العدد 1460 /5-5-2021

السنوسي بسيكري

واقعة منع وفد حكومة الوحدة الوطنية الليبية من الدخول إلى بنغازي للترتيب لاجتماع الحكومة في المدينة؛ مفصلية في تجلية المشهد في ما يتعلق بفرض سلطة الحكومة على كافة ربوع البلاد.

والحقيقة أنه لم يكن مستبعدا ولا مستغربا أن يقع ذلك بالنظر إلى موقف حفتر وتخوفه من أن تنجح الحكومة في التغلغل في المدينة وفرض أمر واقع جديد لا سلطان نافذا لحفتر عليه، خاصة أن حفتر لم يتحصل على ضمانات وتطمينات بخصوص مكانته وموقعه في منظومة الحكم.

وتفقد تفسيرات الموالين لحفتر أن واقعة منع وفد الحكومة كانت بفعل مجموعات مارقة، تفقد قيمتها بالنظر إلى استحالة أن تقدم مجموعات على هكذا فعل دون استشارة "القيادة العامة"، فهذه حكومة مصادق عليها من البرلمان ومعترف بها من المجتمع الدولي. ثم إن سوابق حفتر في التعامل مع الخارجين عن سلطته كانت حازمة، وانظر لما وقع لفرج اقعيم وسهام سرقيوة وحنان البرعصي.

كما أن البيان الصادر عن حفتر لم يدن الفعل أو يجرمه، بل تضمن إشارات واضحة يمكن أن يفهم منها أن ما وقع بتدبيره وأمره، وبالتالي فإن الافتراض الصحيح وغير القابل للنقاش الموضوعي أن الاعتراض كان مأمورا به من قبل "القيادة العامة"، وهو رد فعل غاضب على عدم إدراج رئيس حكومة الوحدة الوطنية لقاء حفتر ضمن برنامج عمله في بنغازي.

دبيبة لم يمارس براغماتية هذه المرة، والسبب ربما يعود إلى المدينة التي ينتمي لها، مصراتة، والجبهة العريضة في الغرب الليبي التي لم تتهيأ بعد للقبول بإدماج حفتر في السلطة الجديدة بعد ما فعله في نيسان/ أبريل 2019م وما بعده.

العامل الثاني في عدم مبادرة دبيبة بلقاء حفتر متعلق بتراتبية السلطة وفق ما هو معروف ومعلوم في الأنظمة الديمقراطية، وبناء على مقررات ملتقى الحوار السياسي التي تقضي بأن يخضع الجيش للسلطة المدنية. ولأن حفتر تورط في ما من شأنه رفض الخضوع للحكومة، ومن ذلك تنفيذه مناورات عسكرية دون إذن السلطة التنفيذية، والالتقاء بشيوخ القبائل وتوجيه خطاب الزعامة السياسية التي تتجاوز صلاحيات قائد عسكري. فبرغم عبثية تصريحه ببناء ثلاث مدن تستوعب 12 مليون إنسان، إلا أن مغزى التصريح هو التأكيد على استقلالية تامة بعيدة أي أن سلطة نافذة في البلاد، وهو ما يمثل تحديا بل انتقاصا لشخص ولصفة دبيبة كرئيس حكومة وحدة وطنية.

عبر دبيبة في مناسبتين بعد منع وفد حكومته من دخول بنغازي عن غضبه، وبرغم إجماله وتعميمه عند توجيه تهم العرقلة ودق طبول الحرب، إلا أنه من المعلوم أن عرقلة المسار السياسي وشن الحروب تخصص أصيل لحفتر.

لقاء حفتر بعقيلة صالح حمّال أوجه، إلا إن التفسير الأقرب هو لقاء المصالح بعد التوتر الذي ساد بينهما. فعقيلة يريد ممارسة ضغوط على الحكومة وعلى النواب الرافضين لاستمراره رئيسا للبرلمان، أيضا في ملف المناصب السيادية الذي يبدو أن عقيلة يعتبره حيويا جدا في هذه المرحلة. بالمقابل فإن حفتر لن يكون معزولا محليا ودوليا في مواجهته للحكومة الجديدة، وبتوافقه مع عقيلة صالح فإنه يعزز من موقعه التفاوضي في حال غلب خيار إجراء الانتخابات في كانون الأول/ ديسمبر، ويتحصل على الدعم السياسي إذا رجح خيار الحرب.

والملاحظ أن التوتر الذي هو سيد الموقف اليوم يقع بعيدا عن تأثير وتوجيه الأطراف الدولية، خاصة التي نجحت في جر الجميع إلى طاولة التفاوض ونجحت في تمرير الاتفاق السياسي وحكومة صادق عليهما البرلمان، وهي مسألة فارقة بالنظر لما وقع لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج.

لهذا يمكن اعتبار ما يقع اليوم من تأزيم اختبارا للإرادة الدولية وللضمانات التي تحدثت عنها ستيفاني، عرابة الاتفاق الجديد. فمن الممكن أن تقع ضغوط على حفتر وعلى دبيبة فنشهد تهدئة ويتم الإفراج عن الميزانية وتعود حالة التفاؤل. وفي حال انشغلت الأطراف الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة بقضاياها الداخلية والخارجية الكبرى، فإن واقعا شبيها لحكومة الوفاق يمكن أن يتكرر ومن ثم يعزز من فرضية الانقسام، فالتقسيم يصير خيارا مقبولا من الفواعل السياسية والعسكرية والمجتمعية.