الصفحة الرئيسية
 23 كانون الثاني 2015 م   الجـمـعـة 2 ربيع الآخر 1436 هــ    السنة الثالثة والعشرون    العدد 1145 

äÓÎÉ ÇáÃßÑæÈÇÊ áåÐÇ ÇáÚÏÏ
   
       الامان الثقافي
الى الاعلى

زلزال فرنسا وإعصار الإساءات إلى القيم الإسلاميّة
 

بقلم: إبراهيم أبو محمد- المفتي العام لقارة أستراليا

من المعروف للباحثين أن العقائد بصورة عامة تشكل لدى أصحابها مناطق شديدة الحساسية وسريعة الاشتعال، لأنها مغلفة بالعواطف، والعواطف كما يقولون قواصف وعواصف وأحياناً نواسف، ومن ثم فالعقائد -بهذا التوصيف- تشكل محميّات طبيعية لا يجوز الاقتراب منها أو اقتحامها على أصحابها، وإلا حدث الحريق.

 وظهور الجرم المسيء بشقيْه -والذي شكل زلزالاً في فرنسا- له دلالة خاصة لا تخطئها عين الباحث. فشقه الأول كان عدواناً إرهابياً صارخاً على صحيفة أمعنت في تعنتها، وأصرّت على التعدي والتجاوز والعدوان على عقيدة كل المسلمين في العالم، وفي أكثر من مرة رغم كل الاحتجاجات.

والشق الثاني يتعلق بقول «كوليبالي» -الذي قام باحتجاز الرهائن- إنه فعل ذلك انتقاماً لما تقوم به إسرائيل تجاه الفلسطينيين، ولما قامت به فرنسا في بلده الأصلي «مالي». ومن الطبيعي أن يكون من حق فرنسا وطناً وحكومة أن تحمي نفسها من خطر الإرهاب الذي أشعل غضب الجميع بهذا العدوان على صحيفة «شارلي إيبدو».

أما الصحيفة -التي حظيت بتأييد العالم بعد الحادث- فقد تعوّدت من قبلُ تجاهلَ كل العواصف وكل الغضب، ففعلتها في السبعينات حين سخرت من الرئيس الفرنسي شارل ديغول بعد موته، فهبّ المجتمع والدولة معترضيْن، فطردت الصحفي صاحب السخرية من عمله.

وعرفت الصحيفة أن لحريتها سقفاً محدداً وأغلقت أبوابها وبيعت بثمن بخس، ثم عادت للظهور مرة أخرى في ثوب جديد، وكررت التجربة الخاطئة مرة ثانية فتعرضت لنجل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي وعرّضت بأصوله اليهودية، فاتهِمت بمعاداة السامية واعتذرت وطردت الصحفي الذي فعل ذلك، وأدركت مرة أخرى أن لحريتها سقفاً محدداً.

غير أنها تجاهلت ذلك كله وأوغلت في التعدي والتجاوز والعدوان على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تعبأ بغضب 1.6 مليار مسلم، ونشرت رسومها المسيئة أكثر من مرة بحجة حرية التعبير، ولجأ بعض الفرنسيين إلى القضاء ليمنع الصحيفة من استفزاز المسلمين وإثارة الكراهية، ولكن القضاء انتصر للصحيفة بذات الحجة (حرية التعبير)، وكأن الحوادث السابقة المتعلقة بشارل ديغول وابن ساركوزي لم تكن من قبيل حرية التعبير!

هنا تبدو الانتقائية في التعامل مع المبدأ الواحد بازدواجية المعايير، مثيرة للسخرية ومستفزة للمشاعر، ومستهينة بعقل القارئ وذكائه، حين تصب الزيت على النار في وقت ترتفع فيه حرارة الغضب وتشتد فيه العواصف بحروب عبثية تأكل الأخضر واليابس، وتكلف الدول مئات الآلاف من القتلى والضحايا في كل بقاع الأرض وفي المنطقة العربية بالذات.

وفي مواجهة ظاهرة العنف والإرهاب التي وقعت في فرنسا، اختلطت دماء الضحايا المسلمين الفرنسيين بدماء غيرهم من الفرنسيين، ولم يفرق الإرهاب بين مسلم وغير مسلم، ومع ذلك تتكرر الأخطاء ويتم التركيز على ديانة الجاني بينما الضحية لا يتحدث أحد عن دينه.

في جرائم باريس، قتل الشرطي أحمد مرابط، وهو مسلم مخلص لدينه ولقيم فرنسا، ولم يشفع له دينه، وقد كان القاتل والمقتول مسلميْن، فلماذا يتم التركيز على ديانة الجاني بينما يُغض الطرف عن دين الضحيّة؟ تلك ازدواجية أخرى في المعايير تمارس عن إصرار وقصد. وهناك ضحية مسلم آخر داخل الصحيفة هو الجزائري مصطفى أوراد، ثم كان هناك العامل المسلم «لسانا باتيلي» في المتجر اليهودي الذي قام بإخفاء ستة من الزبائن اليهود في ثلاجة لحوم، وحماهم من القتل وحفظ حياتهم، وتواصل مع الشرطة عبر هاتفه المحمول، وكان دوره مهماً في عملية اقتحام المتجر، وبسبب إنسانيته وشجاعته لم يُمسّ هؤلاء اليهود بأي أذى. والمفارقة أنه من «مالي» نفس البلد الذي يتحدر منه الخاطف «كوليبالي».

قال «لسانا» عن نفسه إنه مسلم مؤمن ويصلي، والهجوم يؤلمه جداً، وعلاقته باليهود جيدة، وهو حزين على مقتل زميله اليهودي «يوهن كوهن»؟ والسؤال الملحّ هو: لماذا يتم التركيز على ديانة الجاني ولا يشار إلى ديانة الضحايا؟ أليست هذه ازدواجية في المعايير تـُشعر المسلم بأنه مستهدف لمجرد ديانته ولأنه مسلم؟ ويستمر الإصرار على المعالجة الخاطئة في إطار ثلاثة مسارات كلها خطأ، وتؤدي إلى مزيد من التعاطف مع الجناة، ومزيد من إثارة الكراهية وإشعال الحريق.

 - المسار الأول: هو إصرار الصحيفة على إصدار ثلاثة ملايين نسخة من الصور المسيئة في تحدٍّ صارخ لمشاعر المسلمين في العالم، الأمر الذي يوّلد نوعاً من التعاطف والتماس العذر للجناة في جنايتهم لدى كثير من شرائح الشباب البعيدين عن الاستقطاب، كما يولد خيبة الأمل لدى كل من يتطلعون إلى السلام والأمن وحماية مكتسبات التعددية الحضارية والثقافية، والتعايش السلمي والعلاقات الإنسانية المحترمة بين شتى الأجناس.

 - المسار الثاني: هو الحشد الإعلامي الخاضع والموجه بالهوى السياسي، حيث يحشد للإدانة والمظاهرات، ويستحضر من ذاكرته كل ما يثير الكراهية ويزيد حجم الغضب في نفوس شعوب الغرب، لتبرير هجوم اليمين المتعصب ومراكز القرار على المسلمين وعلى الإسلام أرضاً وشعوباً وديناً وهوية. ونُلاحظ هنا ازدواجية المعايير بين مواطن مسلم -لا ذنب له- تتعرض مساجده لأكثر من خمسين حالة اعتداء، بينما تـُستدعَى قوات الجيش لحماية المعابد والمدارس اليهودية!!!

- المسار الثالث: هو الحشد الأمني عن طريق الملاحقات وسن ترسانة جديدة من القوانين تعمل على تقوية الأقوى وهو أجهزة الأمن والاستخبارات، وإضعاف الأضعف وهو المواطن في مواجهة الدولة.

المسارات الثلاثة تصب كلها -وبزخم شديد- في صالح الإرهاب، وتساعده ليتحول من ظاهرة إلى أيديولوجيا، وتحول فعله وممارسته من جريمة إرهابية سيئة السمعة إلى متعة وشهرة وشهوة عند ممارسيه، لأنه يمكّنهم من الثأر والانتقام من عدوّ يستبيح دينهم وأرضهم، كما ينقل الإرهاب من بيئة محدودة إلى وباء عابر للقارات يضرب في كل مكان، وتكون النتيجة أن يتحول الإرهاب إلى وطن يحتضن ويُصَنِّعُ ويُصدّر. الغريب أنه بعد عشرات السنين من المعاناة نتيجة التجربة؛ يكرر البعض الآن نفس الخطأ!! فهل نحن نريد القضاء على الإرهاب أم المساعدة في تجميعه ليتكاثر وينمو؟

 

كلمة الامان
وجهة نظر
لقطات لبنانية
الامان المحلي
الامان الاقليمي
الامان الدولي
الامان الدعوي
الامان الثقافي
الامان الفكري
لقطات سريعة
ختامه مسك
انشطة متفرقة
مقالات
كاريكاتير
 


الصفحة الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | ارسل لنا مقالاً
 | كلمة الامان | وجهة نظر | لقطات لبنانية | الامان المحلي | الامان الاقليمي | الامان الدولي | الامان الدعوي | الامان الثقافي
 | الامان الفكري | لقطات سريعة | ختامه مسك | انشطة متفرقة | مقالات

copyrights 2005 Al-Aman. All rights reserved - Designed & Developed by al-aman.com