أسامة أبو رشيد

لا جدال في أن مكانة مصر، عربياً وإقليمياً ودولياً، تراجعت بشكل كبير منذ تسلّم عبد الفتاح السيسي الرئاسة عام 2014. قد يقول بعضهم إن هذا التراجع سابق على رئاسة السيسي، وهذا صحيح، فمكانة مصر في تراجع مطّرد منذ خروجها -أيام الرئيس أنور السادات- من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي تحت مظلة كامب ديفيد عام 1978، وما تلا ذلك من مجيء حسني مبارك رئيساً، وتحويله مصر إلى «عزبة» لعائلته ومقرّبيه، فضلاً عن أنها أصبحت تحت حكم نظامه كاسحة ألغام غربية وإسرائيلية في المنطقة. ومع انطلاق ثورة يناير عام 2011، فقدت مصر مزيداً من توازنها، سواء تحت حكم المجلس العسكري، أو تحت حكم الرئيس المُنْقَلَبِ عليه، محمد مرسي، عام 2013، ثم تحت حكم العسكر مرة أخرى، وصولاً إلى رئاسة السيسي. إلا أن الجديد الذي أضافته رئاسة السيسي لذلك التراجع في المكانة أن مصر تتدهور اليوم على كل الصعد، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وجيوستراتيجياً. مصر اليوم، أقرب إلى سفينةٍ من دون ربان، أو أنها سفينة في خضم أمواج عاتية، يوجه دفتها هاوٍ. 
مناسبة هذا الكلام أن نظام السيسي لم يكتف بالإبقاء على الفساد والقمع والمقاولات المدفوعة الثمن لإسرائيل والغرب، كما كان الحال زمن مبارك، بل حوّل مصر إلى بندقيةٍ للإيجار، وإلى «دولة مُرْتَزَقَةٍ»، تفتح قواعدها لمن يدفع (رزّاً) أكثر، كروسيا. فحسب مصادر عسكرية أميركية، ودبلوماسية غربية، وأمنية مصرية، فإن نظام السيسي سمح لروسيا، مؤخراً، بنشر قوات في قاعدة عسكرية غربي مصر، بالقرب من الحدود الشرقية الليبية، لدعم قوات اللواء الليبي المتمرد خليفة حفتر، في معركته مع الحكومة الشرعية في طرابلس وكتائب الثوار الداعمة لها.
وقبل ذلك، أفادت معلومات في تشرين الثاني 2016، بأن نظام السيسي أرسل طيارين عسكريين إلى حماة لمساعدة النظام السوري في حربه على قوات المعارضة السورية. وحسب تصريحات للسيسي في الشهر نفسه، في مقابلة مع قناة «آر بي تي» التلفزيونية في البرتغال، فإن «الأوْلى لمصر أن تدعم الجيش الوطني في ليبيا وكذلك في سورية وأيضاً العراق، من أجل فرض الأمن في هذه البلدان». ولا يحتاج الأمر إلى تذكير أن الجيش السوري الذي يتحدث عنه السيسي هو من يرتكب مجازر يندى لها الجبين بحق شعبه، في حين أن الجيش العراقي طائفي بامتياز، أما قوات حفتر فهي عصابات تريد أن تبث الروح من جديد في نظام متخلف كنظام معمر القذافي. 
أبعد من ذلك، لم يعد خافياً أن نظام السيسي يتقاطع مع إسرائيل وإيران وروسيا، كما يتقاطع مع أميركا، وبعض الدول الخليجية. إنه النظام الوحيد القادر اليوم على جمع هذه التناقضات كلها، فحيثما دار «الرُّزُ» متناغماً مع العبث في استقرار المنطقة، دارت مصر، فترى السيسي متقاطعاً مع إسرائيل في حصار قطاع غزة، ومع روسيا وإيران في سورية، ومع إيران في العراق، ومع أميركا في ما يوصف بـ«الحرب على الإرهاب»، ومع الإمارات في محاربة الإخوان المسلمين.. إلخ. تبقى هنا السعودية واليمن، فالأصل أن «الرُّزَ» السعودي كان لضمان ولاء مصر ودعمها. ولكن، عندما جاء وقت استيفاء ثمن «الرُّزِ» السعودي في اليمن، نكص نظام السيسي على عقبيه، ووجّه أول طعنةٍ للمملكة هناك، ثمَّ ألحقها بطعنةٍ أخرى في سورية، تزلفاً لإيران وروسيا. 
باختصار، تحولت مصر تحت نظام السيسي إلى نقطة ارتكاز لإجهاض العالم العربي من داخله وعبء عليه، بل أضحت وكراً لكل أعداء النهوض العربي. «مصر الكبيرة» ليست قائمة، فقد تحولت تحت السيسي إلى ملاحق في وزارات خارجية ووكالات استخبارات وعسكرية أجنبية. هذه هي مصر السيسي. تنتقل من حضن أميركي إلى حضن روسي، حسب السعر وكمية «الرُّزِ» المقدم، على شرط أن يكون من أجل خلخلة بُنى المنطقة ورهنها أكثر لأعدائها. يفعل نظام السيسي ذلك كله ويرهن البلد، في وقت تغرق فيه مصر بالديون والفقر والقمع والفساد، دع عنك العبث بأمنها الاستراتيجي، خصوصا في ما يتعلق بأمنها المائي الذي يوشك أن يُضْرَبَ ضربة قاصمة مع تشييد سدّ النهضة الإثيوبي على النيل، فيما ترى السيسي سادِراً في غَيِّهِ، وكأن الأمر لا يعنيه. 
لك الله يا مصر، وآجرنا في مصيبتنا فيك نحن العرب.