الصفحة الرئيسية
  31 تموز 2015 م    الجـمـعـة 15 شـــــوال 1436 هــ   السنة الثالثة والعشرون    العدد 1172 

äÓÎÉ ÇáÃßÑæÈÇÊ áåÐÇ ÇáÚÏÏ
   
       الامان الفكري
الى الاعلى

صورة الإسلام والمسلمين.. والإحسان إلى الجار
 

للأستاذ: عصام العطار

 نعم، إنني أدعو المسلمين حيثما كانوا من شَرْقٍ أو غَرْبٍ إلى التفوّق في مختلف الاختصاصات، والتقدّم في مختلف مجالات الحياة، ليكون لهم وجودُهم الفاعل الملموس، وأثرُهم النافع المحمود، وصورتُهم الحقيقية الجميلة، وليكونوا أقدر على خدمة أوطانِهم ومجتمعاتِهم، وخدمةِ الإنسانية والإنسان حيثما كان ..

ولكنني لا أُغْفِل أبداً دَوْرَ المسلم البسيط، ولا أنْتَقِص من قيمتِه ودورِهِ وأثرِه؛ بل ربّما كان في بعض الأحيان أبلغَ أثَراً من سواه من الأدوار..

فالمسلم الذي يُحْسِن المعاملة مع نفسِه، ومع أسرتِه، ومع مجتمعِه، يؤدّي لإسلامه، ويؤدّي لأسرته ومجتمعه بالإسلام أجلَّ الخَدَمات.

وليس الأمر في أصله وجوهره بالغ التعقيد؛ وإن كان الكمالُ فيه وفي سواه ليس له حَدّ.

ويكفي المسلمَ الصالحَ في الْبَدْء، أن يأخذ بتعاليم دينِه الواضحة في علاقاتِه المختلفة، ليكون ناصِحاً نافِعاً لنفسه وأهله ولسائر الناس، ولتكون صورتُه وصورةُ الإسلام من خلالِه أجملَ الصُّوَر.

وكثيراً ما تذكرت وأنا أمُرُّ ببعض الآيات والجمل قول أحمد شوقي في نهج البردة :

 جاءَ النبيّونَ بالآياتِ فانْصَرمَت  وجِـئـتَـنَـا بحكـيمٍ غــيرِ مُـنْـصَـــرِمِ

آياتـــُهُ كلّــما طــالَ المَــــدى جُـدُدٌ    يَـزينُهــُـنَّ جَــــلالُ العِتْــقِ والقِـــدَمِ

يكــــادُ فــــي لَفْظـــَةٍ مِــنْهُ مُشَرَّفَةٍ      يُوصِيكَ بالحَقِّ والتقوَى وبالرَّحِمِ

ولْنَأْخذْ في الأمر الذي نحن بصَدَدِه -على سبيل المثال- هذه الآية الكريمة من كتاب الله عزَّ وجلّ: >وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً< النساء  : 36 ولْنَكْتَفِ من هذه الآية الكريمة بجزء صغير منها حتى لا تتسع مجالات الكلام، وتتعدّد جوانبُه ومَناحيه، مما يحتاج كتاباً كاملاً، لا مقالاً سريعاً يقتصِرُ على جانب محدود لمُجَرّد المثال

لِنَكْتَفِ من الآية الكريمة بقول الله عزَّ وجلَّ فيها: >وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ< أي بما أمرَ الله به فيها من الإحسان إلى الجار.

ولكن مَنْ هو الجار ذو القُرْبَى والجارُ الْجُنُبُ والصاحبُ بالجَنْبِ المقصودون بالكلام، والذين يستوجبون ما أمَرَ اللهُ تعالى بهِ مِنَ الإحسان؟

- «قال العلماء : الأحاديث في إكرام الجار جاءت مُطْلَقَةً غير مقيّدة فهي تشمَل حَتّى الكافر، وقال الحافظ ابن حَجَر في فتح الباري:

- (واسْمُ الجار يشمَل المسلمَ والكافر، والعابدَ والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبَلَدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبيّ، والأقرَب والأبعَد .. وله مراتب بعضُها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصِّفاتُ الأُوَلُ كلُّها، ثمَّ أكثرُها، وهَلُمَّ جَرّاً إلى الواحد، وعكسُهُ مَنِ اجتمعتْ فيه الصفاتُ الأُخرى كذلك، فَيُعْطَى كلٌّ حَقَّه بحسب حالِه . وقد وردت الإشارةُ إلى ما ذكرتُه -ما يزال الكلام هنا للحافظِ ابنِ حَجَر- في حديث مرفوع أخرجَه الطّبَراني من حديث جابرٍ رَفَعَهُ : «الْجِيرَانُ ثَلاَثَةٌ : جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَهُوَ المُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الإِسْلاَمِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ: مُسْلِمٌ لَهُ رَحِمٌ، لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَالإِسْلاَمِ وَالرَحِم» فتح الباري ج10- ص241-242 في شرح حديث: ما زال جبريل يوصيني بالجار..).

وكما أوصَى الإسلام بإكرام الجار مُؤْمِناً كان أو كافراً، مسلماً كان أو غير مسلم، نَهى أشدَّ النّهْيِ، وقَبَّحَ أشدَّ التقبيح، وحذّر أشدَّ التحذير من إيذائِه، وبيّنَ مُنَافاةَ ذلكَ للإيمان، وأنذرَ عليه بالحرمان من الجنة.

روى البخاريّ ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

- «وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ!»      قِيلَ : مَنْ يَا رَسُولَ الله قَالَ :

- «الْذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» أيْ لا يأمن كيدَه وشرَّه وأذاه.

     وفي رواية لمسلم:

- «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»، قال القرطبي:

- وهذا عامٌ في كلِّ جار.

 والرسول صلى الله عليه وسلم يُكَرّرُ في غير ما تقدّم من الحديث الصلة الوثيقة بين الإيمان وإكرام الجار، وأنَّ إكرامَ الجار من مقتضياتِ الإيمان:

روى البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

- «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ».

وقد بلغ من حرص الإسلام على رِعايةِ الجار، ومن إلحاحِهِ في ذلك، ومبالغتِه فيه، ما يكشفه لنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما:

- «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ».

 أما ما هي حدود الجوار ؟ فقد تعدّدت في ذلك الأقوال :

قال القرطبي:

- اختلف الناس في حدِّ الْجيرة؛ فكان الإمام الأوزاعي يقول: أربعون داراً من كلِّ ناحية.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «من سمع النداء (الأذان) فهو جار»، وقال آخرون: «من ساكَنَ رجلاً في مَحَلّةٍ أو مدينةٍ فهو جار» تفسير القرطبي باختصار.

 ومن حقوق الجار حديث مُعاذ بن جبل رضي الله عنه قال:

قلنا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْجَارِ؟ قال:

- «إن اسْتَقْرَضَكَ أقرضتَه، وإن استعانك أعنتَه، وإن احتاج أعطيتَه، وإن مرض عُدْتَه، وإن مات تبعت جنازته، وإن أصابه خيرٌ سرّكَ وهنّيْتَه، وإن أصابتْه مصيبة ساءتك وعزَّيْتَه، ولا تؤذه بقُتار (القُتار: الدخان من المطبوخ، وريح اللحم المشوي، وأمثال ذلك).  قِدْرِكَ إلّا أن تغرِفَ له منها، ولا تَسْتَطِلْ عليه بالبناء لتُشرِفَ عليه وتَسُدَّ عليه الريح إلاّ بإذنه، وإن اشتريت فاكهةَ فأهدِ له منها وإلاّ فأدْخِلْها سِرّاً لا يخرج وَلَدُك بشيء منها يغيظون به ولده».

فهل تفقهون ما أقول لكم؟

وأما الصاحب بالجنب، الذي أمر الله بإحسانِ صحبتِه والإحسانِ إليه، فهو من يكون بجوارك وصحبتك في مدرستِك أو جامعتِك إذا كنت طالباً، وفي مَعْمَلِك أو وَرْشَتِك إذا كنتَ عامِلاً، وفي قطارك أو طائرتك إن كنت مسافراً، وفي أيّ مكان أو نشاط جامع دائم كان ذلك أو مُوَقَّتٍ طارئ أو عابر.

 وقولوا لي الآن أيها القراء الأعزاء:

- لو أننا توجّهنا في هذا المجال بما وجّهَنا به دينُنا، وأمرَنا به أو أوصانا به ربُّنا ورسولُنا، أَلا يكونُ لنا في المجتمعات التي نعيش فيها، أو نمرّ بها أجملُ صورة وأكرمُ أثَر؟

ألا يَنْغَرِسُ لنا بذلك في قلوب من نجاورهم أو نصاحبهم أو نلتقي لقاءً عابراً بهم المحبة والاحترام..

إنَّ الصورة القبيحة للمسلمين بأعمالهم أو افتراءِ أعدائِهم لا تنمحي بيوم أو أيام..

فلا بُدَّ من الصبر والثبات والعمل الدائب المستمر لتنكشف للقريب والبعيد حقيقةُ الإسلام، وحقيقةُ المسلم، ولِيَحِقَّ الحقُّ ويَزْهَقَ الباطل..

وعملُنا هذا الذي نعمله، وصبرُنا هذا الذي نصبره، إنما هو ديننا الذي نؤمن به، وعبادةٌ لربنا بما كلّفنا به وأمرنا، بصرف النظر عن الفوائد والنتائج المرتقبة.

في الغرب الآن ملايين وملايين من المسلمين.. لو أنّهم وَفَوْا لدينهم، وعملوا بإسلامِهم، كيف كانت تكون حالُهم، وحالُ مجتمعاتِهم بهم؟

هل تكون ثَمّةَ صورةٌ أجمل، وتقدّمٌ أفضل وخيرٌ أجْزَل؟!

 أيها المسلمون..

استمعوا إلى نداءِ إسلامِكم، وتعاليمِ دينكم، وواجباتِكم الخُلُقيّة والاجتماعية والإنسانية، ففي ذلك خيرُ الدنيا والآخرة.

 

كلمة الامان
وجهة نظر
لقطات لبنانية
الامان المحلي
الامان الاقليمي
الامان الدولي
الامان الدعوي
الامان الثقافي
الامان الفكري
لقطات سريعة
ختامه مسك
انشطة متفرقة
مقالات
كاريكاتير
 


الصفحة الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | ارسل لنا مقالاً
 | كلمة الامان | وجهة نظر | لقطات لبنانية | الامان المحلي | الامان الاقليمي | الامان الدولي | الامان الدعوي | الامان الثقافي
 | الامان الفكري | لقطات سريعة | ختامه مسك | انشطة متفرقة | مقالات

copyrights 2005 Al-Aman. All rights reserved - Designed & Developed by al-aman.com