الصفحة الرئيسية
 15 آب 2014م   الجمعة 19 شوال 1435هـ   السنة الثانية والعشرون   العدد 1122 

   
       الامان الثقافي
الى الاعلى

إرهاصات سايكس-بيكو الثانية بعد تقسيم العراق وسوريا

 

بقلم: بشير عبد الفتاح

راج بالمنطقة مؤخراً حديث عن نهاية سايكس-بيكو التي وضعت ملامح الحدود السياسية لغالبية دول المنطقة قبل قرابة مائة عام خلت، والشروع في التأسيس لسايكس-بيكو جديدة، تسعى لتأسيس نظام إقليمي جديد بمنطقة الشرق الأوسط من قبل القوى العظمى عبر تقسيم دول عربية محورية على أسس عرقية ودينية وطائفية.

فعلاوة على اعتبار تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أن ما يفعله في سوريا والعراق إنما هو إزالة لحدود سايكس-بيكو الأولى، ثم إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتن ياهو أن المنطقة تشهد هذه الأيام نهاية اتفاقية سايكس-بيكو لعام 1916، لاحت في أفق المنطقة حزمة من المؤشرات التي يستند إليها أصحاب هذا الطرح، من أبرزها:

إعلان الخلافة الإسلامية

بعد تموضعه في سوريا وتوغله في محافظات عراقية, وهيمنته على بترول سوريا بانتزاعها السيطرة على حقل الجفرة أكبر حقول النفط السورية، ليصل إجمالي الحقول النفطية التي سيطر عليها 22 حقلاً، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» الخلافة الإسلامية في الفضاء الذي سبق أن قسمته سايكس-بيكو الأولى قبل قرابة مائة عام.

كما كشف موقع «يني شفق» التركي أن التنظيم أصدر مطلع هذا الشهر جواز سفر رسمياً في الموصل، ليوزعه على 11 ألف شخص داخل المدن والنقاط الحدودية بين العراق وسوريا التي أحكم السيطرة عليها، طبع بأعلاه عبارة «دولة الخلافة الإسلامية»، وبجانبها علم «داعش»، وهو ما تزامن مع البدء في عملية استخراج بطاقات الهوية الخاصة بمواطني الدولة الجديدة.

حملت سايكس-بيكو الأولى، مشروعاً عربياً للخلافة الإسلامية تبناه الشريف حسين على أجنحة الثورة العربية الكبرى التي قادها ضد الدولة العثمانية عام 1916، وهو المشروع الذي كان مدعوماً من الدول الاستعمارية الكبرى وقتذاك كفرنسا وبريطانيا، اللتين كانتا ترميان لاستمالة الرجل والحصول على دعمه ومن سار في ركابه من العرب التواقين للاستقلال، بغية تفكيك الدولة العثمانية والإجهاز على الرجل المريض الذي ناصب الحلفاء العداء بانضمامه إلى معسكر المحور أثناء الحرب العالمية الأولى.

واليوم، يطل علينا مشروع خلافة إسلامية جديد يبشر به تنظيم «داعش» بعدما أعلن أميره أبو بكر البغدادي من الموصل قيام الخلافة وتنصيب نفسه خليفة للمسلمين وهي الخطوة التي لم يستبعد مراقبون أن تكون مدعومة من قبل واشنطن وقوى إقليمية أخرى ترى في تلك الخلافة عصا موسى التي تبتلع تحديات عديدة بالمنطقة.

ولا يستبعد كثيرون أن تكون وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد جندت الرجل لحسابها إبان سنوات اعتقاله في سجن معسكر بوكا الأميركي في الفترة (2004-2009).

استقلال كردستان العراق

مثلما أسفرت سايكس-بيكو الأولى عن ظهور كيانات جديدة في المنطقة كإمارة شرق الأردن، تلوح في الأفق اليوم علامات تأسيس دولة جديدة في المنطقة هي كردستان العراق.

فبينما كان العالم ينتفض هلعاً جراء الآثار السلبية الخطيرة المرتقبة على خلفية تغلغل تنظيم «داعش» في العراق، عكفت حكومة إقليم كردستان على تحري كل السبل الممكنة لتعظيم استفادتها من هذا الحدث الجلل، فكانت مساعيها الحثيثة لتغيير الأوضاع على الأرض بما يعزز استقلالية الإقليم التامة عن بغداد، خصوصاً أن كردستان العراقية تتمتع بالعديد من خصائص وركائز الدولة المستقلة كالحكم الذاتي منذ ما يربو على عشرين عاما، فضلاً عن البرنامج الخاص لمنح تأشيرات الدخول.

وبناء عليه، استغل الأكراد حالة الفوضى الناجمة عن هجوم «داعش»، فبسطت قوات البشمركة سيطرتها على مناطق متنازع عليها مع بغداد، متجاهلة المادة 140 من الدستور العراقي، مدّعية أن تلك المناطق جزء تاريخي من كردستان العراق.

ومن أهم تلك المناطق إقليم كركوك الغني بالنفط، الذي شهد حفر أول بئر نفطية في البلاد عام 1927، وتحوي أراضيه رابع أكبر حقل نفطي في العراق، ويسهم حالياً وحده بنحو نصف إنتاج البلاد من النفط. والأدهى من ذلك أن حكومة كردستان حولت أنابيب النفط الخاصة بكركوك عبر ربطها بخطوط النفط الخاضعة لسيطرة الإقليم الكردي.

تقسيم سوريا والعراق

بعد انقسام السودان إلى شمال وجنوب في عام 2011، وبالتزامن مع حالة «البلقنة» التي تخيم على ليبيا منذرة بتقسيمها إلى ثلاث دويلات، ومثلما كان تفكيك سوريا الكبرى سبباً في وضع نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى بالكامل أو ما بعد الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط، ربما تكون مقدمات تقسيم البلدين مجدداً على خلفية الصراع الداخلي والإقليمي، إرهاصة لسايكس-بيكو جديدة.

ففي ظل وضع عسكري معقد في سوريا يستعصي على أي من أطراف النزاع حسمه لصالحه، مع استمرار دعم القوى الإقليمية والدولية لكل فصيل حسب أجنداتها، يتربص بسوريا شبح التقسيم بين دولة علوية تسيطر عليها بحكم الأمر الواقع قوات النظام الأسدي تمتد بين بعلبك وحمص على جانبي الحدود اللبنانية السورية، وأخرى سنية تتوزع بين المعارضة و«داعش».

وربما بات العراق أقرب للتقسيم من أي وقت مضى إلى ثلاث دول، بين شيعية مع هيمنة إيرانية تنشأ في الجنوب، وثانية كردية في الشمال، وثالثة سنية في الشمال الغربي وبغداد.

مغانم إسرائيلية

مثلما أفضت سايكس بيكو الأولى إلى إصدار وعد بلفور الذي أتاح لليهود تأسيس وطن قومي في فلسطين عام 1917، كانت الدولة الإسرائيلية حاضرة في ترتيبات سايكس-بيكو الجديدة، إذ تبدي حكومة نتن ياهو اليوم، ترحيبها بإعلان استقلال كردستان العراق، حيث دعا نتن ياهو لإضفاء الطابع الرسمي على السيادة الكردية، ووصف مسؤولان إسرائيليان بارزان في اجتماعات مع الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري وجود دولة كردية في شمال العراق بأنه «أمر واقع محل ترحيب».

كل ذلك إضافة إلى تكريس استراتيجية تفتيت الدول العربية القوية عبر تأجيج التناقضات السلالية والدينية بداخلها، المستوحاة من الفكرة التي نشرها الدبلوماسي الإسرائيلي عوديد ينون في مجلة الحركة الصهيونية العالمية «كفونيم»، في شباط ١٩٨2، التي تعرضت للتنقيح والتطوير من جانب مراكز الفكر السياسي الإسرائيلي، قبل أن تتولى الحكومات الإسرائيلية وأجهزتها تحويلها إلى خطة عمل، تجاوبت معها إدارة بوش الابن، التي سيطر عليها المحافظون الجدد بميولهم الاستعمارية وتطرفهم في تأييد الأطماع الإسرائيلية.

وفي مسعى منها لاستغلال الموقف المتأزم حالياً، تروّج إسرائيل أن جيشها هو الوحيد في المنطقة القادر على التصدي لخطر «داعش» وضمان أمن الأردن والضفة الغربية، ففيما أعلن قائد سلاح الجو الإسرائيلي استعداده للتدخل في العراق لضرب «داعش»، ناشد نتن ياهو دول المنطقة والمجتمع الدولي الموافقة على استمرار وجود الجيش الإسرائيلي وحصونه الممتدة على طول شاطئ نهر الأردن في الضفة الغربية، بما يتيح لتل أبيب السيطرة على سهل البقاع وشاطئ نهر الأردن في إطار أي تسوية سياسية للقضية الفلسطينية لاحقاً.

استراتيجية قديمة

قد يتأخر الإعلان عن سايكس-بيكو الجديدة عدة سنوات، كما جرى مع الأولى التي أبرمت سراً بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، وتم تبادل وثائق التفاهم بين وزارات الخارجية في كل من باريس ولندن وموسكو، ولم يكشف عن الاتفاقية إلا عندما وصل الشيوعيون إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917، فيما لم تتضح معالم المؤامرة التي تنتظر العرب إلا بالتوقيع على اتفاق سان ريمو عام 1920.

وقد باركت روسيا القيصرية اقتسام فرنسا وبريطانيا منطقة الهلال الخصيب وما حولها، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، ولم يحل الاحتجاج الواسع من جانب القوميين العرب دون تقسيم سوريا الكبرى إلى أربعة أجزاء: فلسطين وشرق الأردن ولبنان وسوريا الحديثة. وللأسف أقرت عصبة الأمم عام 1922 وثائق الانتداب المذكورة.

وعبر هندسة عرقية ودينية ومذهبية، لغم الفرنسيون والبريطانيون المنطقة، ومع بداية خمسينيات القرن الماضي، انهارت سطوتهما وانبثق من الفراغ الناجم جيل من الديكتاتوريات العسكرية القومية التي هيمنت على مقاليد السلطة في دول المنطقة الممتدة من ليبيا إلى العراق، وهو الحراك الذي أماط اللثام عن مشاكل وأزمات الدولة الوطنية العربية، وأفضى إلى خلخلة تلك الدول توطئة لتفكيكها، فكان تحرك لاعبين دوليين جدد كأميركا وروسيا بمعاونة حلفاء وتابعين إقليميين، لإعادة هندستها جيواستراتيجياً مرة أخرى، استناداً إلى ذات الأسس العرقية والدينية والمذهبية، ووفقاً لسايكس-بيكو جديدة.

كلمة الامان
وجهة نظر
لقطات لبنانية
الامان المحلي
الامان الاقليمي
الامان الدولي
الامان الدعوي
الامان الثقافي
الامان الفكري
لقطات سريعة
ختامه مسك
انشطة متفرقة
مقالات
كاريكاتير
 


الصفحة الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | ارسل لنا مقالاً
 | كلمة الامان | وجهة نظر | لقطات لبنانية | الامان المحلي | الامان الاقليمي | الامان الدولي | الامان الدعوي | الامان الثقافي
 | الامان الفكري | لقطات سريعة | ختامه مسك | انشطة متفرقة | مقالات

copyrights 2005 Al-Aman. All rights reserved - Designed & Developed by al-aman.com