العدد 1538 /23-11-2022

خالد الجبر

هي المرّة الأولى عالميّاً التي تُدمِج دولة استضافَتها دورة من بطولة كأس العالم لكرة القدم في رُؤيتِها التّنمويّة، وتُؤسِّس بها مَساراً حقيقيّاً من التّطوير في المجالات كافّةً، لا في البنية التّحتيّة وحدَها، وهي بالمناسبة بنيةٌ ستكفي دولة قطر عشرات السّنوات المقبلة، فضلاً عن أنّها ستكون البنية التّحتيّة لنهضةٍ اقتصاديّةٍ صناعيّةٍ وخدماتيّة، غير معزولةٍ عن نهضة علميّة وفكريّة وثقافيّة، مصحوبة بنهضة سياسيّة تضع الدّوحة على خريطة البلدان المؤثِّرة في الإقليم، والمنطقة بعامّة، بل يمتدّ تأثيرُها ليطاول السّاحة الدّوليّة.

اثنا عشر عاماً من التّخطيط انطلقت من لحظة إعلان فوز قطر سنة 2010 باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم سنة 2022. وليتعقّب المرءُ محطّاتٍ أُخرى مصاحبةٍ هذا الإعلان، سيجد هذه الدّولة تبدأ مشروعاتٍ كُبرى أُخرى على مستوياتٍ ثقافيّة وفكريّة وعلميّة، أثبتت بها أنّها واسعةٌ في رؤيتِها للتّحديث والتّطوير والبناء، وترتكز على رُؤية شاملة للتّنمية غير مقصورة على المَبْنَى، بل تمتدُّ عميقاً في المَعْنَى. هكذا، مع كلّ ما شَهِدَتْه مسيرتُها في العقدين الأخيرين من مُحاولاتٍ للعرقلة، تمكّنت من الشُّروع في مشاريع كُبرى، فيها: شركة طيران تُعدُّ من أفضل شركات الطّيران في العالم، وميناءٌ تجاريّ أُنجز في وقتٍ قياسيّ، وتحقيق الاكتفاء الذّاتيّ في موادّ كانت تستوردُها من دُول فرضت عليها الحصار، وتوفير خطوط استيرادٍ بديلةٍ من الّتي حُوصِرت بقطعِها عنها، وتطوير في التّعليمين، المتوسّط والعالي، لتوفير فرص التّعلُّم لأبناء البلد والمقيمين. هذا إلى مشاريع ثقافيّة ومعرفيّة كُبرى أيضاً، فيها: معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة، ومعهد الدّوحة للدّراسات العليا، والموسوعة العربيّة (المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات)، وأوّل موسوعة للاستغراب (كرسيّ الإيسيسكو لحوار الحضارات بجامعة قطر)، وجائزة كتارا لشاعر الرّسول الأكرم، وجائزة كتارا للرّواية العربيّة، وجائزة الشّيخ حمد للتّرجمة والتّفاهم الدّوليّ، وهي تُكسب هذه الدّولة مصداقيّةً عميقةً على المستويين، العربيّ والإسلاميّ، فضلاً عن تقديمها نموذجاً لتنفيذ رؤية شاملة للتّنمية.

وقد يكونُ في الهجمة الّتي تعرّضت لها قطر منذ إعلان فوزِها باستضافة كأس العالم 2022، وفي تزايُد سُعار هذه الهجمة في الأسابيع الأخيرة، ما يحثّ على الإصرار على إنجاح هذه الدّورة من البطولة بصورة غير مسبوقة، من باب الاستجابة للتّحدّي أوّلاً (وقطر مشهورة بمثل هذا)، ولعلّ هذا يقتضي من المواطنين والمقيمين، ومن كلّ عربيّ ومسلم مكّنته الظّروف من الحضور، الإسهام بفاعليّةٍ حقيقيّةٍ في الاستجابة للتّحدّي. ليس هذا لأنّ قطر تَنُوبُ عن المسلمين جميعهم، والعرب جميعهم، والخليجيّين جميعهم، في تأدية دورٍ تثقيفيّ ممتازٍ لتعريف ضُيوفِها من غير العرب والمسلمين، والخليجيّين خاصّة، بقيم هذه المنطقة من العالم، وبدورها الحضاريّ المهمّ للإنسانيّة كلّها، مع أنّ العالم لا ينظر إلى هذه المنطقة إلّا من باب الصّورة النّمطيّة التّقليديّة (بدويّ يسوق ناقته، أو ثريّ يلبس لباساً تقليديّاً ونظّارات شمسيّة يلعب القمار ويشرب الخمر ويغازل الحِسَان)، ومن باب النّفط والغاز، وتلبية طلب السّيّد الغربيّ لتخفيض سعر النّفط، أو دفع فواتير الهجوم على دُول أُخرى لإسقاط أنظمتِها.

ليس ذا بالٍ ما يُحاولُ مُهاجِمُو قطر في المدّة الأخيرة إثارتَه؛ من حقوق العُمّال، أو النّساء، أو المثليّين، وليس ذا بالٍ الحديثُ عن شرعيّة بيع الخمور في أماكن قريبة من الملاعب أو نائية عنها... هذا كُلُّه ليسَ ذا قيمة حقيقيّة في ما يحدُث، وهو سيمرُّ مثل زوابع كثيرة تثُور ثمّ تهدأ وتسّاقطُ رِمالُها على الكُثبانِ فلا يبدو لها أثر. لكنْ ثمَّة ما يستحقُّ الاهتمام بصورة واضحة هو: هذا اليَمين الشّعبويّ الأوروبيّ المُتصاعِد الّذي لا ينظرُ إلى سواهُ من شُعوب العالم إلّا من بُرجِه العاجيّ (مع أنّه فقد هذا البُرج منذ عقود) نظرةً فوقيّة؛ فلا يرى شُعوب الدّنيا سواه إلّا: عبيداً، ورُعاة متخلّفين، ومتطرّفين وإرهابيّين، ودمويّين، وقُساةً جِلافاً غِلاظَ القُلوب لا يُراعُون حُقوق النّساء والأطفال والعمّال.

وهذا اليمين الشّعبويّ يظهر أنّه بمؤسّساته كلّها قابلٌ للشّراء وبيع المواقف؛ قابلٌ لتبديل البُندقيّة بحسب مصالحه، ويُتوقَّع منه كلّ سُوء. صُحفٌ كُبرى دأَبَ النّاس على التّغنِّي بأسمائها وصدقيّتها سقطت. ومثلُها أكاديميّات ومراكز دراسات وإمبراطوريّات إعلاميّة يُحرّكها فُتات المال السّياسيّ الموبوء. هذا اليمين هُو نفسُه الذي يقمعُ الحُرّيّات في بلاده، ويمارس أقسى أنواع العزل والعُنصريّة تُجاه اللّاجئين والمهاجرين، بل تُجاه المواطنين منهم الذين اكتسبوا المواطنة بحسب قوانين تلك البلاد ودساتيرها. وهو الوريثُ الحاضر لكلّ ألوان الاحتلال والاستعباد والاحتقار والقهر والاستعمار وسرقة الثّروات والموارد الّتي مارسها أسلافُه على مدار قُرون في مشارق الأرض ومغاربها.

قد يكون السّبب القريبُ في هذه الهجمة كامناً في الظّروف الاقتصاديّة الّتي تعيشُها أوروبا، من ضعف موارد الغاز والنّفط، وارتفاعٍ صارخٍ في الأسعار، ونسب التّضخُّم العالية المُصاحبة لاحتمالات الدّخول في كَسادٍ اقتصاديّ واسع، وهذا غير بعيدٍ عن قرار "أوبك بْلَسْ" تخفيض إنتاجها من النّفط بمقدار مليوني برميل يوميّاً (أثار حفيظة الولايات المتّحدة وأوروبا)، ودول الخليج في هذا القرار ذات موقفٍ واحد، بما يُظهِّرُ أنّ هذه الهجمة ليست على قطر وحدَها، بل على المنظومة الّتي تضمُّها وتشمل الخليج العربيّ كلّه من عُمَان إلى الكُويت، مروراً بالإمارات والبحرين، ولا يمكن فصل السّعوديّة عنه. هذه الدُّول كُلّها ستتضرّر نتيجة هذه الهجمة على المستوى البعيد، بغضّ النّظر عن الكلام المُتَداوَل من مشاركة بعضِها في تمويل المراكز والصّحف والفضائيّات الّتي تُسعِّر هذه الهجمة. وقد يكون السّبب طُموح بعض دُول أوروبا أن تَسُدّ قطر النّقص في إمدادات الغاز نتيجة الحرب الرّوسيّة الأوكرانية، مع اتّضاح أنّ قطر لا تستطيعُ أن تكون بديلًا في العاجل، ولا حتّى على المستوى القريب، لمقتضياتٍ تقنيّةٍ كثيرة، تلك الدّول غير جاهزة لها. فما الأمر إذاً؟

أميلُ إلى أنّ هذا اليمين يُمارسُ الآنَ كِبْرَه بصورة فاقعة؛ إذ كيفَ يتصوّر لدولةٍ صغيرة الحجم، مثل قطر، تستضيف الحدث الرّياضيّ الأكبر على مستوى العالم؟ كيف خرجت هذه الدّولة من "ظلّ عباءة السّيّد"، وامتلكت القدرة على تنظيم هذا الحدث مع كلّ ما يصحبُه من تطوُّر مُذْهل في مجالات التّنمية كلّها؛ علماً وفكراً وثقافةً؟ كيف لدولة صغيرة الحجم، مثل قطر، أن تَفْرِض رُؤيتها الخاصّة لذاتِها ولمقدّراتِها ولطريقتِها في الحياة والوجود؟ كيف لدولة صغيرة الحجم كانت بالأمس القريبِ تحتاجُ إلينا في كُلّ شيء أن تغتني عنّا في كلّ شيء، ويكون مستوى معيشة الفرد فيها أعلى من مستوى معيشة نظيره في دُول كانت تقليديًّا تقودُ الدّنيا وتتحكّم في أمور عبادِها شرقاً وغرباً؟

لقد تمكّنت هذه الدّولة صغيرة الحجم من تجاوُز كثير ممّا دُبِّرَ لها بِلَيَالٍ حالكات، ومع هذا التّجاوُز تعلَّمت الاستجابة للتّحدّيات، فحوّلت المُشكلات والعراقيل فُرَصاً حقيقيّة للتّنمية، وظلّت طوال مسيرتِها الحديثة على مبدأ: القرار مستقلّ، لا خُضوع للتّهديد والوعيد، ولا شيء يمكنُ أن يكسر النّفس المتمسِّكة بالكرامة والإنجاز والتّطوير، ولم تتوقّف لحظة عن البناء والتّحديث في أحلك الظّروف، مؤمنةً بأنّها ستحقِّق رؤيتَها. وحريٌّ بتجربة رائدة نادرة كهذه في عالمنا العربيّ، بل في منطقة الشّرق الأوسط كلّها، أن تتمسّك بعوامل قوَّتها واستقلالها، وتُضاعفَ اهتمامَها بكلّ جوانب منعتها العلميّة والفكريّة والثّقافيّة، ومؤسّساتها، وتستغلّ الفرصةَ لمراجعة أيّ ثُغْرةٍ تمثّل خاصرةً ضعيفةً؛ ليكون هذا الحدثُ حقّاً: كأس قطر العالميّة 2022، تفوز به قطر بغضّ النّظر عن نتيجته الكُرويّة.