العدد 1511 /11-5-2022

عطس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي "المصرف المركزي"، وعلى الأرجح أن العالم سيصاب كله بالزكام. وبعد تردد وتلويح ووعيد، صوتت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التابعة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الأسبوع الماضي وبالإجماع، على رفع سعر الفائدة المصرفية بنصف نقطة مئوية، وهي أعلى نسبة رفع "يقترفها" البنك المركزي الأميركي منذ 22 عاماً، ليصل سعر الفائدة إلى 1%.

وأنهت الولايات المتحدة "لعبة" تكاليف الإقراض الصفرية المعتمدة، بعد تمهيد بدأ في 2018 برفع سعر الفائدة ربع نقطة مئوية، تلاه في مارس/آذار الماضي رفع مماثل، ليصل سعر الفائدة إلى نصف مئوية، قبل الرفع الكبير قبل أيام.

وتأهبت المصارف المركزية والاقتصاد العالمي لعقابيل الزكام، أشار صنّاع السياسة النقدية في واشنطن إلى احتمال ست زيادات على سعر الفائدة خلال العام الجاري لاحتواء ارتفاع تكاليف المعيشة، بعد أن اقتربت نسبة التضخم في الولايات المتحدة من 8%، وهي الأعلى منذ 40 عاماً.

رأينا بعض التحوّط من البرد، ولو عبر جرعات تسكينية. فأعلن البنك المركزي الهندي عن زيادة مفاجئة في سعر الفائدة، وقام البنك المركزي الأسترالي برفع سعر الفائدة بعد تثبيت لعشر سنوات، وبدأت المصارف المركزية الأوروبية بتحريك أسعار الفائدة. لتكون الطامة على الدول النامية، التي سارعت لدراسة الآثار "الوخيمة" التي ستلحق بأموال واستثمارات بلدانهم، واحتمالات الهجرة إلى الولايات المتحدة، إن بلغ فعلاً سعر الفائدة في المركزي الأميركي أكثر من 2%، وهي نسبة التضخم التي تسعى واشنطن لتحقيقها نهاية العام الجاري.

إذ وبمنتهى البساطة ومن دون تعقيد على القارئ، لن تجازف الأموال والاستثمارات بالبقاء في دول عائد الاستثمار فيها، أو سعر الفائدة، لا يتناسب بالمطلق مع تضخم هائل وزاحف، وصل على سبيل الذكر في تركيا إلى نحو 70% على أساس سنوي، في حين تحقق هذه الأموال أرباحاً مضمونة جراء الإيداع بالمصارف الأميركية أو حتى الأوروبية التي يمكن أن ترفع الفائدة إلى نسب غير مسبوقة، توازي أو تزيد عن نسبة التضخم.

بمعنى، ما هو جدوى أي إيداع في المصارف التركية أو مثيلاتها في الدول النامية، إن كان التضخم السنوي خمسة أضعاف سعر الفائدة، وما هي الآمال المعقودة على أي استثمار، بواقع تراجع القدرة الشرائية وملامح التضخم؟

هذا إن لم نأت على مخاوف الأموال والاستثمارات من الركود، الذي بدأت ملامحه تخيّم على الاقتصاد العالمي برمته، بواقع "ادعاء" الصين عودة كورونا، وخلل الإمداد ومعروض السلع، غذاء وطاقة، جراء استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، بل وتوقعات بمزيد من اتساع ساحات القتال لدرجة عدم استبعاد حرب شاملة يتخللها استخدام السلاح النووي.

قصارى القول: إن أخذنا تركيا مثالاً عن الدول النامية، والطامحة لتخفيض سعر الفائدة إلى خانة الآحاد لتخرج الأموال من خزائن المصارف إلى الأسواق والمشاريع، علها تحفّز الأسواق عبر الاقتراض ونسب الفائدة المنخفضة، فتساعد المشروعات بزيادة النمو والإنتاج والاستهلاك، فتقرّب من حلم أنقرة بدخول نادي العشرة الكبار.

بيد أن سعر الفائدة الحالي البالغ 14% أمام نسبة التضخم "أسعار المستهلك" التي ارتفعت 7.25 بالمئة في إبريل/ نيسان الماضي، على أساس شهري، لتبلغ 69.97 بالمئة على أساس سنوي. ويقفز بالمقابل مؤشر أسعار المنتجين بواقع 7.67 بالمئة على أساس شهري، فيما بلغ 121.82 بالمئة على أساس سنوي، يدفع الأموال المودعة بالمصارف للهجرة من دون تردد، وربما المشروعات إلى التوقف، إن لم نقل الإغلاق والتصفية.

ولكن هذا في العام، إن لم تقدم تركيا على حل وقائي، أو مواجهة تتناسب مع ما يشهده العالم من محاولات احتواء التضخم، وبمقدمتها رفع سعر الفائدة، أو تطوير "فكرة" حماية أموال المودعين بالليرة، إذ لم يعد مجدياً ضمان حقوق المودعين بالنسبة لتقلبات سعر الدولار، بعد أن أودت نسب التضخم بتلك الميزة التركية.

أي أن تركيا ربما باتت في موقع المضطر للتخلي عن ذهنية "الفائدة الربوية" والابتعاد، ولو مرحلياً، عن أحلام تخفيض سعر الفائدة، علها برفع النسبة تكبح ولو بعض جماح التضخم، عبر تقليص حجم الكتلة النقدية داخل الأسواق.

ولكن بالمقابل، أليست ثمة مخاطر إن فعلت تركيا ورفعت سعر الفائدة بعد ثلاثة أشهر من التردد والتثبيت عند 14%؟

فإن استبعدنا أي "تآمر" على اقتصاد متنام وساع لمصاف الكبار، أليس من آثار بعد تقليص الكتلة النقدية على الاستهلاك والاستثمار. هذا إن لم نجهض الفكرة عبر استحالة رفع سعر الفائدة، ولو إلى ربع نسبة التضخم، ولم نتساءل عن المشروعات التي يمكن أن تعود على المصارف بأرباح تزيد عن أسعار الفائدة المرتفعة، التي يمكن أن يراها المركزي دواء مرّا لا بديل عن اجتراعه.

نهاية القول: هي أزمة أقرب لأن تكون صعبة الحل، خاصة بواقع استمرار زحف التضخم العالمي الذي ينذر بركود شامل، سيرافقه تقليص الطلب على العمالة وزيادة نسبة البطالة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار ونسب الفقر.

لكن ثمة إجراءات، ولا شك، لتقليل الآثار، على الأقل، لهذه الأزمة الدولية، وليست على تركيا فحسب، لعل أهمها بالنسبة لتركيا، ترك المصرف المركزي يستعيد كامل الثقة بأن يتخذ إجراءات وفق واقع السوق، وليس وفق أماني وإملاءات رجال السياسة.

وربما رؤى خبراء المصرف المركزي بمواجهة الأزمة تتعدى طرائق الحد من الدولرة وتبديد المخاوف المشروعة للمكتنزين، ولا تنحصر الخطط بالحل التقليدي عبر رفع نسبة الفائدة للمحافظة على الإيداع أو سحب جزء من فائض سيولة الأسواق، بل ربما عبر البحث مع الفريق الاقتصادي الحكومي والمصارف الأخرى، حكومية وخاصة، لطرح أوعية ادخارية يتناسب عائدها مع نسبة التضخم، أو طرح الحكومة مشروعات مشتركة، إنتاجية أو عقارية، تشجع رأس المال المقيم على البقاء، خاصة أن تركيا بدأت تستعيد علاقاتها مع المحيط العربي وتتطلع لزيادة قيمة صادراتها عن 250 مليار دولار.

لأن مرارة حل رفع سعر الفائدة، وأياً بلغت، لن ترقى لسم واقع هجرة الأموال وتفشي الأمراض الاقتصادية في بلد بدأ يتلمّس أسباب القوة.

عدنان عبد الرزاق