أيمن حجازي

في كل موسم انتخابي لبناني تنطلق اﻷحاديث السياسية واﻻجتماعية عن الرشوة ودورها في اختيار النواب الذين يترشح بعضهم وفي محفظتهم المالية ثروة تخولهم فعل اﻷفاعيل في الميدان اﻻنتخابي وفق ما هو رائج في هذا المجال. ويغيب عن البال في هذا الخضم اﻷصناف اﻷخرى من الرشوة المقنعة التي ينبغي تسليط الضوء عليها. فالرشوة في نسختها الكلاسيكية عبارة عن شراء أصوات بمبالغ مالية محددة تدفع وفق آليات محددة ﻻ تخلو من القبح والإهانة مثل قسم اليمين من قبل المرتشي أو حجز بطاقة هويته من قبل الراشي وغيرها من اﻵليات المفعمة بكل ما يؤكد احتقار الناخب والتعامل مع صوته كسلعة تباع وتشترى.
ولكن تطور الحياة اﻻجتماعية والسياسية في البلد دفع القادة وعلية القوم الى ابتكار أشكال أخرى أكثر فاعلية في السيطرة على أصوات الناخبين ومصادرتها لمصلحتهم. ويأتي في طليعة هذه اﻷشكال عمليات التوظيف التي تجتذب عائلات بكاملها إلى صف هذا المتنفذ أو ذاك. ففي ظل الفقر الذي يصيب الناس في حياتهم، وفي ظل تفشي البطالة، يصبح تأمين وظيفة ﻷحد أفراد العائلة بمثابة فتح باب للرزق، خاصة بالنسبة إلى الفئات المعوزة. وهذا ما ينطبق على تأمين وظيفة كبرى في الإدارة اللبنانية، فإن ذلك سيفتح الباب واسعاً أمام استقطاب كل المحيط العائلي للموظف المعني الذي من المفترض أن يعمل على خدمة عائلته ومعارفه بقدر ما أعطي من صلاحيات بشرط أن يبقى كل شيء تحت مظلة الوﻻء لذاك المتنفذ الذي يشكل غطاء لذلك الموظف الذي سيبقى بحاجة الى الدعم في الوصول الى مناصب وظيفية أرفع. ويذكر في هذا السياق أن ازدياد أعداد الموظفين الرسميين  في إقليم الخروب من قضاة وضباط ومديرين يعود في جزء منه الى التنافس اﻻنتخابي التاريخي الذي كان قائماً بين الرئيس كميل شمعون والزعيم كمال جنبلاط، اللذين كانا يملكان القدرة على التوظيف في الإدارة اللبنانية الرسمية. ويندرج في نفس السياق توفير الخدمات القضائية واﻷمنية للمشكلات الشائعة في مجتمعنا التي يُرجَع فيها الى المتنفذ الذي يعمد الى التدخل حينما يرى مصلحة له في التدخل وتقديم خدمة تحفظ له رصيده الشعبي واﻻنتخابي في بيئته السياسية واﻻجتماعية.
 ويمكن أن نضيف الى كل ذلك القدرة على توظيف الناس في مؤسسات يمتلكها هذا المتنفذ أو ذاك في لبنان والخارج، الذي يعمد الى شحن موظفيه في المواسم اﻻنتخابية الى الوطن كي يدلوا بأصواتهم ويرجحوا كفته اﻻنتخابية ويسهموا في حشد عائلاتهم وأقربائهم واﻷصدقاء في معارك المصير اﻻنتخابية التي تجري وفق معايير شتى وبعيدة كل البعد عن المعايير السياسية الجدية التي يجب أن تحدد خيارات الناس السياسية واﻻنتخابية. وتوجد وسائل أخرى من الرشوة المقنعة التي تتجسد في تجيير مشاريع خدماتية يجري افتتاحها خاصة قبيل مواعيد اﻻنتخابات، وكأنها صدقة من الزعيم المعني أو أنها من ماله الخاص. وذلك في ظل تجاهل تام لحقيقة أن تقديم هذه الخدمات هو حق طبيعي من حقوق المواطن، وهي خدمات  تدفع مصاريفها من اﻷموال التي تجبى من المواطنين عامة.
لقد تكرست هذه الرشوة المقنعة وتوسعت دائرتها وباتت ركناً أساسياً من نظامنا اﻻجتماعي المشوه الذي يستمد مشروعيته الفضلى من فيدرالية الطوائف التي تلمّ أشلاء الوطن وتحفظ وحدته ضمن حد أدنى من التوافق واﻻنسجام النسبي المتأرجح.