الصفحة الرئيسية
  17 تشرين الأول 2014م   الجـمـعـة 23 ذي الحجة 1435هــ    السنة الثانية والعشرون   العدد 1131 

   
       الامان الثقافي
الى الاعلى

شوقي: عالم الاجتماع والمحلل السياسي

 

بقلم: د. ماجد الدرويش

وأنا أسمع وأقرأ عن مهازل الدول اليوم، وعن فقاعات الأحلام التي تنفخها أحلام الصغار، قفز إلى خاطري قصيدة أمير الشعر أحمد شوقي في رثاء الخلافة الإسلامية، يوم أعلن الهالك مصطفى كمال (أتاتورك) إلغاءها، وهي التي كانت ناظمة عقد المسلمين، وعنوان وحدتهم السياسية، فتوقع شوقي أن تعمّ الفوضى الدينية والسياسية، وأن ينتشر القتل والهرج، وأن تطيش عقول الناس عن أحكام الإسلام الحقة إلى أهواء تغلف بغلاف الدين.. فعدت إلى القصيدة أقرأها بتؤدة ، فأدركت كم كان رحمه الله تعالى عالماً بسنن الاجتماع، عارفاً بنواميس السياسة، فمن فقهه في قوانين الاجتماع أن (الخلافة) التي كانت ممثلة بالدولة العثمانية، على ما فيها، إلا أنها كانت ناظمة لعقد الأمصار، جامعة لشتات الناس، ضرورة اجتماعية لا بدّ منها لصلاح أمور العباد، وقديماً قال الشاعر الجاهلي أبو الأسود الدؤلي:

لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم

وَلا سَـراةَ إِذا جُهّالُهُـم ســادوا

تُلفى الأُمورُ بِأَهلِ الرُشدِ ما صَلَحَت

فَـإِن تَوَلَّـوا فَبِالأَشـرارِ تَنقـادُ

والسراة هم السادة وأهل العقل والرأي..

فواضح أن مما أدرك الناس من سنن الاجتماع أنه لا بدّ من جهة جامعة لأمر الناس ناظمة لها في عقد المصالح ناظرة لها فيما يصلح المعاش، فكيف إذا كانت هذه الجهة هي شرع الله تعالى الذي أنزله لصالح الناس؟ وهل هناك أخبر من الله تعالى بأمر الخلق (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؟

ولأن (الخلافة) ليست مجرد شعار، وإنما منظومة قيميّة تقوم على أساسٍ من شرع الله سبحانه، تهدف إلى النظر فيما يصلح أمور الناس في المعاش والمعاد، كما قال القلقشندي: «الْخلَافَةُ هِيَ حَظِيرَة الإسلام، ومحيط دائرته، ومربع رعاياه، ومرتع سائمته، بها يُحفَظُ الدّينُ ويُحمى، وتُصان بَيْضَة الاسلام وتَسْكُنُ الدَّهما، وتقام الْحُدُود فتمنع الْمَحَارِم عَن الانتهاك، وَتحفظ الْفروج فتصان الْأَنْسَاب عَن الِاخْتِلاط والاشتباك، وتُحصن الثغور فَلَا تطرق، ويذاد عَن الْحُرُم فَلَا تُقرع جنَّة جماها وَلا ترشق»، لأن الخلافة هي كل ذلك،  نجده يتحسر على تفريط الناس بهذه (المنظومة) التي شبهها بالقلادة الجامعة لعلائق النفائس من لآلئ القيم، ومكارم الأخلاق، وحفظ الحقوق، بأبيات تجعل العين تسيل دماً، والقلب يتفطر أسىً:

هَتَكوا، بِأَيديهِمْ، مُلاءَةَ فَخرِهِمْ

مَوشِيَّةً بِمَواهِبِ الفَتّاحِ

نَزَعوا عَنِ الأَعناقِ خَيرَ قِلادَةٍ

وَنَضَوا عَنِ الأَعطافِ خَيرَ وِشاحِ

حَسَبٌ أَتى طولُ اللَيالي دونَهُ

قَد طاحَ بَينَ عَشِيَّةٍ وَصَباحِ

من هنا كان (لمؤسسة الخلافة) عند المسلمين بعامة، وعند علمائهم بخاصة، هذه المكانة المرموقة، وكانوا يرَون أن في ذهابها ذهاب الأمن والانتظام العام، وضياع للحقوق وانتشار الفوضى تحت شعارات كثيرة،  نجد هذا المعنى في قول أمير الشعر:

وَعَلاقَةٌ فُصِمَت عُرى أَسبابِها

كانَت أَبَرَّ عَلائِقِ الأَرواحِ

جَمَعَتْ عَلى البِرِّ الحُضورَ وَرُبَّما

جَمَعَتْ عَلَيهِ سَرائِرَ النُزّاحِ

نَظَمَتْ صُفوفَ المُسلِمينَ وَخَطوَهُمْ

في كُلِّ غَدوَةِ جُمعَةٍ وَرَواحِ

وبسبب انفراط هذا العقد تنبأ أن الأمور ستشهد دعوات باطلات باسم الدين، وفتن تطيش فيها عقول الناس، وينغمسون فيها غمساً، بالإضافة إلى فتاوى المتزلفين الطامحين إلى القرب من السلاطين، وسيكون من آثار ذلك:

ظهور دعوات باطلة في كل أرض من بلاد المسلمين، يُدعى فيها الناسُ إلى اتباع أصحابها على حساب اتباع الشرع.

بروز الفتن التي تطيش معها العقول، وتعطل فيها الأحكام ، ويُمتهَنُ فيها أحكام الدين، وتعم الفوضى والشخصانية والعصبية الجاهلية البغيضة..

تزلّف بعض من ينتسب للعلم إلى السلاطين ومتابعتهم على أهوائهم، والاجتهاد في تأصيل أهوائهم وتبريرها، كل ذلك إما طمعاً بجائزة وإما خوفاً على مصير.. ولو كان على حساب مصير أمة..

فَلتَسمَعُنَّ بِكُلِّ أَرضٍ داعِياً

يَدعو إِلى الكَذّابِ أَو لِسَجاحِ

وَلتَشهَدُنَّ بِكُلِّ أَرضٍ فِتنَةً

فيها يُباعُ الدينُ بَيعَ سَماحِ

يُفتى عَلى ذَهَبِ المُعِزِّ  وَسَيفِهِ

وَهَوى النُفوسِ وَحِقدِها المِلحاحِ

رحم الله تعالى أمير الشعر أحمد شوقي ، لقد أبرزت هذه الأبيات عنده فقهاً سياسياً واجتماعياً، ورؤية بعيدة المدى، وتوقعات نرى آثارها اليوم بارزة في عالمنا..

كلمة الامان
وجهة نظر
لقطات لبنانية
الامان المحلي
الامان الاقليمي
الامان الدولي
الامان الدعوي
الامان الثقافي
الامان الفكري
لقطات سريعة
ختامه مسك
انشطة متفرقة
مقالات
كاريكاتير
 


الصفحة الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | ارسل لنا مقالاً
 | كلمة الامان | وجهة نظر | لقطات لبنانية | الامان المحلي | الامان الاقليمي | الامان الدولي | الامان الدعوي | الامان الثقافي
 | الامان الفكري | لقطات سريعة | ختامه مسك | انشطة متفرقة | مقالات

copyrights 2005 Al-Aman. All rights reserved - Designed & Developed by al-aman.com