وجهة نظر

العراك السياسي قبل التشكيل
07/06/2018 - أيمن حجازي

في غمار السعي الى تشكيل الحكومة الجديدة، تبدو الساحات الطائفية مختلفة جداً في درجات الحرارة التي تجتاحها في هذا الخضم. ففيما ترتفع الحماوة في الساحة المارونية خصوصاً وفي الساحة المسيحية عموماً، تنخفض الحرارة كلياً في الساحة الشيعية التي ﻻ تشهد أي مستوى من مستويات التجاذب حول الحصص الوزارية في داخل البيت الشيعي اللبناني.
أما في الساحتين السنّية والدرزية، فإن العصف منحصر في زاوية محددة غير مشابهة وﻻ موازية لما هو قائم في الساحة المسيحية من أجواء ملحمية عاصفة بين حزب «القوات اللبنانية»  و«التيار الوطني الحر»، وحتى بين تيار المردة والفريقين اﻷخيرين. ويشبّه البعض واقع الحال بين «الوطني الحر» و«القوات» وكأنها حرب إلغاء سياسية شبيهة بحرب الإلغاء العسكرية التي نشبت بين الجانبين في عام 1990. وﻻ يبدو أن تفاهم معراب الذي جرى التوصل اليه بين القوتين المسيحيتين اﻷكبر في كانون الثاني من عام 2016، قادر على الصمود أكثر. فالتيار الوطني الحر الذي يسعى الى الحصول على ستة مقاعد وزارية في الحكومة القادمة ما خلا حصة رئيس الجمهورية، ﻻ يرى أن حصة حزب القوات اللبنانية تتجاوز الثلاثة مقاعد. فيما يتسلح القواتيون بنص من تفاهم معراب يقول بالمساواة بين حصتي التيار العوني وحزب القوات في الحكومة. هذا فضلاً عن تطلع القوات الى استمرار موقع نائب رئيس الحكومة في حوزتهم في الحكومة المقبلة.
في المقابل، تبدو الساحة الشيعية هادئة ﻷن اﻷمور محسومة فيها، والتفاهم تام وشامل بين حركة أمل وحزب الله اللذين يشكلان كامل المفردات النيابية الشيعية، ما يجعل القسمة سهلة بين طرفي الثنائي الشيعي... والحصة الشيعية البالغة ستة مقاعد وزارية في أي حكومة ثلاثينية مفترضة تمنح كل طرف ثلاثة مقاعد وزارية تنازل حزب الله فيها عن الوزارة السيادية (وزارة المالية) لمصلحة حركة أمل. 
 وتبرز على الساحة الدرزية حالة تصارع حادة على المقعد الوزاري الثالث الذي يعتبره الحزب التقدمي اﻻشتراكي حقاً طبيعياً له بعد انفراط عقد الكتلة النيابية التي كان يرأسها اﻷمير طلال ارسلان والتي كانت تضم نائبين درزيين ونائبين مسيحيين ذوَي ميول وخلفية عونية واضحة. في حين أن الكتلة النيابية الحالية التي أعلن اﻷمير طلال ارسلان ترؤسها (وفق الحزب التقدمي اﻻشتراكي) مصطنعة بالكامل ﻷنها تضم الى جانب ارسلان ثلاثة نواب مسيحيين  تمت استعارتهم بالكامل من كتلة التيار الوطني الحر، ما يشكل دفرسواراً في داخل البنية السياسية الدرزية اللبنانية تهدف الى سلب القوة الدرزية اﻷبرز حقها في المقعد الوزاري الثالث.  
في الساحة السنّية يخوض الرئيس سعد الحريري معركة الدفاع الشرسة ضد اقتحام حصنه من خلال السعي الى تمثيل السنّة المتحالفين مع «حزب الله» أو المعارضين لتيار المستقبل في الحكومة القادمة من خلال حصول هؤﻻء على مقعد وزاري سنّي أو أكثر. ويستند  الرئيس الحريري في مسعاه هذا الى تفهم ايجابي من قبل التيار الوطني الحر للظرف الذي يمر به رئيس تيار المستقبل الذي ما زال يمثل القوة النيابية اﻷبرز في الساحة السنّية. 
انها معارك الساحات الطائفية والمذهبية والمساحات التي ينبغي أن يمسك بها أمراء الطوائف والمذاهب في جمهورية تضم عدة ممالك تعاني من ثنائيات شتى وتستنزف البلد على الدوام في عراكات سياسية مستدامة بعدما استحالت العراكات العسكرية المشؤومة ولله الحمد. فيا أهلاً وسهلاً بالعراك السياسي، عندما يشكل بديلاً موضوعياً للعراك العسكري واﻷمني المدمر الذي يجتاح أقطاراً ودوﻻً عديدة في المنطقة.