العدد 1529 /21-9-2022
بسام غنوم

تعيش الساحة اللبنانية حالة من المراوحة القاتلة ان صح التعبير فالازمات الاقتصادية والمعيشية تتفاعل واهل السلطة في عالم آخر مشغولين بتقاسم الحصص الوزارية في الحكومة الجديدة المتوقعة بعد عودة الرئيس ميقاتي من نيويورك في اواخر الاسبوع الجاري ، بعد مشاركته في اعمال الدورة الـ 77 للجمعية العمومية للأمم المتحدة حيث يتوقع تعويم حكومة تصريف الاعمال الحالية مع ادخال تعديلات في عدة مواقع وزارية فيها.

لكن مايجري على الارض من تحركات شعبية وخصوصا "انتفاضة المودعين" في المصارف اللبنانية التي اخذت مجرى تصاعدي بعد ارتفاع سعر صرف الدولار الاميركي مقابل الليرة اللبنانية الى مستويات خطرة حيث وصل سعر صرف الدولار الى 38500 ليرة لبنانية مما هدد الامن الاجتماعي للبنانيين الذين وجدوا انفسهم متروكين لمصيرهم المحتوم حيث ارتفعت اسعار المواد الغذائية وكذلك المحروقات الى مستويات قياسية يعجز عنها غالبية الشعب اللبناني ، وترافق ذلك مع انقطاع شامل للكهرباء المنتجة من شركة كهرباء لبنان ما فتح الباب امام تحركات شعبية في الشارع اضافة الى انتشار عمليات السرقة بشكل واسع في مختلف المناطق اللبنانية مما قد يؤدي الى فلتان الامور في حال استمرت الاوضاع على ما هي عليه رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها القوى الامنية من اجل ضبط الاوضاع في الشارع ، يطلق صرخة خطر، خصوصا مع استمرار الخلاف السياسي بين اهل السلطة حول المغانم مما قد يفجر البلد قبل انجاز الاستحقاق الرئاسي خصوصا اذا استمر سعر صرف الدولار بارتفاع دون ضوابط من قبل الحكومة ومصرف لبنان الذين يبدون عجزا مريبا امام ما يجري على صعيد سعر صرف الدولار وعلى صعيد معالجة الازمة المعيشية المتفاقمة.

والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل حالة التسيب والاستهتار المتبعة من اهل السلطة هو : هل يتجه لبنان الى الفوضى من الآن وحتى انجاز الاستحقاق الرئاسي ؟

تبدو الفوضى هي الاقرب الى واقع اللبنانيين في هذه الايام حيث السلطة عاجزة عن تقديم اي شيء للشعب اللبناني ، فالكهرباء غائبة كليا والناس رهائن لاصحاب المولدات الكهربائية الذين يطالبون الناس بالدولار (الفريش) مقابل تأمين الكهرباء ، والدولار يرتفع مقابل الليرة اللبنانية حتى وصل الى 38500 ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد ورواتب الموظفي في القطاعين العام والخاص اصبحت بخبر كان بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار ، والطبقة الحاكمة لاتقدم اي حلول سواء فيما يتعلق بأموال المودعين في المصارف او في مواجهة الازمات الاجتماعية لذلك شهدت مختلف المناطق اللبنانية في الاسبوع الماضي عمليات اقتحام للمصارف من قبل المودعين لتحصيل حقوقهم فيما اطلق عليه "انتفاضة المودعين" ، وبدلا من قيام السلطة بالتخفيف عن اللبنانيين في هذه الايام العصيبة قام مصرف لبنان برفع الدعم كليا عن سعر البنزين الذي اصبح خاضعا لسعر صرف الدولار في السوق السوداء ، والحكومة الحالية قدمت موازنة في المجلس النيابي عن عام 2022 غابت عنها كليا اي خطة للتعافي الاقتصادي باعتراف رئيسها واعضاءها ، وكذلك غاب عنها ارقام حقيقية للايرادات والنفقات بسبب عدم التوافق على سعر لصرف الدولار الاميركي مما ادى الى تأجيل التصويت على الموازنة التي وصفت من قبل النواب في المجلس النيابي بأنها موازنة "دكنجي" الى 26 من الشهر الجاري ، والمضحك المبكي هو محاولة الحكومة رشوة الموظفين في القطاع العام مجددا عبر اقرار زيادة على رواتبهم ثلاثة اضعاف في الموازنة المقترحة دون تحديد كيفية تأمين الاموال اللازمة لرواتب الموظفين كما جرى في العام 2018 حين اقر المجلس النيابي "سلسلة الرتب والرواتب"للموظفين في القطاع العام رغم تحذير معظم الخبراء الاقتصاديين في ذلك الوقت من تأثير ذلك على الاستقرار الاقتصادي ، واليوم تمارس الحكومة ومعها المجلس النيابي اللعبة نفسها لمحاولة امتصاص نقمة موظفي القطاع العام عبر زيادة رواتبهم ثلاثة اضعاف مما سيزيد من حجم التضخم والفقر في لبنان اضعاف ، لأن الحكومة لن تجد امامها الا طبع المزيد من العملة اللبنانية لتأمين نفقات رواتب القطاع العام وهو ما سينعكس ارتفاعا في سعر صرف الدولار الى مستويات قياسية توصل لبنان واللبنانيين الى قعر جهنم التي بشرنا بها الرئيس عون قبل عدة اشهر من انتهاء ولايته.

بالخلاصة يمكن القول لبنان يتجه الى الهاوية بكل مافي الكلمة من معنى خلال الفترة القادمة ، اولا لأن الحلول غائبة ومغيبة من قبل القوى الممسكة بالسلطة ، وثانيا لأن الحكومة عاجزة عن القيام بدورها في تأمين ابسط الحاجات للبنانيين، وثالثا لأن لبنان يغرق في خضم ازمات المنطقة التي تبدأ بالصراع الاميركي – الايراني حول الملف النووي الايراني ، ولا تنتهي بالتهديدات بالدخول في حرب مع العدو الصهيوني، حيث يرى البعض ان التهديدات التي يطلقها "حزب الله" مرتبطة بتعثر مفاوضات فيينا بعد ان كان توقيع الاتفاق النووي مع ايران قاب قوسين وأدنى ولا علاقة له بملف ترسيم الحدود واستخراج النفط بقدر ما هي رسائل للداخل، وبالتالي لا يوجد ضوء في نهاية النفق الذي يبدو انه بلا نهاية.

بسام غنوم