه؛ والشعب اللبناني شريك له في هذا الصمود والعطاء وهو الذي يدرك جيداً أطماع الاحتلال بأرضه ومياهه وثرواته، ولذلك وقف مدافعاً عن أرضه وناصراً لشقيقه الشعب الفلسطيني. ما يجري في غزة وفي جنوب لبنان يرسم معالم المرحلة المقبلة في المنطقة وليس في فلسطين ولبنان فحسب، ولذلك فإنّ الاحتلال يمعن في جرائمه مدعوماً من الدول الشريكة له والمدافعة عنه، والشعب اللبناني والشعب الفلسطيني يتمسّكان بحقوقهما لأنّهما لا يملكان سوى ذلك، فإذا كان الاحتلال مستمر في مجازره فإنّ اللبنانيين والفلسطينيين مستمرّون في صمودهم حتى النصر ودحر الاحتلال.

12345678910